Top stories

 

 

Click for the latest Montreal weather forecast.
Click for the latest Montreal weather forecast.

 

 

 

في حديث شامل الى «الحياة» حول الماضي والرواية والهوية وصدام الحضارات (2 من 3) ... أمين معلوف: التعامل مع التاريخ يفترض عدم تحريفه ... وفكرة الهوية تحتاج الى إعادة بناء حاولت أن أترجم أحد كتبي الى العربية وفشلت ... لكنني إذا قصدت الكتابة بها فالأمر يختلف

باريس - عبده وازن     الحياة     - 12/03/06//

تحدث الكاتب أمين معلوف في حلقة أمس من حواره الشامل مع «الحياة» عن كتابه الأخير وكيف ميّز بين كلمة «جذور» و«أصول»، وكذلك عن قضية الهجرة التي عرفتها عائلته وعن جدلية الاقامة والاغتراب التي تميّز الكينونة اللبنانية. واعتبر ان تاريخ اللبنانيين هو تاريخ الطرق التي سلكوها في العالم. وتحدث ايضاً عن الفرنكوفونية وتراجع اللغة الفرنسية في العالم. هنا الجزء الثاني من الحوار.

> تقول عن «الهوية» بأنها من الكلمات المضلّلة لأنها من الكلمات الأكثر شفافية والأكثر خيانة! أين تكمن خيانة الهوية؟

- الحقيقة، الناحية المضلّلة في الهوية، هي ان الانسان في أوقات كثيرة، يستعيض عن الهوية بعنصر ما من الهوية، ويعتبر ان هذا العنصر، سواء كان دينياً أو قومياً، يختصر أو يختزل كلّ الهوية، بينما الهوية مركّبة من عناصر عدّة. اليوم نحن في عصر يشهد هذا الاختزال. في عالمنا اليوم ثمة اتجاه لاعتبار ان الهوية يمكن أن تختصر في العنصر الديني أو القومي. ولذلك ميّزت في كتابي «هويات قاتلة» بين الهوية والانتماء. الهوية استخدمها بالمفرد، والانتماء بالجمع أي انتماءات. ومقولة «انتماءات» هي أدقّ في نظري، لأن هناك انتماءات عدة، ولكن ليست لها كلها الأهمية نفسها. بل لها درجات من الأهمية. والانتماء الذي اعتبره الأهمّ في مرحلة معيّنة قد يصبح أقل أهمية بعد مرحلة تالية. هناك أناس يعتبرون أن انتماءهم الاجتماعي قبل عشرين سنة كان أهمّ من انتمائهم الطائفي. اليوم ثمة أناس يعتبرون ان انتماءهم الى وطن معيّن أهمّ من انتمائهم الى طائفة ما. وثمة أشخاص يبدّلون قـناعـاتهم ازاء انتماءاتهم المختلفـة. بلد مثل العراق تختلف فيه مشاعر الناس في مرحلة معيّنة، كمرحلة الحرب بين العراق وايران، عن مشاعرهم اليوم. ثمة انتماء أخذ أهميّة هائلة ربما قبل عشر أو خمس عشرة سنة ولكنه لم يبق الآن على الأهمية نفسها. واذا أراد الانسان أن يكون صادقاً مع نفسه، يقول ان انتماءاته هي كذا وكذا وكذا... لكنّ هذا التعدّد يدخل في المجال العقلاني أكثر مما يدخل في المجال العفوي. وأنا أقول مثلاً إنّ كل ما يشكل جزءاً من لبنان انتمي اليه من خلال انتمائي الى لبنان.

> لا يستطيع قارئك أن ينكر أنّ عالمية أمين معلوف أصبحت أوسع من هويته المحدّدة. فأنت الآن مترجم الى الكثير من اللغات العالمية، ولم تعد من مشكلة لديك في أن تكون لبنانياً أو فرنسياً، بعدما أصبحت كاتباً من العالم! ما تعني لك هذه الصفة؟

- فعلاً، لدي شعور بالانتماء الى العالم، لكن هذا الانتماء هو أحد الانتماءات ولا ينفي الانتماءات الأخرى. انه لا ينفي انتمائي الى لبنان مثلاً ولا انتمائي الى فرنسا. اننا الآن في وضع يحتم علينا أن نشعر ازاء أمور كثيرة بالانتماء العالمي. اذا أخذنا مسألة التحوّل في المناخ مثلاً، نجد أن الانسان مضطر الى أن يتعامل معها لكونه ينتمي الى الأرض. وما يحصل في أي بقعة منها يهمّه ويهمّه كثيراً. هناك أيضاً مسألة حقوق الانسان... أمور كهذه تجعل الانسان مواطناً من العالم. ولكن لا يمنع أن يتعامل مع أمور أخرى انطلاقاً من انتمائه الى وطنه. اذا حصلت أحداث في لبنان، لا أستطيع أن أقول انني مواطن من العالم ولا علاقة لي بها. طبعاً لي علاقة بها. وعلاقتي بهذه الأحداث ليست مثل علاقتي بأحداث الفيليبين التي تعنيني أيضاً ولكن في طريقة مختلفة. وأخيراً اعتقد اننا في حاجة الى اعادة بناء فكرة الهوية والانتماء. يفترض بالهوية أن تكون ذات مستويات مختلفة وكل هذه المستويات مهمة.

> هل فعلاً لم تعد تشعر بأنك «غريب» أينما كنت نظراً الى انك انسان أولاً ومتوسّطي ثانياً؟

- عندما أقول مثل هذا الكلام، أكون أتمنى ألا أشعر بأنني غريب حيث أكون، وأتمنى أيضاً ألا يحس أي انسان هذا الاحساس بالغربة أينما كان على وجه الأرض. لكنّ الحقيقة مختلفة، فحيثما كنت، أشعر بأن هناك أموراً لست غريباً عنها البتة، وهناك أمور أحس بغربتي حيالها، سواء كنت في فرنسا أو لبنان وسواهما. هناك لحظات أشعر فيها بأنني منتمٍ، ولحظات بأنني غريب.

> الى أي قارئ تشعر بأنك تتوجّه عندما تكتب؟ الى القارئ اللبناني أم الفرنسي أم «العالمي»؟

- أفكر بالقارئ في شكل عام، لكنني لست من الكتّاب الذين يقولون نحن نكتب وليتدبّر القارئ أمره. يهمني القارئ، يهمني أن يواكبني في كل خطوة أقوم بها. لا أتركه وأقول له: ان كنت قادراً على أن ترافقني فرافقني... لا. لكنني لا أفكر بقارئ من انتماء واحد. أولاً لأنني منذ أن بدأت الكتابة، لا أحبّ أن أحصر قرائي في فئة معيّنة. حتى اذا كنت في لبنان فلن أكتب الى قارئ معيّن بل الى قراء لهم ذائقات مختلفة، وانتماءات مختلفة، ولهم كذلك مشاعر مختلفة. وعلاقتهم بالحدث هي مختلفة أيضاً. انني أكتب مدركاً تماماً انني لا أكتب الى قراء لديهم المشاعر نفسها. عندما انتقلت الى باريس عملت في مجلة «جون أفريك» (أفريقيا الشابة). هذه المجلة توزع في عشرات الدول، وعندما كنت أكتب مقالاً فيها كنت أعرف أنّ ثمة من يقرأني في المغرب أو في جنوب أفريقيا أو في باريس أو السنغال... وبالتالي كان علي أن أكتب مقالاً، أياً كان موضوعه، مدركاً أنني أكتب لقراء يختلفون من بلد الى آخر، ويجب عليهم أن يواكبوني في ما أكتب. عندما أكتب رواية أدرك أنها ستقرأ بالفرنسية والاسبانية والعربية والتركية وسواها، وبالتالي لا أتوجّه الى فئة معيّنة ولا الى أناس يملكون لغة معيّنة. وهذا أمر يحصل تلقائياً.

> هل خطرت في بالك فكرة أن تكتب روايتك بلغتين، الفرنسية والعربية، مثلما كان يفعل صموئيل بيكيت عندما يكتب أعماله بالفرنسية والانكليزية؟

- فكّرت بالأمر. لكني لا أستطيع أن أترجم أعمالي. ربما أستطيع أن أكتب, باللغتين. بيكيت، صحيح، لم يكن يترجم أعماله بل كان يكتبها باللغتين. ميلان كونديرا كان يترجم كتبه من اللغة التشيكية الى الفرنسية، لكنه عندما بدأ يكتب بالفرنسية شعر بأنّ ترجمات كتبه بالفرنسية لم تكن جيّدة، فأعاد هو ترجمتها بنفسه. هذا أمر لا أستطيع أن أقوم به. وعلاقتي بالنص أصلاً لا تسمح لي بمثل هذا الأمر. عندما صدر أول كتبي، «الحروب الصليبية كما رآها العرب» طلبت مني مجلة، أن أترجمه الى العربية وأنشره على حلقات. قلت انها فكرة جميلة، بدأت ومنذ الصفحات الأولى وجدت نفسي عاجزاً. لماذا؟ لأن الشرط الأساسي في الترجمة هو احترام النصّ. واحترام النصّ يطرح على المترجم سؤالاً: ماذا يريد الكاتب أن يقول وكيف يكون بالتالي نقل ما يريد الكاتب أن يقوله؟ كنت أيام الدراسة أحب الترجمة، وكانت الترجمة من أجمل الموادّ. لكنني لا أتعامل مع نصّ لي في الطريقة نفسها مع نصوص الآخرين. هكذا وجدت نفسي كأنني أكتب كتاباً آخر ومختلفاً. كلّ جملة ترجمتها لم أقل فيها ما يريد الكاتب، الذي هو أنا، أن يقوله ولا كيف عليّ أن أكتبها. بعد ترجمة بضع صفحات وجدت أنني أكتب نصّاً ثانياً، فتوقفت للفور. اذا كتبت بالعربية أكتب أشياء مختلفة عمّا كتبت بالفرنسية. وهذه الفكرة تلحّ عليّ دوماً ولا أعرف ان كنت سأنفّذها في يوم ما. الفكرة موجودة منذ أربع أو خمس سنوات. قد أكتب ولكن لا أعرف متى.

> رواية مثل «صخرة طانيوس» ألم تحسّ أنّ من الأسهل عليك لو كتبتها بالعربية؟

- لم أفكر في هذا الأمر عندما باشرت في كتابتها. ولكن اذا أعدت قراءتها الآن أقول انني كان في امكاني أن أكتبها بالعربية. ولكن وقتذاك لم أفكر في هذا الأمر. وأتصوّر أنني اذا قرّرت أن أكتب عملاً بالعربية، رواية أو غير رواية، أعتقد أنني سأكتب شيئاً مختلفاً عمّا أكتبه بالفرنسية.

النزعة «الاكزوتيكية»

> ألاحظ لدى بعض الكتّاب العرب بالفرنسية بروز النزعة «الاكزوتيكية» التي تغري القارئ الأجنبيّ! وقد ظهرت لديك في «صخرة طانيوس». ما الذي يدفع مثل هؤلاء الكتّاب الى هذه النزعة؟

- من الأكيد أنني لست أفضل شخص يمكنه أن يدلي برأيه في هذا الموضوع. فأنا لا أفكر كثيراً في ما أكتبه عندما أكتب. ولا أبتعد عن الشخص الذي يكتب وأنظر اليه كيف يكتب. صحيح أنني عفوياً لا أحب الأكزوتيكية. وكلّ ما يحوي هذه النزعة أنفر منه. أحبّ مثلاً فلوبير كثيراً ولكنني لا أحب روايته «سالامبو». أحسّ أن في كتابته هذه الرواية خطأ ما أو تصنعاً ما. وربّما لأنني لا أتعامل مع الوقائع وكأنني آتٍ من الخارج. ولا أتعامل مع أهل الضيعة الذين أكتب عنهم في «صخرة طانيوس» ليس كشخص آتٍ من الخارج ويتفرّج عليهم. في النهاية هؤلاء هم جدّي وستي وأعمامي. والبيئة هي البيئة التي عرفتها في طفولتي وفي الحكايات اللبنانية. في كلّ دول العالم توجد بيئات. وهذا طبيعي، والكاتب لا يجد هذه البيئات أكزوتيكية الا حين يتصرّف هو خطأ حيالها، ويرى أنّ تصرّف الناس فيه شيء من الأكزوتيكية. وعندما يقترب الكاتب من الناس اقتراباً حقيقياً يجد أنّ لديهم تصرّفات خاصة بهم.

> عندما تقرأ رواياتك مترجمة الى العربية كيف يكون شعورك؟ هل تشعر بأنك عدت الى لغتك الأم؟ أم أن الترجمة العربية تظل مجرّد ترجمة مثل الترجمات الأخرى؟

- لا أقرأ رواياتي بالعربية من أولها الى آخرها. أقرأ فقرات معيّنة. ربما كان حظي كبيراً جداً في أن ترجمتي العربية جيدة جداً. وأذكر الكاتب عفيف دمشقية الذي قرأ الكثيرون ترجماته ووجدوها كأنّها غير مترجمة بل مكتوبة بالعربية. وهذا مهمّ جداً بالنسبة الى اللغة العربية أو اللغة الأم. ولست من النوع الذي يأخذ النص المترجم ويقارنه بالأصل ويصححه. فأنا عندما أثق بالمترجم أترك له حرية الترجمة والتصرّف. أكون موجوداً مع المترجم اذا احتاج الى أي إيضاح أو إلى تفسير بعض المصطلحات أو التعابير. وأذكر أنني اجتمعت مع مترجمتي نهلة بيضون عندما كانت تعمل على رواية «بدايات» الأخيرة، لساعات طويلة، وعملنا على التفاصيل والمراجع التي اعتمدتها ولا سيّما الوثائق والرسائل، ووفرت لها ما تريد من أجل أن تكتمل الترجمة عبر المراجع الأصلية. لكنني عندما أثق بالمترجم أعهد اليه المهمة وأدعه يترجم كما يريد.

> والترجمات الأخرى، هل تقرأها؟

- الأمر هو نفسه. إنني أجيد الانكليزية، وفي هذه الترجمات الانكليزية أقرأ مقاطع أيضاً. وكنت دوماً أردّ على أسئلة المترجمين. أما اللغات الأخرى التي لا أجيدها فعليّ أن أثق بالمترجمين. أي شخص يعمل على الترجمة في أوروبا انما يعمل بجدّية، وأنا لا أستطيع أن أراقب الترجمات في لغات لا أجيدها. وهذه مهمة الناشر.

> انطلاقاً من ترجماتك الى العربية هل تصنّف نفسك روائياً ضمن الحركة الروائية اللبنانية أم الفرنسية؟

- اذا أخذنا الموضوعات أو الهواجس الموجودة في رواياتي سأكون في هذا المعنى منتمياً الى الأدب اللبناني. أما من خلال اللغة فانتمائي هو الى الأدب الفرنسي. لكنني لا أطرح هذا السؤال على نفسي. في عالم اليوم الاهم هو المضمون، أي ما يريد الكاتب أن يقوله. وأتصوّر أن الهواجس لديّ تصبح أكثر فأكثر هواجس شاملة. تقرأ روايات صادرة في أميركا اللاتينية أو في أوروبا الشرقية مثلاً واذا حدت قليلاً عن اللون المحلّي تجدها أعمالاً قابلة لأن تقرأ في كلّ مكان. الهواجس هي نفسها والناس أقرب بعضهم الى بعض أكثر مما يتصوّرون، والاهتمامات والهواجس تتقارب بدورها على رغم الفروق.

> ألا تشعر بأنك في حاجة الى موقع ما أو الى سياق تُدرج ضمنه أو الى حركة تنتمي اليها؟

- ربما لأنني خرجت من البلد الذي ولدت فيه ونشأت، أتصوّر أنني قبلت في أن أكون خارج أي اطار. عندما تركت المجتمع الذي نشأت فيه، لم تبق لدي المرتكزات نفسها في هذا المجتمع. ولم أتبنَّ أي مرتكزات في أي مجتمع آخر. وبالتالي فأن نزعة الانزواء التي كانت موجودة فيّ منذ صغري، وقد عرفت بها كثيراً، ما زالت موجودة فيّ حتى الآن. كنت في مرحلتي الأولى أدخل غرفتي ولا أخرج منها، أتمدّد على السرير وبين يدي كتاب، واذا انتهيت منه آخذ غيره. وكنت قليل الكلام، أفضل الاصغاء على الحكي. يسألني بعض الأصدقاء كيف تتحمل حال الاعتزال طوال أشهر، فأقول لهم: انها الكتابة تحملني على العزلة التي أحبها أصلاً. ويمكنني أن أبقى مدّة طويلة في مثل هذه العزلة خصوصاً عندما استسلم لها وأنسى كلّ شيء. لا تزعجني العزلة البتة. ربما لذلك لا أسعى الى أن أنتمي الى تيار معين أو مدرسة. هذه الأمور هي تصنيفات آنية تساعد الكاتب والقارئ بدوره على ادراك موقع هذا الكاتب في المشهد الأدبي. وأرى أن على الكاتب أن يكتب من دون أن يبحث عن موقعه، وما دام قادراً على الكتابة، فليكتب، وهذا هو المهم. والمهم أن يتقدم ويتطور من كتاب الى آخر.

> اذا سألتك عن أسلافك كروائي فمن تراهم يكونون؟ بمن تأثرت عربياً وأجنبياً؟

- هناك كتّاب أشعر بقرابة معيّنة معهم، وفي الوقت نفسه، أعلم أن ما أكتبه له علاقة بما كتبوا هم. هناك كتّاب أثروا فيّ بل شجعوني على الكتابة أو خلقوا فيّ الرغبة في الكتابة. ولكن لا أعتقد أن هناك رواية من الروايات التي كتبتها لها علاقة مباشرة بأدبهم. مثلاً، عندما كنت صغيراً، أعتقد ان الكتاب الذي فتح لي آفاقاً هو «رحلات غيليفر» وقرأته بالعربية في سلسلة كان يصدرها كامل كيلاني بعنوان «أولادنا». في هذا الكتاب اكتشفت امكانيات الكتابة الروائية. لكنني أعرف أن ما من رواية كتبتها مستوحاة من هذه «الرحلات»، لكنها ولّدت لديّ رغبة كبيرة في الكتابة الروائية. وهذه الكتابة ليست من تقاليد عائلتنا. فالعائلة كانت تضمّ شعراء وصحافيين وأدباء وليس روائيين. والدي كان يسرد علينا الكثير من الأخبار والمرويّات، لكنّه عندما يكتب لم يكن يكتب قصّة، كان يكتب الشعر والمقالات والنقد، أما الرواية فلا. ما من مرّة خطر له أن يكتب قصّة قصيرة أو رواية. قراءاتي جعلتني أرغب في الكتابة وفي الكتابة المتخيلة. ومن الذين قرأتهم: شارل ديكنز، مارك توين... في فترة لاحقة قرأت: ستيفان زيفيغ، توماس مان، تولستوي وهو بالنسبة إليّ أعظم العظماء...

> ودوستويفسكي؟

- أكيد، وأكن له احتراماً كبيراً، لكنه يأتي بعد تولستوي. تولستوي يهفّ له قلبي أكثر. واذا سألني أحد أن أذكر له كتاباً في شكل تلقائي، أقول «موت ايفان» لتولستوي. في هذا الكتاب نوع من الكمال.

> هل قرأت جرجي زيدان مثلاً في الفترة الأولى وهو أبو الرواية التاريخية عربياً؟

- من زمان. وما زلت أذكر بضع روايات مثل «فتاة غسان» و «المملوك الشارد»... ولكن لا أستطيع أن أقول إنه أثر فيّ مباشرة. ربما أثّر، لا أستطيع أن أجزم. حتى عندما أقول «رحلات غيليفر» لا أستطيع أن أجزم أنّه أثر فيّ ذلك الحين. الآن اكتشف أثر «غيليفر» ولكن في الفترة الأولى لم أكن أعرف ذلك. ولكن أتذكّر اللذة التي تركها فيّ ذلك الكتاب عندما قرأته.

> هل أفهم من كلامك أنك لم تقرأ كثيراً أدباً تاريخياً؟

- لا، ليس كثيراً. الحقيقة، لم أكن يوماً هاوياً للروايات التاريخية. انني هاوٍ للرواية وهاوٍ للتاريخ. وبالتالي أمزج التاريخ في الرواية. لم تكن هذه فكرتي في الأساس ولا كان هذا مشروعي. ولكن لديّ شغف بالتاريخ يقابله شغف بالرواية، والتقى هذا الشغفان بعضهما ببعض.

> ما دمنا نتحدّث عن الرواية والتاريخ، كيف ترى الى ظاهرة مثل الكاتب الألباني اسماعيل كاداريه؟

- أحبه كثيراً وأصبحنا صديقين. وهو من كبار الكتّاب فعلاً. وعندما بدأت أكتب الرواية، صدف أن التقينا وباتت تربطني به علاقة متينة. لكنني كنت قرأته قبل أن ألتقي به. أحببت رواية «نيسان مقصوف» و «جنرال الجيش الميت» وسواهما. كنت قرأت القسم الأكبر من أعماله قبل أن أتعرّف اليه. أحبّ رواياته كثيراً وأحس أن هناك علاقة تجمعنا. وقال لي مرة: أنت وأنا من العالم العثماني. وفعلاً، هناك قرابة بيننا وبينه، العلاقات الانسانية، المجموعات البشرية وعلاقاتها بالدين والتقاليد والتاريخ... ولكن طبعاً كلّ واحد يكتب بحسب طريقته.

> وباولو كوهيلو؟

- لا علاقة لي به. هذا عالم مختلف (يضحك).

تحريف التاريخ

> قلت مرّة: «ليس من الجيّد تحريف التاريخ حتى وان اعتقدت بأنك تحرّفه في طريقة جيدة». هل يستطيع الروائي في رأيك ألا يتحايل على التاريخ وألاّ يحرّفه لمصلحة الرواية؟

- الحقيقة، ما أقصد قوله بالتحديد هو: اذا قلت أنك تتعاطى مع التاريخ، حينذاك يجب أن تتعاطى مع التاريخ بدقّة وصدق. سواء كنت مؤرخاً أم غير مؤرّخ. لديّ مثل في هذا الخصوص: هناك فيلم أخرجه أوليفر ستون عن اغتيال كندي، عندما شاهدته تضايقت، لماذا؟ لأنّه في لقطات معيّنة يبرز شخص (ربما هو جونسون) ويقول كلاماً خطراً يعطي انطباعاً أنّ له علاقة بالاغتيال. تسأل المشاهدين عن الأمر، فيقولون: هذا سرد أو هذا خيال. لا أدري كيف يمكنك أن تعتمد السرد وتأتي بشخص تاريخي يقول: أنا قتلت فلاناً. السرد الروائي هو سرد، تستطيع أن تبني قصّة تكون قصّة في اطار تاريخي. ولكنك لا تستطيع أن تمزج بين التاريخ والرواية فلا يعود القارئ، أو المشاهد، قادراً على أن يميّز بين الحقيقة والخيال. هذا ما قصدت اليه في كلامي عن تحريف التاريخ. عندما تقول انك تتعاطى مع التاريخ، يجب أن تتعاطى مع التاريخ. تستطيع أن تحوّر في مسار التاريخ أو معطياته ولكن يجب أن تقول إن هذا سرد روائي. وحينذاك لا تأخذ شخصاً ما زال حياً أو مات قبل فترة وتنسب اليه أفعالاً لم يقم بها. تستطيع أن تفعل هذا، اذا كنت تملك وثائق تدلّ على الأحداث. حينذاك تستطيع أن تعمل انطلاقاً من الوثيقة. هذا ما أقصده تماماً. عندما يبتعد، كاتب الرواية، أربعمئة سنة أو خمسمئة يستطيع أن يبتدع ويخترع. ولكن حتى هذا الأمر يظل موضع نقاش. أتذكر فيلماً أميركياً نسيت اسمه، من شخصياته الرئيسة لويس الرابع عشر في شبابه. صوّر الفيلم في قصر فرنسي يعود الى تلك الفترة. كان على الجدار لوحة تمثل لويس الرابع عشر عجوزاً، ولم ينتبه المخرج لهذه اللوحة فصوّر لويس الرابع عشر شاباً أمامها. اذا كانت اللقطة مقصودة فهي جميلة حقاً. ولكن اذا لم تكن مقصودة فهذا خطأ فادح، وهذا ما أقصده. اذا أردنا التعامل مع التاريخ يجب أن نتعامل معه بدقة. والهدف من تناول التاريخ هو أن تنقل شيئاً صحيحاً، أن تنقل معلومات صحيحة.

> كيف تتحوّل المادّة التاريخية مادّة روائية أو كيف تتداخل هاتان المادتان الواحدة بعد الأخرى؟

- لأقل شيئاً: إنني في رواياتي في شكل عام، عندما آخذ شخصية تاريخية معيّنة، تكون الأمور المعروفة عنها تاريخياً محدودة. هذا ما فعلته مع ليون الأفريقي ومع عمر الخيام أو ماني. آخذ الأشياء الثابتة تاريخياً وهي غالباً يمكن ايجازها في عشرين صفحة. لكنني أجرّب أن أقرأ كل ما أستطيع أن أجده عن تلك المرحلة، تاريخياً واجتماعياً وسياسياً... وعندما أحكي عن هذه الشخصية أحاول قدر الامكان أن أحترم الأمور المعروفة عنها. وعندما أتكلم عن المرحلة أحترم أيضاً الأمور التي حصلت فعلاً في تلك المرحلة. مثلاً لا آتي ببطل من الهند وأجعله يحتل طهران. هناك أسطورة قديمة تقول ان عمر الخيام وحسن الصباح ونظام المُلك درسوا على المعلّم نفسه. هذه اسطورة قديمة، وواضح انها غير صحيحة لأن نظام الملك كان أكبر منهما بعشرين أو ثلاثين سنة. وعلى رغم هذا، انتشرت هذه الأسطورة وصار لها أساس ولو في ذاكرة الناس. حاولت أن أتحقق إن وجد هؤلاء الأشخاص الثلاثة في مرحلة معيّنة في المكان نفسه، ووجدت أن هناك مرحلة واحدة، جمعتهم ثلاثتهم في أصفهان. في هذا الاطار بنيت الرواية. وأكيد ان ما سردته في «سمرقند» هو رواية. لكنني ضمن اطار الرواية هذه حاولت الى أقصى حد، ألا أرتكب أي خطأ من الناحية التاريخية.

الرباعيات والتيتانيك

> وماذا عن باخرة «التيتانيك»؟

- التيتانيك! مَن كان موجوداً على متنها؟ كانت هناك طبعة «رباعيات» الخيام، ولكن ليست الأصلية، فالأصلية غير موجودة. لكن أحد الأثرياء الأميركيين كان يحمل معه على الباخرة نسخة من ترجمة المستشرق فيتزجرالد لـ «الرباعيات»، وهي مرصّعة بالذهب واللالئ. غرقت السفينة ولم توجد هذه النسخة حتى الآن، وكان يقال ان هذه النسخة ثمينة جداً. وانطلاقاً من هذا الحدث التاريخي بنيت حكاية أخرى، هي حكاية الكتاب الأسطوري.

ختاماً أحب أن أقول انني هكذا أتعامل مع التاريخ ومع الرواية. وهكذا أشعر بأنني مرتاح في هذا التعامل معهما. لكنني لا أقول إن كلّ شخص يريد أن يتعامل مع التاريخ والرواية يجب أن يراعي الأصول. أنا هاوٍ للتاريخ ولديّ شغف به ولدي شغف بالرواية، وأحاول أن أزاوج بينهما على طريقتي، ولكن لا أقول ان هذه هي الطريقة الوحيدة.

> يقول الناقد جورج لوكاش ان الرواية التاريخية تجد ذريعتها في الواقع أو الحاضر المأزوم الذي يدفع الروائي الى استعادة الماضي ليلقي في ضوئه نظرة على الحاضر! ما رأيك في هذا القول؟ وهل يعنيك؟

- صحيح كلّياً. لكنني أقول ان هذا القول لا ينطبق فقط على الرواية التاريخية. كتابتنا للتاريخ هي مقاربة لفهمنا للتاريخ اليوم وكما نحتاج اليه اليوم. التاريخ بحدّ ذاته غير موجود. هناك كمية لا نهاية لها من الأحداث. اننا ننتقي من كلّ مرحلة تاريخية ما نعتبر أنه يملك معنى. وهو معنى يختلف عن المعنى الذي كان يقال به قبل مئة سنة أو مئتين. ثم نعطيه تفسيراً وسياقاً يعنيان لنا شيئاً ما. فنحن في الحاضر، اليوم واهتماماتنا مختلفة. وكلما نظرنا الى التاريخ ننظر اليه في طريقة تجعله يصل الينا نحن المعاصرين. لذلك حين نتحدث عن الرومان اليوم يختلف كلامنا عن كلام الذين تحدثوا عن الرومان في القرن السادس عشر وما قبل. الأحداث نفسها يصبح لها على مرّ الزمن، معنى آخر. وهذا صحيح للرواية التاريخية مثلما هو صحيح للتاريخ أيضاً.

> ألا تعتقد أن المسافة تتسع اليوم بين الرواية والتاريخ ولكن من دون أن تنقطع الأواصر بينهما، خصوصاً بعد تطوّر الرواية نفسها وكذلك الكتابة التاريخية نفسها؟

- أرى ان العلاقة بين الخيال والتاريخ قديمة جداً. منذ بدايات الأدب كانت هناك علاقة بين التاريخ والأسطورة والخيال. اذا أخذنا «الإلياذة» مثلاً نجدها مزيجاً من العناصر الثلاثة. وكذلك اذا أخذنا شكسبير. أتصوّر أنّ هذه العلاقة موجودة منذ بداية الأدب في العالم. عندما يكتب المرء رواية أتصوّر أن واجبه الأول ليس تجاه التاريخ، بل تجاه المقاييس الفنية والجمالية. ليس هناك واجب علمي بل هناك واجب فني أو جمالي. التساؤل لا يكون حول الطريقة التي أُدخل فيها التاريخ الى الرواية بل كيف عليّ أن أدخله ووفق أي فن. واذا للتاريخ محلّ في سياق الرواية أو حيّز معيّن فأهلاً به، واذا لم يكن له محلّ أو حيّز فليس من الضروري أن يدخل. شخصياً أحبّ التاريخ كثيراً، وأحبه كهاوٍ، ولهذا تجده حاضراً في رواياتي، ولكنني في الوقت نفسه أجعله في بعض الروايات كخلفية بعيدة.

> كتابك الأول «الحروب الصليبية...» يغلب عليه الطابع التاريخي الصـرف علماً أنه لا يخلو من السرد!

- في هذا الكتاب نوع من الالتباس، فهو ليس رواية، مع أن المقدمة تقول انه رواية حقيقية. ثمة سرد في هذا الكتاب، ولكن ليس فيه أي عنصر روائي أو خيالي ولا شخصيات روائية أيضاً. بعضهم يقولون لي انه رواية، هكذا يظنونه ربما لأنني أصدرت بعده روايات عدّة. وبات الكثيرون يظنّونه رواية، لكنه ليس رواية أبداً. جاء في المقدّمة أن هذا الكتاب ينطلق من فكرة بسيطة هي سرد قصة الحروب الصليبية كما نظر اليها وعاشها وروى تفاصيلها الجانب العربي. لعل هذا الكلام هو الذي جعل الالتباس يقوم في شأن هذا الكتاب.

> التاريخ لديك واسع ومتعدّد، وكل رواية تتناول تاريخاً معيناً. لماذا لم تركّز مثلاً على تاريخ واحد مثلما فعل بعض الروائيين؟ لماذا هذا التعدّد؟

- ربما لو كنت مؤرخاً لكنت اهتممت بمرحلة معينة، ولحصرت اختصاصي بها وتعمقت فيها. أنا هاوي تاريخ، وعندما أركز على مرحلة أدرسها جيداً وأقرأ عنها. مثلاً عندما بدأت العمل على الحروب الصليبية لم أكن أعرفها تمام المعرفة، فرحت أقرأ وأبحث وتفرّغت سنتين لجمع المادّة. وشيئاً فشيئاً تكوّن الكتاب. عندما أدخل مرحلة من هذا النوع أقضي فيها ثلاث سنوات، ثم تلحّ عليّ رغبة في الخروج منها الى مرحلة أخرى والى قرن آخر. ومن أصعب الأمور لديّ أن أكتب مجدّداً عن حدث حصل في المرحلة نفسها والمكان نفسه. لذلك أنتقل من تاريخ الى آخر.

وأجمل المراحل في الكتابة هي المرحلة التي يكتشف الكاتب فيها حضارة معينة أو قرناً معيناً. وليس لديّ أيّ ادعاء في أنني سأصبح اختصاصياً بهذا القرن أو ذاك. بل على العكس أحب أن أظلّ هاوياً في مادّة التاريخ، أهتم بشخصية معيّنة أو حقبة معيّنة وأحاول أن أعرف عنهما قدر ما أمكنني وأكتب رواية في هذا الجوّ الرحب: ايران وآسيا الوسطى ولبنان. عندما أكون منكباً على كتابة رواية تكون هذه الرواية كاملة في ذهني تقريباً، وأعرف حتى أدقّ التفاصيل فيها. ولكن عندما تصدر الرواية في شكل كتاب، تسعون في المئة من المادة أنساها. وأبدأ الاهتمام بالأشياء التي لها علاقة بالكتاب المقبل.

غداً حلقة ثالثة وأخيرة

Login to your eMail Account
Email:  
Password: