Top stories

 

 

Click for the latest Montreal weather forecast.
Click for the latest Montreal weather forecast.

 

 

 

في حديث شامل الى «الحياة» حول الماضي والرواية والهوية وصدام الحضارات (1 من 3) ... أمين معلوف: أنا كاتب لبناني وفرنسي ... وكلمة «فرنكوفونية» لا أحبها لم أستطع أن أنحاز في الحرب الى أي طرف ولو لم تقع لكتبت باللغة العربية

باريس – عبده وازن     الحياة     - 11/03/06//

عندما أصدر أمين معلوف كتاب «الحروب الصليبية كما رآها العرب» بالفرنسية عام 1983 لم يكن يُهيأ له أن هذا الكتاب الفريد سيفتح له أفقاً واسعاً بعد النجاح الذي لقيه في فرنسا وسائر البلدان التي ترجم الى لغاتها. صدر هذا الكتاب في مرحلة دقيقة كان الحوار فيها بين الشرق والغرب مشوباً بالكثير من التناقص وسوء الفهم، وكانت قضية الحروب الصليبية نفسها مثار جدل تاريخي وديني بين المؤرخين والعلماء العرب والمستشرقين الغربيين والمؤرخين وعلماء الاجتماع والسياسة. جاء كتاب معلوف ليلقي ضوءاً ساطعاً على هذه القضية انطلاقاً من نظرة المؤرخين والرواة العرب اليها، معتمداً الموضوعية التامة في قراءة تلك الحقبة. وبدا الكتاب هذا أشبه بـ «الرواية الحقيقية» التي تميل الى فعل التأريخ أكثر مما تميل الى فعل القص والسرد.

إلا أن هذا الكتاب فتح أمام أمين معلوف باب الرواية التاريخية ممهداً أمامه الطريق التي سيسلكها. وبعد ثلاث سنوات أصدر روايته الجميلة «ليون الافريقي» (1986) متناولاً فيها الشخص الاشكالي الذي يدعى حسن بن محمد الوزان والذي يلقب بـ «الغرناطي» و «الافريقي». وكان يعد نفسه «ابن السبيل» وطنه «القافلة» وفيه تلتئم اللغة العربية والتركية والبربرية والقشتالية والعبرية واللاتينية... بعد سنتين أصدر معلوف رواية «سمرقند» (1988) جامعاً فيها بين غرق باخرة «التيتانيك» الشهيرة و «رباعيات» الشاعر الفارسي عمر الخيام وفرقة الحشاشين. هذه الرواية بدت غاية في الطرافة والسحر، لأنها ارتقت بالحدث التاريخي الى مصاف الحدث المتخيل. ثم أصدر «حدائق النور» (1991) التي تدور حول شخصية «ماني» مؤسس الديانة المانوية... ثم رواية «القرن الأول بعد بياتريس» (1992) و «صخرة طانيوس» التي حازت جائزة غونكور الفرنسية عام 1993 و «موانئ المشرق» و «الهويات القاتلة»...

يصعب حصر روايات أمين معلوف في عالم معيّن ونوع معيّن، فهي أعمال روائية بمقدار ما هي أعمال تاريخية، واستطاع الكاتب اللبناني – الفرنسي أن ينفتح من خلالها على الحضارات والثقافات والشعوب في ما يشبه الحوار الحقيقي الذي لا يلغي الخصوصيات والاختلافات والهويات الأصلية. وكان لا بد لهذه الروايات من أن تشهد رواجاً عالمياً لم يتطلب الكثير من الوقت، فهي تخاطب الانسان حيثما كان وتتوجه الى الذاكرة والمخيلة في وقت واحد. وكان لا بد لهذه الروايات أيضاً من أن تنتشر في سلسلة كتب «الجيب».

في السابعة والخمسين من عمره، يقيم بين باريس والجزيرة الاطلسية التي يختلي فيها بنفسه وكتبه وأوراقه، هجر لبنان عام 1976 غداة اندلاع الحرب اللبنانية. استهل حياته المهنية صحافياً في جريدة «النهار» ثم ترأس تحرير مجلة «أفريقيا الشابة» (جون أفريك) الصادرة في باريس بالفرنسية. وعندما باشر في الكتابة الروائية هجر الصحافة لكنه ظل متابعاً للسياسة من بعيد. كاتب لبناني وفرنسي في آن واحد، يستشهد الرئيس جاك شيراك ببعض جمله ودعاه أكثر من مرة لمرافقته في بعض أسفاره.

في بيته الباريسيّ التقت «الحياة» أمين معلوف طوال ساعات وكان هذا الحوار الشامل:

في كتابك الأخير تنحاز الى كلمة «أصول» مميّزاً بينها وبين كلمة «جذور»، معتبراً ان البشر لا يحتاجون الى الجذور مقدار حاجتهم الى الأصول. وترى في الشجرة مثالاً حياً على هذه الفكرة. كيف توضح هذه الفكرة التي ظلّت مبهمة، خصوصاً أن كلمة أصول في العربية ذات دلالات بعيدة، ومنها اشتقت كلمة «أصولية»؟

- التمييز الذي قمت به يتعلّق باللغة الفرنسية. عندما تُرجم الكتاب الى العربية تكلّمت مع المترجمة نهلة بيضون التي اقترحت كلمة «بدايات»، فكلمة «أصول» تملك معاني مختلفة، اضافة الى كلمة «أصولية» التي هي خاصّة جداً. والأصول في ذاكرتي تملك دلالات أخرى، مثل أصول القواعد، أي أنها مبادئ. الفكرة هي فكرة تاريخية، فأنا أميّز بين كلمة origines وكلمة Racines، لأن الأخيرة توحي لي التركيز على نقطة الانطلاق ولكن على حساب الطريق الذي ينطلق من هذه النقطة. تاريخ اللبنانيين هو تاريخ الطرق التي سلكها اللبنانيون، ولا أقصد هنا عائلتي بل الجميع. ولدى العائلات عندنا أناس ذهبوا نحو أميركا الشمالية أو الجنوبية أو استراليا أو أفريقيا أو أوروبا... لا يستطيع أحد أن يروي تاريخه من دون أن يروي حكاية الطريق التي سلكها هؤلاء الناس. وعندما أروي تاريخ عائلتي، صحيح أنني أحكي عن عين القبو وصنين، ولكن عملياً أجد نفسي أحكي أكثر عن جد أمي الذي كان قاضياً في اسطنبول والذي كان انتقل اليها من صيدا، ثم انتقل في أول القرن العشرين من اسطنبول الى طنطا وولدت أمي في طنطا ثم انتقلت العائلة الى القاهرة وفيها تزوج أبي وأمي. وهناك عمّي الكبير فخري الذي هاجر الى الولايات المتحدة الأميركية والذي كان اسمه حاضراً دائماً في العائلة. وكان يمثل لي لغزاً كبيراً عندما كنت طفلاً. انه العمّ الذي لم نعد نسمع أخباره طوال سنوات، وكبرت على هذه القصة. وأول مرة وصلت أخباره، وكان أمراً مهماً في العائلة، عندما اتصل بنا، وكان لي من العمر ست عشرة سنة، وسافرت جدّتي مستقلة الطائرة للمرة الأولى في حياتها وكانت في السبعين من عمرها، لترى ابنها الذي كان هاجر في العام 1930.

القصة التي اكتشفتها متأخراً هي قصة العائلة في كوبا وقد أخبرني عنها عمّي نصري المعلوف. أخبرني عن عمّه جبرايل الذي هاجر الى كوبا والذي مات في ظروف غامضة، قتلاً أو في حادث ما. اكتشفت قصة العائلة في كوبا متأخراً، وبدت مهمة لي وأصبحت جزءاً من هذا التاريخ. ووجدت في منزل جدّتي رسائل متبادلة بين جدي بطرس وأخيه الذي في كوبا واكتشفت أن بطرس فكّر جديّاً في الهجرة الى أميركا... كلّ هذه القصص تجعلني أقول إن الأهم في تاريخنا هي الطرق. انها أهم من نقطة الانطلاق التي تبدأ منها الطرق عادة.

> من هنا جاءت فكرة «أصول»؟

- أجل من هنا جاءت هذه الفكرة.

> ولكن كيف تميّز بين «أصول» و «جذور» لغوياً؟

- كلمة «أصول» أو origines عملياً تمثل المنطلق. أي حين نقول origine d une route أو «أصل الطريق» نعني النقطة التي تبدأ الطريق منها. أما كلمة جذور أو Racines فهي تعني ما يُغرز في الأرض وينمو فيها. «أصول» هي النقطة التي ننطلق منها نحو أمكنة أخرى.

> في روايتك الأخيرة نلاحظ أن هناك جدّين: جبرايل وبطرس، وهما يمثلان جدلية البقاء والانطلاق، أي جدلية الجذور والأصول.

- صحيح.

> لكن بطرس الذي رفض أن يهاجر هل تعتقد أنه شخص ذو جذور؟

- طبعاً له جذور، وهذا التمييز لا يعني أنني ضدّ مفهوم الجذور. الأمر الوحيد هو أنني أضع نقطة الانطلاق التي هي الأصول في نطاق أوسع الذي هو الطرق. وأقول ان تاريخنا هو نقطة الانطلاق والطريق التي سلكناها والتي، عملياً، تغطي العالم كلّه.

> وماذا عن الكائن المقيم والكائن المغترب؟

- انها جدلية الكائن اللبناني. جدي بطرس كانت لديه الفكرة الموجودة لدى كل واحد منا ولكن في نسب مختلفة. كأنه يقول: أنا مرتبط بأرضي ولدي مسؤولية تجاه وطني وشعبي وعائلتي، ولا أستطيع أن أهاجر وأرحل. أمور كهذه ترد دوماً في الرسائل التي كان يبعث بها بطرس الى أخيه في المهجر الأميركي. هل علينا أن نهاجر جميعاً ونترك وراءنا كل شيء؟ ثم بعد بضع جمل يقول: انني أفكر في الهجرة! جميل هذا التناقض، أو لأقل هذا الصراع الذي يعيشه بطرس. هذا الصراع موجود أيضاً في نفس كلّ لبناني. يقضي الانسان نحو ثلاثين سنة في الغربة، يقع حادث في بلده فيصير كلّ همه أن يتابع ما يحصل، ويحكي ويناقش ويبدو مشدوداً الى بلده، وهو في الوقت نفسه بعيد. وإذا خيّر بالعودة فهو لا يعود، لكنه يظل مشغولاً ببلده، يفكر فيه ويشعر مع الناس هناك. في نفس كل لبناني توجد هذه الازدواجية.

> في النهاية أنت، أمين معلوف، المهاجر أو المغترب هل تنحاز الى تجربة جبرايل أو تجربة الهجرة؟

- نعم ولا. اعتقد انني أعيش هذا التناقض في كل لحظة. أشعر بالانتساب الى الوطن وفي الوقت نفسه، بعد أن أتابع لأسابيع طويلة ما يحصل، تبرز أمور تجعلني أبتعد عن لبنان. وهذا ما لاحظته لدى كثيرين. نتابع ما يحصل ونتحمّس ونعقد اجتماعات ونقرر القيام بحركة ما، ثم، لسبب أو لآخر، ربّما بسبب نفسيتنا، نبتعد ونهمل كل شيء.

> هل تقصد النفسية اللبنانية أو النفسية الخاصة؟

- لا فرق بين الاثنتين، وأتصوّر ان معظم المساوئ التي أجدها في ذاتي ناجمة عن هذه التركيبة الخاصة التي هي تركيبتنا الجماعية الى حدّ ما.

> هل يمكن أن نفهم انطلاقاً من هنا ازدواجيتك أو ازدواجية هويتك الفرنسية؟ فأنت تقول في كتابك «الهويات القاتلة» عندما تجيب الذين يسألونك عن هويتك المزدوجة انك لبناني وفرنسي في وقت واحد؟

- انني لبناني وفرنسي ولكن ليس في الطريقة نفسها. هناك انتماء عقلاني وانتماء غير عقلاني، عاطفي، وجداني أو عفوي. الانتماء العقلاني يقول ان المرء عندما يعيش 30 سنة في بلد، يجب عليه أن يتعاطى مع هذا البلد وكأنه بلده وليس كبلد غريب هو أشبه بمحطة ينتظر فيها لينتقل الى بلد ثانٍ. وبالتالي، فإن شعوري هو أن على المرء هذا أن يندمج في البلد. وفي الوقت نفسه علاقتي بلبنان طبيعتها مختلفة، لأنه البلد الذي ولدت فيه ونشأت، ولديّ فيه ذكريات الطفولة والصبا، ثم لأن البلد يعرف المأساة منذ أيام الطفولة وعندما يكون البلد في حال مأسوية لا يستطيع المرء أن يتعامل معه مثلما يتعامل مع بلد متعافى. صحيح أن فرنسا لديها مشكلاتها وأزماتها وأنها تمرّ في مرحلة تبحث فيها عن موقعها في العالم، الا أنّها لا تعيش في حال من الاضطراب مثلما يحيا لبنان والمنطقة كلها. كل يوم نسأل: ماذا سيبقى من البلد؟ ماذا سيحل بالمنطقة؟ ماذا سيبقى من ثقافتنا؟ كل هذه المأساة الموجودة اليوم والتي كانت موجودة قبل مئة سنة تدفعنا دوماً الى التساؤل. عندما أقرأ كلام جدّي وكيف وصف «مأساة الشرق» كما كان يقول، أجد أن هناك شبهاً بين المرحلة القديمة والمرحلة الراهنة. انها التساؤلات التي ما زالت مطروحة: ما علاقتنا بالغرب؟ أين موقعنا في العالم؟ ما هي علاقتنا بالحداثة؟ وربما هناك أسئلة أكبر في هذه اللحظة: هل نحن ذاهبون الى حال من الاضمحلال، سواء على صعيد لبنان كوطن، أم على صعيد الحضارة التي ينتمي اليها؟ هل سنبقى موجودين؟ هل سيعاد بناء لبنان على أساس هذه الحضارة؟ هل سيستمر لبنان ويلعب دوراً في العالم ويكون مشاركاً فعلياً في بناء الغد على مستوى العالم ككل؟ هذه تساؤلات لا يمكن طرحها على المستوى الفرنسي أو الأوروبي.

> ماذا أضاف اليك هذا الانتماء الفرنسي؟ هل أعطاك ما لم يعطك اياه انتماؤك اللبناني؟

- اعتقد أن ما عشته في الثلاثين سنة الأخيرة لا يعني طغيان الجانب الغربي على شخصيتي. هناك توسيع للعلاقة مع ثقافة الغرب التي هي موجودة فيّ أصلاً. وهذا يعود الى التركيبة اللبنانية، والى النظام التعليمي اللبناني. ففي لبنان جسر يتجه نحو الغرب منذ أجيال عدة، وفي الوقت نفسه تعمّقت علاقتي بلبنان والمنطقة، لأنني بابتعادي عن لبنان صارت لدي نظرة مختلفة. والمنطقة في معناها الأوسع، والتي لبنان جزء منها، صرت أعرفها أكثر وباتت في صميم اهتماماتي. عندما كنت في لبنان، كانت معرفتي بالمغرب العربي محدودة جداً. ولكن انطلاقاً من فرنسا صارت لديّ علاقة حميمة بالمغرب، وبت أعرف تاريخه وثقافته جيداً. وهكذا علاقتي بإيران. وقد وضعت كتابين في سياق الحضارة الايرانية. عندما يبتعد المرء يرى الأشياء في اطار أوسع. وفي نظري أن الحضارة التي ينتمي لبنان اليها، تمتدّ من سمرقند الى طنجة وحتى الى وسط آسيا. هذه الأمور لمستها انطلاقاً من اقامتي في فرنسا. عندما كنت في لبنان لم أكن أرى هذه الأمور في الطريقة نفسها. وهناك أيضاً العلاقة بالعالم العثماني، في لبنان ثمة نظرة تاريخية شبه ثابتة الى العثمانيين ومفادها انهم سيطروا علينا نحو 400 سنة. في الخارج يرى الانسان الأشياء من منظور مختلف. ولا أخفيك أنني اكتشفت ان نظرة جدّي في نهاية القرن التاسع عشر كانت منفتحة، فهو كان يقول: انني عثماني من جبل لبنان. وكان يحلم ليس بتحديث لبنان بل بتحديث العالم العثماني الذي كان يحس أنه جزء منه. السنوات الثلاثون التي أمضيتها في أوروبا قوّت علاقتي بالغرب وقوّت علاقتي أيضاً بالشرق.

> ألا تعتقد أن وصفك بالكاتب اللبناني الذي يكتب بالفرنسية ممكن مثلك مثل جورج شحادة وناديا تويني وصلاح ستيتية، خصوصاً أنك تقول ان العربية هي لغتك الأم؟ هل أنت كاتب فرنسي أم كاتب لبناني بالفرنسية؟

- شعوري العفوي قبل أن أفكّر بالأمر، هو أنني كاتب لبناني. هذا شعوري الأول. ولكن بعد التصنيفات يختلف الأمر، اللغة العربية هي لغتي الأم. وليست فقط لغة أماً، فأنا بدأت الكتابة بالعربية وبها استهللت حياتي المهنية. وربما لو بقيت في لبنان أو لأقل لو لم تحصل الحرب لما هجرت لبنان، هذا أمر أكيد، ما كان لي حتى أن أفكّر بالهجرة.

> لكنك كنت فرنكوفونياً في لبنان ما قبل الحرب!

- لم أكن فرنكوفونياً أكثر من أي لبناني آخر. إنني بدأت تجربتي الصحافية في صحيفة «النهار». وكنت ألمّ حتماً باللغة الفرنسية لأنني درستها باكراً في المدرسة. واذا سألتني عن ثقافتي أقول لك انها من مصدر عربي وفرنسي وانكليزي، لكنّ العربية كانت لغتي، وأعتقد أنّ لو لم تقع الحرب لما هجرت لبنان واللغة العربية.

> كيف تتصوّر نفسك لو بقيت في لبنان ولو لم يكن قدرك أن تهاجر في بدايات الحرب؟

- صعب عليّ أن أتصوّر نفسي أو مصيري بعد ثلاثين سنة من الهجرة. ربما كنت كتبت نصوصاً غير سردية أو أقل سردية، وما كان ليكون لديّ اهتمام بالسياسة أكثر. ربما كنت لأكتب قسماً من كتبي بالفرنسية وقسماً بالعربية. ربّما. انتقالي الى باريس جعلني أكتب في شكل طبيعي بالفرنسية، وهي لغة الناس الذين أقيم بينهم، وجعلني كذلك أبتعد عن الهمّ السياسي، وأن أتابع السياسة من بعيد كمهتم بالقضايا الانسانية. أي أن تكون لدي متابعة وليس مشاركة. طبعاً كانت هناك أمور كثيرة ستتغيّر. ولو لم يعرف لبنان الحرب لكان تحوّل وطناً آخر، خصوصاً مع كلّ العائدات العربية التي كان يمكنه أن يستفيد منها ويتطوّر، ولكن لا أعرف كيف.

> هل أفهم أن الحرب هي السبب المباشر والوحيد لهجرتك؟

- إذا عدت الى سنتي 1973 و 1974، أي قبل الحرب بقليل، كان يخطر ببالي أن أسافر الى باريس وألتحق بأي جامعة ولكن فترة سنة. وعلى خلاف بعض أصدقائي، فأنا لم أدرس في فرنسا بل في لبنان. وكان لديّ دوماً نوع من الشعور بأن أقضي سنة دراسية في الخارج، وأن أعيش الجوّ الجامعي في الغرب وأرجع الى لبنان. وأتصوّر ان هذا ما كان سيحدث لو كانت الأمور طبيعية. وأتصوّر أنّ لو لم تحصل الحرب لكنت اتفقت مع صحيفة «النهار» التي كنت أعمل فيها، على أن أسافر مقدار سنة وأراسلها من هناك وأتابع دراسة معيّنة وأرجع. أما فكرة أن أهاجر وأقضي سنوات طويلة في الخارج فلم تكن واردة أبداً. انها الحرب التي دفعتني الى الهجرة. كنت أتصوّر مستقبلي في لبنان ولم يخطر في بالي ولو للحظة أنني سأصبح مهاجراً وأن يكون مستقبلي خارج لبنان.

> هل انحزت في بدايات الحرب الى طرف ما؟ هل كنت يسارياً، يمينياً؟

- عندما بدأت الحرب كان هاجسي الوحيد أن ألتقي مع بعض الأصدقاء ونفكّر جميعاً وببراءة تامة، كيف يجب أن نوقف الحرب. ثم لم نلبث أن فهمنا أننا «أطفال» وأن عشرة أصدقاء من طوائف مختلفة اجتمعوا بألفة ومحبّة، لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً. اجتمعنا وتكلّمنا وتناقشنا واكتشفنا أنّ الحرب تتخطانا وأننا عناصر ضعفاء. وأعرف أنني لم يرد في ذهني لحظة أن أنحاز الى فريق ضدّ فريق، ولم تكن لدي أي رغبة في خوض هذه الحرب. بل بالعكس.

> ألم يكن لديك حلم بتغيير الواقع اللبناني مثل الكثر من اليساريين؟

- الحرب والعنف والسلاح... هذه أشياء لا علاقة لي بها. حتى الصيد لم أمارسه يوماً... انني كنت دوماً في جوّ صحافي أو تعليمي. ولم يكن أحد من أصدقائي وأهلي قريباً من فكرة الحرب. وأقول إنّ هناك شيئين لا علاقة لي بهما: المال والسلاح. وعندما تصبح الحياة العامة أو السياسية مرتبطة بالمال أو السلاح لا تعود لي علاقة بها. الشيء الوحيد الذي يستهويني هو الفكر أو النقاش والحوار. كنا في الجامعة نعقد جلسات نقاش سياسي وكان الأمر مهماً. ولكن عندما اشتعلت الحرب وانتشر السلاح انسحبت وبلا تردّد. رفضت منذ البداية أن يكبر أولادي في جوّ الحرب. كنت تزوجت باكراً، كان لي من العمر اثنتان وعشرون سنة. وعندما ولد أول أبنائي كان عمري ثلاثة وعشرين. وفي السابعة والعشرين كان لديّ ثلاثة أبناء، أي أننا أصبحنا عائلة غداة الحرب. وعندما تصبح لديك عائلة تتصرّف في طريقة مختلفة، تخاف على أولادك، تخاف عليهم من الحرب ومن أن يصبحوا مقاتلين يقفون على الحاجز ويقتلون أحداً ويندمون طوال حياتهم على فعلة ارتكبوها بحماقة.

> نعود الى قضية اللغة، إذا كانت العربية كما تقول هي لغتك الأم، فهل الفرنسية هي لغتك الأم بالتبنيّ؟

- الفرنسية لغتي بالتبني، نعم، ولكن ليست لغة أماً. وأعترف بأنه أصبحت لديّ علاقة حميمة بالفرنسية. فخلال ثلاثين سنة في باريس وعلى رغم أنّ لدي الكثير من الأصدقاء اللبنانيين والعرب، إن اللغة التي استخدمها أكثر هي الفرنسية، خصوصاً في الحياة العامة. صارت الفرنسية هي اللغة التي أستطيع أن أعبّر عن أفكاري بها في شكل أسهل وتلقائي. ولكن عندما أقيم فترة في بلد عربيّ ولا سيما لبنان، لأنني في المغرب مثلاً أشعر بأنني ملزم باستخدام الفرنسية، عندما أقيم في لبنان، ترجع التعابير العربية اليّ تلقائياً. لكنني أعبّر بالفرنسية أفضل. فالكلمات التي يستخدمها المرء باستمرار في لغة معينة تأتيه بسرعة أكثر مما في لغة لا يستعملها كثيراً، وان كان يلمّ بها جيداً. اللغة التي يستخدمها الانسان يومياً تمدّه سريعاً وتلقائياً بالمفردات. صارت لدي علاقة حميمة جداً باللغة الفرنسية. وقد تعلّمت صغيراً في مدرسة كانت الفرنسية فيها مهمة جداً. في البيت كانت اللغة هي العربية. وفي عائلتنا تقاليد لغوية عربية ولهذا كنت مرتاحاً في عربيتي. ولكن في المدرسة كانت الفرنسية هي اللغة الأساسية. وبالتالي كانت اللغتان في المستوى نفسه. الانكليزية هي اللغة الثالثة، مع أن لغة الوالد الثانية هي الانكليزية والعائلة في معظمها كانت تنتمي الى جوّ الجامعة الأميركية. ولكن، كما تعرف، الذين تكون لغتهم الثانية انكليزية في لبنان تكون لغتهم العربية قوية وحاضرة، على عكس الذين يجيدون الفرنسية كلغة ثانية، فهم غالباً ما يتحدّثون بها. أنا في لبنان لا أحب أن أحكي بالفرنسية، الا عند الضرورة. وفي العائلة لم نتحدّث أبداً بالفرنسية. وأعترف أنني ما زلت حتى الآن غريباً عمّا يُسمى هنا في فرنسا العامية أو «الآرغو». الفرنسية بالنسبة إليّ، هي لغة تعلّمتها في الكتب. وبالتالي فإنني عندما أحكي بها يفاجأ بعض الفرنسيين، لأن الطريقة التي أحكي فيها هي الطريقة التي تعلّمتها في الكتب وليس عبر الحكي. طبعاً، مع الوقت تتغير الأمور، خصوصاً عبر الصحف والتلفزيون. لكن لغتي أساساً هي لغة الكتب.

> هل يزعجك أن تسمّى كاتباً فرنكوفونياً؟

- كلمة فرنكوفونية لا أحبّها. والأهمّ في نظري هو المضمون الذي يأتي به الكاتب. إنني أتصور أن استعمال كلمة فرنكوفونية ليس واضحاً. وعندما يقال لي انني كاتب فرنكوفوني لا أنفعل، لا أقول لا ولا أقول نعم. هذا التعبير لا أستخدمه ولا يأتيني تلقائياً. في اللغة الانكليزية مثلاً، اذا كان الكاتب من نيجيريا أو استراليا أو الهند لا يسمّى انغلوفونياً. والأمر نفسه في اللغة الاسبانية، سواء كان الكاتب من كولومبيا أو اسبانيا أو الأرجنتين وسواها. في اللغة الفرنسية صفة كاتب «فرنكوفوني» أجدها تؤدّي الى نتيجة تخالف النتيجة المقصودة منها، وهي أن تميّز بين كاتب فرنسي وكاتب غير فرنسي باللغة الفرنسية. وعوض أن يجمعوا الكتاب الذين يعبّرون بالفرنسية، يفصلون بينهم. ولهذا أعتبر أن تعبير «الفرنكوفونية» غير موفّق.

> شاعر كبير بالفرنسية مثل جورج شحادة منحوه في آخر حياته جائزة الفرنكوفونية!

- صحيح. اعتقد ان الفرنسيين مخطئون بهذا التعبير.

> كيف ترى الى تراجع الفرنكوفونية في العالم خصوصاً أمام اللغة الانكليزية؟

- عندما كنت صغيراً، نشأت بين ثقافتين، اضافة الى الثقافة العربية. عائلة أبي تغلب عليها الثقافة الانكليزية، وعائلة أمي تغلب عليها الثقافة الفرنسية، وتعلمت في مدرسة فرنسية. وأتذكّر في تلك الفترة ان اللغتين كانتا في المستوى نفسه تقريباً عالمياً. ولا شك أنّ في العقود الأخيرة حصل تغيّر هائل. وهذا ما ألاحظه دوماً في أسفاري، عندما تصدر ترجمات لكتبي. قبل خمس وعشرين سنة مثلاً كنت أجري مقابلات في اسبانيا مع صحافيين يجيدون في معظمهم الفرنسية. اليوم عندما أذهب الى اسبانيا اكتشف أن ليس هناك أكثر من عشرة في المئة يتحدّثون الفرنسية فيما البقية يتحدّثون بالانكليزية أو بالاسبانية مع مترجم. وهذا ما يحصل في معظم الدول الغربية. ونادراً ما تلتقي شخصاً تحت الخمسين يلمّ بالفرنسية.

> الفرنسيون أنفسهم باتوا يستخدمون مفردات انكليزية!

- صحيح، لكنّ هذه الظاهرة طبيعية ولو كان بعض الفرنسيين ينزعج منها. أنا لا أتضايق من هذه الظاهرة. فإذا كان الانسان قادراً على أن يجد مفردات وتعابير تغني عن استخدام كلمات أجنبية فليكن. ولكن ليس من ضرر أن تستعين لغة بلغة أخرى. فالانكليز مثلاً يستخدمون كلمات فرنسية وهذا جميل. ولكن هناك تراجع في حضور اللغة الفرنسية عالمياً. وأتصوّر ان هذا التراجع لا يمكن تفاديه. فاللغة الانكليزية تتطوّر كثيراً كلغة تعامل دولية، ويصعب فعلاً مواجهة هذا التطوّر. وأعتقد أن اللغة التي يمكنها اليوم أن تنافس الانكليزية في بعض مناطق العالم هي الاسبانية. فهناك كل أميركا اللاتينية، ما عدا البرازيل، وهناك وجود لها حتى في الولايات المتحدة، معقل الانكليزية. فالرئيس بوش غير المتضلّع من اللغات يستخدم أحياناً في خطبه بعض الجمل الاسبانية. لكنّ الاسبانية نفسها لا تستطيع أن تلعب الدور العالمي الذي تلعبه الانكليزية. فعندما تذهب الى المانيا أو هولندا أو البلدان الاسكندينافية تستطيع أن تتكلم الانكليزية أمام الجمهور من دون مترجم، لأن الناس صاروا يعرفون الانكليزية. حتى ان بعض الناشرين يحاولون أن يصدروا كتبهم قبل صدورها بالانكليزية، لأن صدورها بالانكليزية يجذب قسماً كبيراً من القراء.

> ماذا تشعر عندما يستشهد الرئيس الفرنسي جاك شيراك بمقاطع من كتبك؟ أو عندما يطلب منك مرافقته الى لبنان؟

- في العام 1996 رافقت الرئيس شيراك الى بيروت في احدى المناسبات. وعندما يستشهد الرئيس شيراك أو سواه بجملة مني، لا أستطيع أن أنكر أنني أشعر بسرور.

> في لبنان يصفك السياسيون بـ «أنك حملت اسم لبنان عالياً» وهذا تعبير أصبح مستنفداً وفولكلورياً!

- لكنّ الناس يقرأونني على ما أظن. أما بالنسبة لوصفي بالجملة التي ذكرتها، فلا أعرف ما هو ردّ فعلي حيالها. ولكن عندما يستشهد بي رئيس مثل شيراك فهذا مدعاة للسرور. لكنني لا أفتش عن الذين لا يستشهدون بكلام لي.

غداً حلقة ثانية

Login to your eMail Account
Email:  
Password: