Top stories

 

 

Click for the latest Montreal weather forecast.
Click for the latest Montreal weather forecast.

 

 

 

في حديث شامل الى «الحياة» حول الماضي والرواية والهوية وصدام الحضارات (الأخيرة) ... أمين معلوف: العالم اليوم لا يتجه نحو التسامح والأمل نفسه بات مخيفاً ... لست في معسكر المنتصرين وصراع الحضارات لا يمكن تفاديه

باريس - عبده وازن     الحياة     - 13/03/06//

في الجزء الثالث والأخير من حواره مع «الحياة» يتحدث الكاتب أمين معلوف عن الحرب اللبنانية التي لم يستطع ان يضع رواية حولها ولا ان ينتمي فيها الى أي طرف. ويتطرق الى صدمة 11 أيلول (سبتمبر) ومقولة صدام الحضارات. ويتناول كذلك الأزمة التي شهدتها الضواحي الباريسية والمشهد السياسي في العالم، ويتحدث عن الصحافة التي بات يمارسها منفرداً. وتنشر «الحياة» مقاطع من نص غير منشور للكاتب.

كتابك «حدائق النور» الذي تناول شخصية ماني، اكتفيت فيه بهذه الشخصية الملتبسة وتحاشيت الخوض في العقيدة المانوية؟ لماذا لم تتطرّق الى هذا الدين؟

- الحق معك. الأمر الذي استهواني أولاً هو الجوّ الذي عاش فيه ماني والمرحلة، ثم علاقته بالدين مطلقاً وبالأديان الأخرى. لكن مضمون دينه الخاص لم يستهوني. التقليد الثنائي القائم على الصراع بين عنصرين، الظلمة والنور مثلاً، لم يجذبني لأتوقف عنده. لو شئت أن أتكلم عن هذا الدين من الداخل لكان عليّ أن أفرضه على نفسي. فالمانوية ليست عقيدتي ولا اعتبرها انجازاً أساسياً. الانجاز كان أن ينشئ ماني ديناً لا يتناقض مع الأديان الأخرى بل يواكبها. لكنّ التقليد الثنائي الذي يمثله ماني والذي تواصل لاحقاً من طريق الكاتار والبوغوميل، لا أشعر بأنني على علاقة به. ثمة نوع من المزايدة الزهدية على الأديان الأخرى. لكنّ لديّ عطفاً كبيراً على المانويين بعدما عانوا الكثير من الاضطهاد والقمع والقتل. الا ان نظرتهم الى الدين كانت عقيمة الى حد ما، وأنا أفضل الأديرة الغربية التي كانت تحصل فيها كل الارتكابات الدنيويّة وكانت فيها حياة وكانت فيها ثقافة تنتقل من دير الى دير. ولا ننسى ان المانوية كانت ضدّ العلاقة الجنسية الى درجة التزمت حتى بدوا كأنهم ضدّ استمرار النسل. هذا هو منطقهم. هذا الجانب لا يستهويني بتاتاً.

> هل فكّرت مرّة في كتابة رواية عن حرب لبنان؟ ألم يجذبك طابعها المأسوي والعبثي؟ ألم يحرّضك الخراب الذي تركته وراءها؟

- أتصوّر أنني لست قريباً كفاية من الحرب اللبنانية ولست بعيداً منها كفاية. لو كنت بعيداً كثيراً منها كان من الممكن أن أكتب عنها، لأنني أحسّ أنّ لديّ مسافة تدعني أرى الأمور بحيادية ما، من غير أن أشعر بأنني منغمس كلياً في الحرب ومتأثر بها. لو عشتها فعلاً ولو لم أهجر لبنان عام 1976 كنت ربما كتبت عنها. أنا بين أمرين ومشاعري هي مشاعر شخص كان وسط الحرب ومشاعر شخص لم يعش الحرب يومياً مثل الذين بقوا في لبنان. لذلك لا أشعر بأنني أستطيع أن أكتب عن الحرب وأنا مرتاح. هناك خطأ ما في علاقتي بهذه الحرب. ونفسياً أو شخصياً لا أحبّ أن أكتب عن الأمور القريبة مني كثيراً. انني أضع دوماً مسافة بيني وبين الموضوعات التي أكتبها.

> هل جذبتك تناقضات التاريخ اللبناني؟ هل فكّرت في أن تعمل على هذا التاريخ المختَلَف عليه؟

- اذا أردت أن أكتب في المستقبل عن لبنان، أتصوّر أنني أفضّل أن أكتب بحثاً يحمل تصوّري للوطن أكثر من أن أكتب رواية. والسبب أنني اذا أردت أن أتعاطى مع الواقع اللبناني أفضل أن أتعاطى معه بدقة. اذا تعاطيت مع هذا الواقع من خلال الرواية فلا يمكن أن تكون الرواية صادقة. أولاً أنا انسان يحب أن يراعي التوازنات خصوصاً في لبنان، ولا أحب أن أزيح شعرة عن مقوّمات هذا البلد. اذا أردت أن أكتب رواية فعليّ أن آخذ شخصية من كلّ فئة، وأن أراعي ضمن اطار الرواية التركيبة اللبنانية، فلا أغذي الحقد أو التباعد الذي يمكن أن يكون قائماً بين الفئات، حينذاك لا تكون هناك رواية، يصبح ما أكتبه مناقضاً للجوّ الروائي. عندما أتناول قضية بعيدة أستطيع أن أكتب بحرية، أمّا قضية دقيقة مثل قضية لبنان فأفضل أن أكون دقيقاً، وأضع تصوّري من خلال الذات أو ربما من خلال سرد تاريخي لمرحلة معيّنة. لو كنت مؤرخاً محترفاً كنت أخصص عشر سنوات لأكتب تاريخ لبنان في طريقة شاملة، من غير أن يجد كلّ طرف حصّته فيها، بل ان كل من شارك في المغامرة اللبنانية يعتبر أن هذا تاريخه. حتى وان اضطررت الى أن آخذ كل طائفة وأحكي لها قصتها ونشأتها وكيف صارت جزءاً من الوطن وكيف انخرطت ضمن التركيبة اللبنانية وما دورها فيها. يجب ألا ندعو الى نسيان مثل هذه الأمور أو الى تحاشي الكلام عنها. وفي رأيي هذا عمل جبار يجب أن تقوم به مجموعة من المؤرّخين المحترفين وأنا أحلم أن أقرأه.

> قلت مرّة في أحد نصوصك أنك تكتب بسبب جرح ما؟ ما تراه يكون هذا الجرح؟

- الجرح أساساً هو لبنان، هو أن ينشأ الانسان في بلد تكون لديه آمال ثم يرى البلد يتمزّق ويرى حلمه بالتغيير والتطوير يسقط أمامه، فيغادر البلد ويصبح هو بدوره ممزقاً بين بلده الأم وبلد الاغتراب. أتصوّر أن هذا هو الجرح الأول. طبعاً تضاف اليه جروح شخصية كثيرة ، ولكن هذا هو الجرح الدائم.

الحكاية الشرقية والفن الغربي

> يبدو لي أن سرّ العمل الروائي لديك يكمن في قدرته على المزج بين روح الحكاية الشرقية والفن الروائي الغربي: كيف تفسّر هذه المعادلة؟

- أتصوّر أن هذه المعادلة ليست ناجمة عن سيرورة واعية. أكيد أن مشاعري منطلقة من الشرق، أي عملياً من كل القصص والحكايات التي سمعتها في طفولتي والتي سردها علينا والدي خصوصاً قصص الشعر والشعراء مثل امرئ القيس والمتنبي وسواهما، اضافة الى قصص الحكام والخيال والطبيعة، وهذه تعود الى تراثنا الشرقي الذي نعرف منه الكثير. وفي الوقت نفسه تبدو طريقة كتابتي عقلانية. ولا أخفيك أن عقلي منهجي أو ديكارتي فيما مشاعري آتية من تاريخنا. لا أحاول أن أجمع بين هذين القطبين جمعاً مصطنعاً ولكنهما يجتمعان في شكل طبيعي. فعندما أكتب يكون التأثير الأساس في شكل الكتابة هو تأثير قراءاتي الروائية الغربية. مع أن قراءاتي الأولى للآداب العالمية كانت في ترجمات عربية بديعة. وهذا أثّر فيّ كثيراً. كانت تلك الروايات مترجمة الى العربية لكنّ بناءها هو بناء أوروبي كما تجلّى خصوصاً في القرن التاسع عشر. أكيد أن كتابتي الروائية متأثرة بهذه الروايات لكنّ المضمون هو شرقي. هذا التزاوج كان طبيعياً وعفوياً منذ أن بدأت الكتابة.

> يشعر القارئ بأنك في بعض رواياتك تستعيد «الدهاء» الحكائي الذي عُرِفت به «ألف ليلة وليلة». هل توافقني على كلمة «الدهاء» الحكائي الذي يعتبره جورج لوكاش من خصوصيات الفن الروائي؟ ثم هل أثرت بك «ألف ليلة وليلة»؟

- قلت ان والدي لم يكن يكتب روايات وقصصاً، ولكن كانت لديه قدرة على أن يروي شفوياً قصص الضيعة والشعراء. ومن الأكيد أنني استوحيت طريقة السرد لديّ من الحكايات التي كان يرويها لنا. عندما أكتب أضع نفسي في محل القارئ. أنا انسان يملّ بسرعة، واذا كنت أكتب وشعرت بشيء من الملل لا أقول إن على القارئ أن يتحمّل بل على العكس، اذا أنا أدخلته في نفق فهذا يعني أنني أنا لا أعرف كيف أقوده الى الطريق الصحيح. إنني أحاول أن أرافق القارئ وأسرد له الحكاية مثلما أحب أنا أن أسمعها. ولا أعتقد أنني تأثرت بـ «ألف ليلة وليلة» وبشهرزاد تحديداً. قرأت «ألف ليلة...» ولكن لم يتشكل لدي شعور بأنها أثرت فيّ. وما حققته شهرزاد في مقاومة الموت عبر فعل القصّ، وفي إحداث التشويق عبر قطعها سياق الحكايات، مثل هذه الأمور أحببتها ولكن لم تنعكس على روايتي. أتصوّر أنّ من أساس الفن الروائي أنّ القارئ عندما يصل الى نهاية فصل، يجب أن يكون قد دخل الفصل التالي. لذلك عندما أنهي فصلاً معيّناً لا أتوقف عند نهايته بل أتوقف في أول مقطع من الفصل الذي يليه. فالتوقف في نهاية الفصل أصعب، لأنّ مواصلة الكتابة حينذاك تحتاج الى مزيد من الجهد. وحينذاك يواصل الكاتب سرده منطلقاً من بداية الفصل الجديد. وهذا الأمر يأتي تلقائياً. ما من مرّة أقول إنّ عليّ أن أُدخل عنصراً معيّناً في طريقة مصطنعة. انني أسرد القصص مثلما أحبّ أن أسمعها وشعوري أنّ من علّمني أن أسردها، هو أبي من جهة، ومن جهة ثانية هي القراءات.

> يطغى حضور الراوي في أعمالك ويحلّ هذا الراوي أحياناً محل الكاتب كما في «سلالم المشرق». انها لعبة «المراوغة» السردية بحسب العبارة النقدية، كأن تقول: «لا تحمل هذه الرواية شيئاً منّي». البطل يروي والراوي يكتب. كيف تشرح ظاهرة «الراوي» في أعمالك الروائية؟

- صحيح، هناك مراوغة. وصحيح أن لديّ راوياً وأحياناً تكون لديّ رغبة في خلق شخصية الراوي. انه يغويني. وأتصوّر السبب الرئيس هو أنني لا أحبّ أن أقول أنا. عندما أقول أنا أحب أن يتبيّن أنَّ ليس المقصود أناي الذاتية بل أنا آخر. الراوي يعطيني إمكاناً ليس فقط لأزيح قليلاً عن شخصي بل هو يسمح لي أيضاً أن أروي ما حدث وأن ابتعد عن الذي حدث، وأقدم صورة أوسع عنه. دور الراوي إذاً أحتاج اليه دوماً، فهو يتيح لي أن أبتعد عن الشخصيات لأقول أشياء لا تستطيع الشخصيات نفسها أن تقولها. وهكذا أقول هذه الأشياء في طريقة ليست شخصية تماماً ولا غير شخصية تماماً. هناك روائيون يضعون أنفسهم محلّ بعض الشخصيات، وروائيون يضعون أنفسهم محلّ الرواة، فيسيطرون على وجهة نظر الشخصيات وعلى سير السرد الروائي. أما المؤلف فهو شخص ليست له مكانة داخل الرواية. الراوي في نظري هو وسيط يملك القدرة على أن يقول شيئاً ما، من دون أن يملك السلطة التامة للروائي أو المبدع.

> في «موانئ المشرق» تفصل الحدود السياسية والتاريخية بين الشخصيتين الرئيستين: «عصيان» الفلسطيني المسلم و «كلارا» اليهودية، ولا يتمّ لقاؤهما إلا خارج «المكان». إلامَ رمزت بهذا الانفصال داخل الأرض المنقسمة بين الفلسطينيين واليهود؟

- استوحيت قصّة أخبرني اياها أحدهم عن رجل فلسطيني كان متزوّجاً من امرأة يهودية، وكان يعيش في القدس. وفي العام 1948 انفصلا بعضهما عن بعض، ليس لأنهما قرّرا الانفصال بل لأن وضع المرأة لم يعد ممكناً تبعاً للصراع، وباتت تشعر بأن وضعها خطر لكونها متزوجة من فلسطيني. أما هو فعانى المشكلة نفسها، فلسطيني زوجته يهودية... كنت أعرف هذا الرجل من بعيد. ولكن ليس هو الشخص الذي سمّيته «عصيان» في الرواية، فهذا الشخص (عصيان) هو مزيج من ثلاثة أشخاص أعرفهم، اضافة الى عناصر من أشخاص آخرين. استوحيت هذه القصة لأقول إنّ في النهاية، عندما يحلّ صراع مثل هذا الصراع، ولو كانت ثمة علاقة شخصية قوية بين رجل وامرأة، فأن الظروف لا تعود تسمح لهما بالعيش بعضاً مع بعض. فالواحد منهما يصبح في الموقع الخطأ، وبالتالي فهما مهدّدان بالانفصال ولا يستطيعان أن يلتقيا الا خارج منطقة الصراع. لقد حكيت في هذه الرواية عن أمكنة عدّة وصراعات عدّة. عندما قرأ بعض الأتراك هذه الرواية في ترجمتها التركية فما بقي في ذهنهم هو الصراع بين الأتراك والأرمن. فبطل الرواية والده تركي وأمه أرمنية. وعندما ترجمت الرواية في صربيا كتبت مقالات عنها وكأنها تمثل الواقع الصربي.

> تمثل أعمالك في معظمها نموذجاً للتسامح واحترام ثقافة الآخر والتلاقي والحوار، لا سيما بين ثقافات المتوسّط! ماذا يعني لك هذا «التوصيف» لأعمالك؟ علماً أنّه أقرب الى التوصيف الأخلاقي أو «الاتك» ولا علاقة له بالفن الروائي. هل وظيفة العمل الروائي أن يصالح ويتسامح؟

- اعتقد أن وظيفة العمل الروائي هي أن يبني عالماً آخر، وأن يساهم في التقارب بين الناس والتلاقي والحوار، وليس في زرع الشقاق بينهم... طبعاً هذا لا يكفي، فإلى جانب الأخلاقي أو «الاتيكي» هناك الجانب الاستيتيكي أو الجمالي. وحين يصطدم الجانب الأخلاقي بالجانب الجمالي، وهذا يحدث، يبقى الانسان حائراً. هناك كتّاب كبار تقود كتاباتهم في اتجاه تدميري، وهذا لا يعني أن أدبهم يجب أن يُرفض أو يمنع. شخصياً، وبحكم منشأي وبحكم مسؤوليتي كإنسان لبناني لا يمكنني أن أكتب ما يؤدّي الى الكراهية والحقد. وهذا بالنسبة إليّ أساسيّ وإن كان لا يكفي كما قلت. أما عن أملي بالتعايش والتسامح فهناك دائماً فرق بين ما أتمناه وما أراه ويحصل. ولسوء الحظ، اذا نظرنا الى ما يحصل الآن في العالم يتبيّن لنا بوضوح أن الأمور لا تتجه نحو المزيد من التسامح والتعايش. واعتقد أن من واجب الكاتب أن يقول الحقيقة. وما أتمناه أيضاً هو ألا يحدث صراع حضارات. وعلى الكاتب أن يعترف أحياناً بأن التاريخ يتجه اتجاهاً آخر، وعليه أن يعترف أيضاً بأنه من الخاسرين. في عالم اليوم لا أشعر بأنني في معسكر المنتصرين، بل في معسكر المهزومين الذين خابت آمالهم. وشعوري بأن العالم الذي حلمت وأحلم به ليس هو العالم الذي أراه الآن. ولسوء الحظ أيضاً أنني لا أرى أنّه العالم الذي سيعيش فيه أبنائي وأحفادي.

صدمة 11 أيلول

> ما كان ردّ فعلك ازاء صدمة 11 أيلول؟ كيف تلقيت هذه الصدمة؟

- شعوري الأول أن ما تركناه وما حاولنا الابتعاد عنه حصل على مستوى العالم كله. كأن الصراعات التي بدأت عندنا أخذت حجماً كبيراً. وهذا الشعور لا يزال سائداً، فما حصل في لبنان منتصف السبعينات كان نوعاً من المقدمة لما حصل في 11 أيلول. فلبنان - وتبعاً لموقعه – يملك حساسية أكثر من سواه. الصراعات القائمة أساساً على رفض الآخر، لا سيما في الشرق الأوسط هي التي انفجرت فشملت العالم كلّه.

> هل تعتقد أن 11 أيلول كان تنفيذاً لمقولة هنتنغتون حول «صدام الحضارات» التي انتقدها الكثيرون؟

- كنت أفكر دوماً بأن صدام الحضارات يستحيل تفاديه. لكنني فكّرت أيضاً بإمكان تفادي هذا الصدام. ولسوء الحظ، كلما مرّ الزمن كان لدينا شعور بأننا لم نتحاشَ الصدام هذا. هذه القضية تسبب لي حزناً كبيراً وشعوراً بالخسارة. 11 أيلول كان بالتأكيد أحد العناصر الكاشفة أو الموحية، وبما أنه تحوّل حدثاً مشهدياً فالعالم كله شاهده بأم عينه. ولكن من الصحيح أن هذا التطوّر قام قبل سنوات وما زال مستمراً مع سقوط جدار برلين. وهكذا انتقلنا من عالم كان الانشقاق فيه ايديولوجياً الى عالم بات الانشقاق فيه يتعلّق بالهوية. وانطلاقاً من هذه اللحظة، لحظة الانشقاق في الهوية، يحصل هذا النوع من التطوّر. واعتقد ان العالم يبدو كأنّه وقع في فخ هذا الصراع. اليوم نحيا وسط صراعات «الهوية» ولا نستطيع أن نعرف كيف يجب الخروج من هذه الصراعات. والعلاقات بين الغرب والعالم العربي والاسلامي هي الى مزيد من التوتر والتعقد، والتعاون مع الآخر هو سلبي جداً، سواء هنا أو هناك. ولا أشعر بأن العلاقة ستسوّى في سنوات قليلة، ربما يتطلّب الأمر عشرين سنة. والناس الذين مثلنا إنما يعيشون على خط الانشقاق وهم بكلّ عفوية أناس يبحثون عن التوفيق بين القطبين. ونحن ببساطة أناس خاسرون ومهزومون في هذه القضية، فالعالم لا يذهب في اتجاه يسمح لنا بأن نواصل حياتنا الطبيعية. نحن في عالم يصبح مجنوناً أكثر فأكثر، عالم ضائع بلا بوصلة.

أزمة الضواحي الفرنسية

> لا بدّ من أن أسألك عن حوادث الضواحي التي حصلت في فرنسا! كيف ترى الى أبعاد هذه الحادثة؟ وما رأيك بانقسام المثقفين الفرنسيين حيالها؟

- هذه الظاهرة يمكن أن نقرأها من زاويتين: زاوية فرنسية وزاوية أوسع. فرنسياً تنتمي هذه الظاهرة الى مشكلات الضواحي التي تركت من دون أي اهتمام جدّي. وهي تشهد الكثير من البطالة والاهمال... وهناك التمييز الذي يشعر به أبناء هذه الضواحي. اذا كان اسم المواطن عربياً أو اسلامياً يواجه الكثير من الصعوبة كي يجد بيتاً للايجار أو عملاً. هذه الأمور كلّ الفرنسيين يلمّون بها، لكنهم كانوا يجهلون المدى الذي يمكن أن تبلغه تفاعلاتها. هذا من الناحية الفرنسية، ولا أعلم ان كانت الدولة ستتخذ الاجراءات اللازمة. وواضح أنه يجب صرف كميات كبيرة من المال لتفادي بقاء مثل هذه الأحياء معزولة ومهمّشة ومعدمة. يجب تجاوز هذه «التفرقة» بين أبناء المهاجرين وأبناء المقيمين. وهذا صعب جداً، ولو كان هناك اصرار سياسي على حلّ هذه المشكلة. واعتقد أنها ستتطلب قرابة عشرين سنة. وليس من الأكيد أن قرارات كافية اتخذت لحلّ هذه المشكلة. طبعاً لو كان هذا الأمر حصل في اطار علاقة ايجابية أو أقل صدامية وعداء، بين هذين العالمين، بين الفرنسيين والمهاجرين، لكانت المعالجة أسهل ربما. ولكن ثمة علاقة غير مباشرة بين الجوّ العالمي المتوتر وهؤلاء المهاجرين المسلمين والأفارقة. وواضح أن هناك تناقضاً بين هذين العالمين وأن هناك عداء بينهما وأن نظرة الواحد الى الآخر سلبية جداً وعدائية.

> من أين أتى هذا الشعور بالتمييز لدى الفرنسيين الذين يعتبرون من دعاة الحوار والاعتراف بالآخر؟

- أتصوّر أن هناك سوء تعامل مع هذه الظاهرة وسوء فهم لها. قام بعض المشاريع النموذجية في أحياء معينة. وهذه الأحياء التي عرفت بعض الاختلاط لم تشهد مشكلات، لأنّ فيها أختلاطاً أولاً وفيها حياة وأماكن عامة. ولكن حين تضع الدولة ألف شخص في أحياء ضيّقة لا يعود الجوّ ايجابياً بل هو يغذّي المرارة والخيبة والتمرد. وهذه المشكلات موجودة في كل أوروبا حيث تتجمع الأقليات المهاجرة في أحياء، وتبدو كأنها منغلقة على نفسها.

> كمتابع للمشهد السياسي العالمي كيف تنظر الى الخيار الفلسطيني الذي أتى بـ «حماس» الى السلطة؟ هل تقرأ هذا الخيار ضمن الصراع العالمي نفسه؟

- اعتقد ان التفسير الأول هو أن الفلسطينيين لم يُعطوا ما يقنعهم بأن التعامل الأسلس مع اسرائيل والغرب هو الذي يؤدّي الى نتيجة. على العكس. في النهاية إن السياسة التي اتبعت حتى الآن جعلتهم يشعرون بأن وضعهم لم يتحسّن وربما هم بحاجة الى رفع الصوت. وكان ثمة تململ وتذمر لدى الفلسطينيين منذ فترة طويلة من ممارسات المؤسسات الفلسطينية الرسمية ومن منظمة فتح، وكانت ثمة رغبة في التغيير داخل الوضع الفلسطيني بغض النظر عن المشكلة الأساسية مع اسرائيل. ولو تصرّفت الادارة الفلسطينية في شكل مستقلّ كلّياً لكانت الأمور مختلفة. هل الأمر مرتبط بالوضع العالمي أو على الأقل الأوسع من فلسطين؟ ربما. ولا شك اذا أُجريت انتخابات حرّة في أكثر من بلد في المنطقة فلا شك في أن النتيجة ستكون مشابهة لما حصل في فلسطين. ومن الواضح أن «حماس» لديها تأيد شعبي واسع في دول عدّة.

> كيف تقرأ الواقع اللبناني الآن بعد الاغتيالات التي حدثت وخلال الاضطرابات القائمة؟

- مرّت سنة دقيقة جداً، وكلما تقدّمنا في الوقت شعرنا بتعقيد الوضع اللبناني. هناك أمور كانت واضحة قبل ستة أشهر صارت الآن أقل وضوحاً. لا شك في أن هناك جواً من الاحباط. الناس محبطون بعدما عاشوا ما حصل من مآسٍ. هذا على رغم بعض الأمل. فلبنان يجب أن يعرف كيف يستفيد من المرحلة الاقتصادية المتقدمة التي ستشهدها المنطقة. لو كان اللبنانيون قادرين على تخطي نزاعاتهم الداخلية وعلى استعادة الحياة الطبيعية بعيداً من الكابوس الطائفي، لتمكّنوا من الافادة من التحوّلات الاقتصادية التي من الممكن أن تشهدها المنطقة. ولكن بعد سنة من الاغتيالات والخوف والاحباط يصبح المرء يخاف من الأمل، فكلما لاح أمل تحلّ نكسة. وبالنسبة الى التحقيق في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري اعتقد أن المهمّ هو كشف الحقيقة. وكشف الحقيقة هو أهم من العقاب. العقاب ليس أساسياً. فكشف الحقيقة هو الذي يستطيع أن يضع حداً للعنف ولهذا النوع من التعامل السياسيّ. وانطلاقاً من الحقيقة يصبح من الممكن أن تقوم علاقات طبيعية سواء بين الفئات اللبنانية نفسها أو مع الجهات الاقليمية. ليس من مصلحة لبنان أن يعلن حرباً على أحد. والمفروض تحييد الوضع اللبناني عن صراعات المنطقة حتى يتمكّن لبنان من أن يعيد بناء نفسه، وهذا ما يفيد المنطقة ككل. أنا لست فاقداً الأمل على رغم الأحداث الأليمة التي شهدها لبنان في السنة الأخيرة. وثمة عناصر تسمح لنا بأن نقول ان في امكان البلد أن ينهض وأن يتخطى أزماته.

> هل تحن الى العمل الصحافي الذي مارسته سنوات؟

- انني أمارس الصحافة منفرداً. في السابق كنت أتابع وأكتب. الآن أتابع أكثر من قبل لكنني لا أكتب. أقرأ الكثير من الصحف خصوصاً عبر الانترنت الذي يسمح للقارئ بأن يطلع على الصحافة العالمية.، وهذا لم نعرفه في السابق، أن نتابع أربعين صحيفة في اليوم. انني أتابع السياسة ولكن من بعيد. في الماضي كلما كانت لديّ فكرة أعرضها على بعض الأصدقاء وأناقشها معهم. الآن لم تعد هذه الرغبة موجودة لدي. أناقش أحياناً الأوضاع السياسية مع الأصدقاء ونتعمّق في النقاش. ولكن عندما أجلس الى طاولتي أكتب شيئاً آخر، رواية، بحثاً.

مقاطع من نص غير منشور لأمين معلوف

كتب أمين معلوف نصاً أوبرالياً بعنوان «أدريانا ماتر» هو الثاني بعد «الحب من بعيد». ووضعت كايجا سارياهو الموسيقى لهذه الأوبرا التي ستعرض في الباستيل في 30 آذار (مارس) الجاري. والعرض من إخراج بيتر سيليرز. هنا مقاطع مترجمة الى العربية من النص الذي يصدر قريباً في باريس:

« نحن على شفا حرب. تسترخي الشابة أدريانا أمام منزلها، وهي تغني أغنية حزينة قديمة.

عندما ترغب في العودة إلى دارها، يعترض طريقها شاب ثمل يدعى تسارغو. ويبادرها الشاب المترنح محاولا أن يبدأ حديثا معها، مذكرا إياها بالرقصة التي رقصاها معا في السنة السابقة، مما يدفعها إلى نهره بشدة. فيمضي مجرجرا أذيال الخيبة والإهانة ويرتمي على الأرض قريبا منها ليشرب زجاجة الخمر بالكامل. وتقوم رفقا، شقيقة أدريانا التي راقبت الإثنين في الخفاء، بمعاتبة أدريانا على تصرفها. عندما يحل الليل، يظهر حلم على المسرح ولا نعلم من الذي يحلم: أتكون أدريانا أم تسارغو أم رفقا، أو حتى الثلاثة معا، ربما؟... ويتحضر تسارغو في الحلم لاصطحاب أدريانا إلى حفل راقص، ولكن ما أن تتشابك ذراعيهما حتى يتحول الشاب إلى زجاجة تفلتها أدريانا، فتقع أرضا وتتحطم. تستيقظ الشابة وهي تضحك في الحلم كما في الواقع. وتوقظ ضحكتها التي تمتزج ودوي تحطم الزجاجة تسارغو، الذي يشعر بالإهانة ويبتعد بخطى أقرب إلى خطى الملعون، وهو يتهدد ويتوعد.

المشهد الأول: الغسق، حي متواضع، قبل الحرب

تسترخي الشابة أدريانا مستندة إلى حائط منزلها عند آخر النهار، وهي تغني أغنية قديمة ملؤها الحنين والشهوانية

- أدريانا: عندما تغمض المدينة جفنيها، / أكشف عن صوتي. / صوتي الذي قطفته / من حديقة خريفية / لأرقده بين صفحات كتاب؛ / صوتي الذي جلبته من البلد / في طيات شراشف من لون الكبريت؛ / صوتي الذي أخفيته داخل صدريتي / تحت ثنايا قلبي.

عندما تغمض المدينة جفنيها، / أكشف عن قلبي. / قلبي الذي الذي قطفته / في حديقة خريفية / لأرقده بين صفحات كتاب؛ / قلبي الذي جلبته من البلد / في طيات شراشف من لون الحجارة؛ / قلبي الذي أخفيته داخل صدريتي / تحت ثنايا جلدي.

(يقترب الشاب تسارغو بخطى غير واثقة. يحمل زجاجة في يده، ويحول بين الشابة وباب المنزل، كما لو كان يسعى لمنعها من الدخول. وفي هذه الأثناء، تراقبهما رفقا من داخل المنزل، دون أن يرياها)

- أدريانا: عندما تغمض المدينة جفنيها / أكشف عن جلدي. / جلدي الذي قطفته / في حديقة خريفية / لأرقده...

(ما أن تلاحظ أدريانا أخيرا وجود الشاب، حتى تقطع أغنيتها وتتجه صوب الباب)

- تسارغو (معترضا طريقها): توقفت عن التكلم معي! / أدريانا لم تعرفني!

- أدريانا (و قد بدا عليها الملل والإحتقار):

بلى، عرفتك يا تسارغو / ولأنني عرفتك / لا أحدثك. / إبتعد عن طريقي! / إذهب واثمل في مكان آخر

- تسارغو: لست / بثمل!

- أدريانا (يتزايد احتقارها له): كلا، أنت في كامل وعيك يا تسارغو / وهذا واضح للعيان.

- تسارغو (وهو بالكاد يقف على رجليه): لست / بثمل!

- أدريانا: هي زجاجتك الثملة / زجاجتك التي تعجز عن الوقوف / أتتلطف وتبعدها عن هذا المكان؟

- تسارغو: جئت لأتحدث إليك يا أدريانا / فاسمعيني!

- أدريانا: فلتعد لتحدثني، / عندما تستفيق!

- تسارغو: لو كنت ثملا وغنيا / لكنت استمعت لي يا أدريانا. / لو كنت ثملا ومتنفذا / لكنت دعوتني للدخول / ولكنت جالسا على سريرك في هذه اللحظة!

- أدريانا: لكي يكتسب رجل الحق بالجلوس على سريري / لا داعي لأن يكون صاحب نفوذ أو أموال / وحتى أنت يا تسارغو يمكن لك أن تدخل / إن رأيتك مقبلا في شارعي / بخطى واثقة ورشيقة

(تمثل أدريانا المشهد وهي تتكلم، ويبدأ تسارغو بتصديقه)

- أدريانا: ستقف يومئذ في طريقي، دون أن تعترضها. / وتتلفظ بالكلمات التي لطالما انتظرتها / وتلك التي لم أعد انتظرها أيضا / سيهب صوتك الرجولي في شعري / نسمة مألوفة. / في هذا اليوم أفتح لك بابي يا تسارغو. / حتى وإن لم يبارحك الفقر، فسأسمح لك / أن تجلس على فراشي، ذاك اليوم.

(تمر هنينة)

ولكن اليوم هذا لن يأتي.

(تدوي الجملة الأخيرة كصفعة على وجه تسارغو. يبتعد قليلا ويفترش الأرض كي يكمل زجاجته. وتدخل أدريانا منزلها، فتلتقي بأختها التي سمعت كل الحديث)

- رفقا: لم تتحدثين هكذا / مع سوقي ثمل؟

- أدريانا: أتفضلين أن أتوسله بصوت راضخ / كي يدعني أمر؟

- رفقا: ليس هذا يا أدريانا، / إنما وددت أن تتركي بعض المسافة / بينكما

- أدريانا (بصوت ساخر): بعض المسافة!

- رفقا (مكملة حديثها): أن تتحدثي إليه بالكاد / ألا تنطقي باسمه / ألا تردي عليه

- أدريانا: أي أنك تفضلين أن أصمت / وان يتهجم علي دون أن أرد / أن يعترض طريقي / دون أن أقول له «إذهب عني»

- رفقا: كنت أود أن تردي عليه بازدراء يا أدريانا / ازدراء تام، ليس إلا.

- أدريانا: أكثر مما فعلت؟ / أرأيت كيف ذهب حانيا رأسه؟.

- رفقا: لم تفهميني يا أدريانا. / كنت أفضل ألا يكتشف / أنك تعرفين اسمه / وددت لو / يشك بأن صوته / يتناهى إلى مسمعك / وبأن وجهه / واضح في مقلتيك / وددت لو يحس بأن قربه من هذا المنزل / يحيله ثوبا خاو وقذر / أو ظل لظل روح ميتة / هكذا يكون الإزدراء!

- أدريانا: كلا يا رفقا، ما وصفته ليس الإزدراء / إنما خوف متنكر، / الخوف الذي تلقنته النساء منذ حواء. / «لم ينظر إليك ولم تسمعي صوته ولم يفه بأية كلمة. / أخفضي عينيك يا ابنتي والعنيه في قرارة نفسك» / أما أنا فلا أريد أن أصمت أو أخفض عيني / أنا أريد أن ألعنه بكل جوارحي! / كل من يحاول أن يجرحني / سأبادره أنا بالجرح

- رفقا: العقرب لا يجرح يا أدريانا، / بل يسحق تحت الأقدام / أو ندعه يكمل طريقه / كما لو أننا لم نره

- أدريانا: لا يشبه تسارغو هذا الحيوان السام / بل هو مجرد صبي تعيس / رقصنا سويا في حفلة العام الماضي / وكان كالأطفال خجل

- رفقا: ها قد أدخل الحنان إلى قلبك!

- أدريانا: ليس الحنان يا رفقا، كلا / إنما قليل من التعاطف / لا يمكن أن تلوميني على ذلك!

- رفقا: كان الحري بك ألا تراقصيه!

- أدريانا: كانت رقصة واحدة! / واحدة فقط!

- رفقا: وهي أكثر مما يجب / بسببها يحوم في هذه الأرجاء

- أدريانا: أنظري هناك / هو يغفو بجانب الحائط! / غارق في ثمله وعاجز عن العودة إلى منزله

- رفقا: لا تنظري إليه، واخفضي صوتك! / لقد تأخر الوقت!».

Login to your eMail Account
Email:  
Password: