Top stories

 

 

Click for the latest Montreal weather forecast.
Click for the latest Montreal weather forecast.

 

 

.

التصفيات الجسدية للصحافيين في لبنان ... رصاص وتعذيب وتذويب بالأسيد وتفجير ... من كامل مروّة إلى سليم اللوزي إلى جبران تويني: 40 سنة من «أوهام» انتصار السيف على القلم

 

بيروت – باسم البكّور     الحياة     - 17/05/06//

كل شيء كان على ما يرام ليل الاثنين 16 أيار (مايو) 1966، أي قبل أربعين سنة بالتمام

خبر اغتيال كامل مروّة متصدراً الصفحة الأولى من «الحياة» في 17 أيار (مايو) 1966
خبر اغتيال كامل مروّة متصدراً الصفحة الأولى من «الحياة» في 17 أيار (مايو) 1966

عند التاسعة مساء، كان رئيس الجمهورية اللبنانية شارل حلو يحتفي باستقبال الرئيس السنغالي ليوبولد سيدار سنغور، الشاعر والمنادي بتحسين أوضاع الزنوج. وقد أقيم على شرف الأخير عشاء رسمي في فندق «فينيسيا» البيروتي، حضرته نخبة من الشخصيات. وأثناء العشاء تقدم موظف في الفندق وهمس في أذن أحد الوزراء ان مسؤولاً يريد التحدث إليه بالهاتف لأمر مهم، فتوجه الوزير إلى غرفة جانبية للرد على الاتصال. وعندما عاد كان شاحب الوجه، فاقترب من الرئيس حلو، هامساً في أذنه، ليطبق صمت أشبه بصمت القبور. وما هي إلا لحظات، حتى سرى النبأ المفجع في أرجاء الفندق: «لقد اغتيل قبل دقائق كامل مروّة صاحب صحيفة «الحياة» ورئيس تحريرها»!

كان ذلك اليوم عادياً في حياة مروّة وزملائه في «الحياة». فعند السابعة مساء ترأس مروّة اجتماع مجلس التحرير اليومي التقليدي، فأطاله على غير عادته، ثم انصرف الجميع الى متابعة عملهم داخل مكاتب الجريدة الكائنة في شارع ضيّق (الخندق الغميق) خلف «التياترو الكبير» في ساحة رياض الصلح.

وعند التاسعة إلا خمس دقائق، أي في الوقت الذي اعتاد مروّة الحضور الى غرفة الإخراج، ليصمم مع سكرتارية التحرير الصفحة الأولى من عدد اليوم التالي، سمع المحررون كلمات صاخبة غير مفهومة تخترق جدران مكتب رئيس التحرير، ويعقبها تحطم زجاج. فهرعوا الى المكتب لمعرفة ما يجري. وإذا بهم يقفون مصعوقين أمام أفجع مشهد يمكن ان يتصوّروه: كامل مروّة ملقى على الأرض أمام مكتبه، والدماء تفور من صدره، وإلى جانبه مسدس صغير مزوّد بكاتم للصوت.

رصاصتان فقط، وضعتا حداً لحياة مؤسس «الحياة». إحداهما أصابت مروّة في بطنه، والثانية في رئته. وطويت بذلك المشهد المأسوي المصبوغ بالأحمر القاني، حقبة ذهبية في تاريخ الصحافة اللبنانية.

.

العصامي... المجاهد

مبكراً ظهرت ميول مروة (المولود عام 1915) نحو الصحافة. إذ كان في مرحلة الدراسة الثانوية عندما ترأس تحرير مجلة «ثمرة الفنون» الطالبية – المدرسية في مدرسة «الفنون الأميركية» الثانوية.

وفيما كان طالباً عام 1932، انضم كهاوٍ الى أسرة صحيفة «النداء» لصحابها كاظم الصلح. لكن ما لبثت ان وقعت سلسلة مفاجآت أدت الى غياب غالبية محرري الجريدة فترات طويلة، فوجد نفسه بعد بضعة أسابيع يتولى زمام التحرير كله، ويصدر الجريدة وحده أحياناً. فشعر منذ ذلك الحين بطاقته على «إصدار جريدة». ونذر الاستقلال بالعمل حين تتوافر له الإمكانات في المستقبل البعيد: البعيد بقدر ما يبدو في خيال فتى في ربيعه الخامس عشر.

وبعد نحو أربعة أعوام على تأسيس «النهار» على يد جبران تويني، انتقل مروّة الى الصحيفة البيروتية الفتية. فغمره صاحبها بعاطفة أبوية كانت تعوزه. إذ كان والده توفي، وهو لم يزل طفلاً في العاشرة.

إثر اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، أصدر مجلة أسبوعية اسمها «الحرب الجديدة المصورة»، الى جانب عمله في «النهار»، فنالت رواجاً كبيراً، وعززت ثقته بنفسه. ثم لجأ أثناء الحرب عام 1941 الى تركيا، ومنها الى ألمانيا فبلغاريا، ملتحقاً بالناشطين العرب الذين كانت تلاحقهم القوات الحليفة، لمناهضتهم الانتدابين البريطاني والفرنسي في المشرق.

ومع نهاية الحرب، عاد مروّة الى لبنان لاستئناف العمل في «النهار» فحالت الاعتبارات السياسية دون ذلك. فقرر عندئذ إصدار جريدة جديدة، مهما كانت الصعوبات والمعوقات... والنتائج.

وهكذا كان.

.

ولادة «الحياة»

كانت بيروت آنذاك تعج بـ55 صحيفة يومية. فقرر مروّة ابن الثلاثين إصدار الجريدة السادسة والخمسين في العاصمة، وليست لديه من وسائل الإصدار سوى العزم. وقد شجعه «معلمه» جبران تويني على المضي في مسعاه، في بادرة انسانية – مهنية نادرة. وأفرد له في مكتب «النهار» في سوق الطويلة، غرفة لإصدار جريدته منها. ثم اقترض مبلغ عشرة آلاف ليرة من أحد الدائنين، ليطلق بها من تلك الغرفة «النهارية» الصغيرة جريدة «الحياة» في 28 كانون الثاني (يناير) 1946، بجهود ثلاثة محررين وثلاثة موظفين إداريين فقط. وسرعان ما أصبحت «الحياة» واحدة من أكثر الصحف العربية انتشاراً وتأثيراً.

ولم يكتف مروّة بهذا النجاح. فأصدر عام 1952 جريدة «ذا دايلي ستار»، وهي أول جريدة تصدر باللغة الانكليزية في لبنان. ثم تابع مشواره الحافل عبر إصدار جريدة «لوماتان» بالفرنسية عام 1959، جامعاً المجد الصحافي بألسنة ثلاثة: عربي وانكليزي وفرنسي.

تكمن أهمية كامل مروّة في مساهمته الفاعلة في تطوير الصحافة اللبنانية، إخراجاً وإنتاجاً وتحريراً. فإلى ابتكاره الافتتاحية القصيرة، في زمن المطوّلات أو «المعلقات» الصحافية، أدخل المكننة الى دنيا الصحافة في لبنان والعالم العربي، فلقّب بأبي الصحافة العربية الحديثة.

أما في السياسة، فلم ينجذب الى الأفكار الثورية والاشتراكية التي سادت خلال الخمسينات والستينات من القرن المنصرم، في عدد من الدول العربية. بل عارضها بشدة عبر افتتاحياته التي كان يتابعها صانعو القرار في الوطن العربي بانتظام.

وبعد عشرين عاماً من نضال صحافي على صفحات «الحياة»، اغتيل مروّة والقلم في يده، كاتباً افتتاحية السابع عشر من أيار 1966، والتي لم تكتمل. فصدر عدد ذلك اليوم من «الحياة»، وعلى صفحتها الأولى خبر وحيد وحزين: «اغتيال كامل مروّة في مكتبه».

وبعد أكثر من 30 عاماً على تلك الجريمة البشعة، كشفت الخارجية الأميركية وثيقة تؤكد أن قرار تصفية ذلك الصحافي اللامع والجريء كان برعاية مباشرة من عبدالحميد السرّاج، نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة وزير داخلية الإقليم السوري آنذاك. فكانت تلك أول «عملية اغتيال صحافي في لبنان على يد جهاز استخبارات عربي»، بحسب تعبير كريم مروّة، ابن مؤسس «الحياة»، الذي كشف ان الرئيس المصري الراحل أنور السادات قدّم في العام 1974 الى والدته (زوجة مروّة) السيدة سلمى البيسار اعتذاراً شفوياً عن الجريمة، خلال زيارة خاصة الى القاهرة، واعداً إياها بتسليمها ملفاً مقتضباً عن دور الذين نفذوا عملية الاغتيال. «لكن في اليوم التالي، اعتذر السادات من والدتي عن عدم تسليمها ذلك الملف، لتضمنه أسراراً تتعلق بالمصالح العليا للدولة. وقبلت العائلة الاعتذار»، يؤكد مروّة.

على رغم مرور أربعة عقود كاملة على تلك الجريمة، وكأنها لحظة أو ومضة من الزمن، فإن الانطباع السائد لدى الغالبية الساحقة من اللبنانيين اليوم، هو ان السنوات الأربعين الأخيرة مضت وكأن شيئاً لم يتغيّر، وكأن الزمان راوح مكانه. ستة من كبار الصحافيين لقوا المصير نفسه من بعده، وإن بأشكال مختلفة: قتلاً بالرصاص، أو تعذيباً بالأسيد... أو حتى تفجيراً. فيما بقيت «الأوهام» معششة في أذهان القتلة «الكبار» بأن القلم هزم أمام سطوة السيف... وجبروته، وإن كانت الإشارة تجدر هنا، الى ان اغتيال مروّة لم يكن الأول في لبنان ما بعد الاستقلال (1943). فقبل ثمانية أعوام من سقوط مروّة مضرّجاً بدمائه، كانت يد الغدر قد امتدت الى الصحافي نسيب المتني، لـ «يُدشّن» باغتياله عهد جديد من «ترهيب» قادة الرأي.

.

نسيب المتني

.

نسيب المتني
نسيب المتني

كان اغتيال نقيب المحررين السابق نسيب المتني عام 1958 فاتحة الاغتيالات السياسية لأرباب القلم في لبنان. لكن اغتياله «صُنع في لبنان» مئة في المئة، على عكس الاغتيالات اللاحقة التي طاولت أعلاماً بارزين في مهنة البحث عن المتاعب.

دفع المتني دمه ثمناً لموقفه السياسي. إذ كان معارضاً لسياسات عهد الرئيس كميل شمعون. ووقف بكل ما أوتي من حبر ضد التجديد لرئيس الجمهورية، معتبراً ان «التمديد جريمة»، ومعلناً معارضته «الاعتداء على الدستور... وفرض شخص لمدة 12 سنة، حتى لو كان أقرب أقربائنا وأعز أصدقائنا».

وفي الساعة الأولى والنصف من فجر الثامن من أيار (مايو) من العام الذي شهد «ثورة 1958»، اغتيل المتني بخمس رصاصات، اخترقت إحداها قلبه، ليخرّ صريعاً بعدما صرخ في وجه قاتله: «يا كلب يا جبان». فأشعلت دماؤه شرارة «الثورة» ضد عهد شمعون. إذ عمّت التظاهرات والاضرابات أرجاء البلاد. واندلعت في طرابلس معارك مع الجيش وقوى الأمن الداخلي، ذهب ضحيتها المئات بين قتيل وجريح، من دون أن يتزحزح شمعون عن كرسيّه قيد أنملة. فأكمل عهده حتى اليوم الأخير، لكنه لم يجدد ولم يمدد. كانت كل المؤشرات تدل آنذاك إلى أن المتني قتل على أيدي أنصار شمعون. لكن معلومات ترددت لاحقاً حول قيام عناصر تابعة لاستخبارات عبد الحميد السرّاج كانت وراء اغتيال المتني بهدف إشعال نار الثورة ضد شمعون.

ومع ذلك، لم تكن تلك أولى معارك المتني مع رؤساء الجمهورية. فقد خاض ذلك الصحافي الجريء الذي انتخب نقيباً للمحررين عام 1947، معركة سابقة دفاعاً عن المبادئ ذاتها ضد عهد الرئيس بشارة الخوري الذي استقال في 18 أيلول (سبتمبر) 1952، تحت ضغط الرأي العام الغاضب والمستجيب لدعوات المتني الى إضراب شامل عمّ لبنان ثلاثة أيام متتالية.

واستطاع المتني، بقربه من المواطنين الذين اعتبروه ضميرهم العام أن يصنع جريدة على نمطه هو. فأصدر صحيفة «التلغراف» اليومية عام 1945 لتصبح الجريدة الشعبية الأولى آنذاك، بعدما جعلها صوت المعارضة ومنبرها الأخطر، يتناوب على الكتابة لها وفيها وعلى تزويدها بالأخبار كل أقطاب ذلك الزمن من السياسيين، وبينهم صائب سلام وحميد فرنجية وكمال جنبلاط وحسين العويني وأحمد الأسعد... وغيرهم.

وحتى اغتيال المتني عام 1958، كانت «التلغراف» تطلع كل صباح على اللبنانيين بمقالات نارية، بقلم رئيس تحريرها، فاضحةً تغلغل الفساد في إدارات الدولة، ومنتقداً بقوة الاستعانة بالخارج ضد الداخل، مطالبةً «سيد العهد» بالرحيل لتجنيب البلاد حرباً أهلية كانت ملامحها بدأت تلوح في الأفق.

.

سليم اللوزي

.

سليم اللوزي
سليم اللوزي

في تاريخ الصحافة اللبنانية برز صحافي من طينة مختلفة. انه سليم اللوزي ذلك الطرابلسي الذي كان يفخر بأنه شبه «أمي»، لم يدخل كلية، ولا جامعة، ولم يحصل على أي شهادة. مع ذلك بنى لنفسه مجداً صحافياً لا يضاهى.

وبقدر ما كانت حياة اللوزي صاخبة، بقدر ما كانت نهايته مأسوية، صارخة. فقد عُثر عليه في حرج جنوب بيروت في 4 آذار (مارس) 1980، ملقى على بطنه، في مؤخرة الرأس طلق ناري حطّم الجمجمة ومزّق الدماغ. ذراعه اليمنى مسلوخ لحمها عن عظمها حتى الكوع، والأصابع الخمس سوداء نتيجة التذويب بالأسيد أو حامض الكبريت. كما عثر على أقلام الحبر مغروزة بعنف داخل أحشائه من الخلف... في مشهد تعذيب ساديّ ولا أبشع.

أما السبب فلأنه ذو لسان سليط، وقلم لاذع، ورأي صادم لا يهادن، فضلاً عن كونه «صانع» مجد «الحوادث»، المجلة التي أصدرها عام 1956، وجعلها الأسبوعية الأهم والأشهر والأكثر تأثيراً في العالم العربي طوال فترة رئاسته تحريرها... حتى بات الكثير من الزعماء العرب يتسابقون على كسب ودّه واتقاء غضبه عليهم.

هكذا كان اللوزي في علاقاته، يخاطب الكبار كأنه ندٌ لهم من دون خوف أو خجل، وخاض مع بعض الأنظمة العربية معارك شرسة على صفحات مجلته التي كانت تباع كالخبز في دول عربية كثيرة. وقد دفعته ألمعيته المهنية الى خوض مغامرة صحافية أخرى، الى جانب «الحوادث». إذ أصدر من لندن مجلة أسبوعية باللغة الانكليزية تحمل اسم Events، موظفاً ومستكتباً فيها أهم الصحافيين الانكليز والأجانب، على رغم انه لا يتكلم الانكليزية ولا يفقه منها شيئاً.

كان اللوزي جريئاً الى حدّ التهوّر. وعندما بلغه نبأ وفاة والدته، وهو في لندن قرّر العودة الى لبنان ليحضر مأتمها، غير عابئ بالتهديد... والوعيد. وعندما نصحه أحد أصدقائه بالعدول عن قراره لأن أيدي الشر تتربص به، أجابه: «ولو... ألا يحترمون حرمة الموت؟ إنني ذاهب لأدفن والدتي».

ذهب ليدفن والدته... فدفنوه بعدها ببضعة أيام!

.

رياض طه

.

رياض طه
رياض طه

«قتلوني يا عار بنادقهم». لعلها كانت عبارة نقيب الصحافة اللبنانية السابق رياض طه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة بعدما اخترقت ست رصاصات من نوع المتفجّر رأسه وعنقه وصدره صباح 23 تموز (يوليو) 1980، واضعة حداً لحياة صحافي لامع لعب دوراً بارزاً من أجل تقريب وجهات النظر بين الأطراف اللبنانيين، في عزّ صراعاتهم وتناقضاتهم وانقساماتهم.

بضعة مسلحين طاردوا النقيب طه وهو في طريقه الى مقابلة رئيس الحكومة المستقيلة آنذاك سليم الحص، قبل أن يمطروه برصاصهم.

وكان طه جاء الى مهنة المتاعب من بيئة فلاحية في منطقة الهرمل البقاعية الفقيرة، فنشأ رافضاً الإقطاع بكل أشكاله. ولم يجد متنفساً لأفكاره وتطلعاته إلا في الصحافة التي استهوته مبكراً. وفي خطاب ألقاه في الهرمل مطلع حياته الصحافية، قال: «تقولون إنني أول كاتب في تاريخ الهرمل. هذا لا يهم. المهم ان يصبح كل شبان الهرمل قراء».

ولما أصبح طه صحافياً محترفاً، عشق مقارعة الظالمين من أصحاب «الرؤوس الكبيرة». هو بالقلم الجارح، وهم بالسيف القاطع... حتى غلب الثاني الأول. وكانت افتتاحياته في صحيفته «الكفاح العربي» نموذجاً صارخاً لتلك الواجهة غير المتكافئة، حتى قيل ان إحدى تلك الافتتاحيات كانت سبباً في «إهدار» دمه، إذ خاطب فيها أحد الزعماء، قائلاً: «إن قافلة الوعي والتقدم تنطلق بسرعة، فإياك وأن تتعرض لها لأنها ستجتاح كل من يقف دونها. ليتك تقرأ... لتدري أن المصارعين من رجال الأفكار والمبادئ لا يوهن عزائمهم إرهاب أو اضطهاد ولا يخيفهم سلاح، لأنهم لا يخشون الموت... ولكنك لا تقرأ ولا تدري (...)، وإذا قتلت رياض طه، فإن قتله سيخلده وستشب من دمه نار تلتهمك أنت وذريتك (...). حقاً إنني لا أحقد عليك بقدر ما أرثي لك».

هكذا كانت كلمات طه، أشد صدماً من رصاص خصومه. فكوفئ بأكثر من محاولة اغتيال، إضافة الى السجن، وتعطيل صدور بعض مطبوعاته وإلغاء ترخيص بعضها الآخر، ما جعله حاملاً لواء الحريات الصحافية بامتياز، الأمر الذي أدى إلى انتخابه عام 1967 نقيباً للصحافة بالإجماع، ما اعتبر ظاهرة فريدة في لبنان. وقد دفعته مناقبيته وعزّة نفسه الى عدم إصدار أو ترؤس أي مطبوعة طوال فترة توليه منصبه. أي حتى يوم اغتياله.

أما المفارقة هنا، فتكمن في أن طه كرّس قبل بضعة أشهر فقط من اغتياله، يوم السادس من أيار عيداً لشهداء الصحافة اللبنانية اعتباراً من العام 1980. فأصبح هذا اليوم من العام التالي يوماً لإحياء ذكراه.

.

سهيل طويلة

.

سهيل طويلة
سهيل طويلة

«تعذيب شديد وحروق مختلفة، إضافة الى ست رصاصات من مسدس في عنقه ورأسه، ما أدى الى قلع عينه اليمنى. وقد نفذت الرصاصات من مقدم الرأس الى مؤخره ومزقت السحايا الدماغية وأدت الى الوفاة سريعاً تاركة جميعها وشماً، ما يدل الى ان عملية التصفية (الجسدية) تمت من قرب».

هذا ما جاء في تقرير الطبيب الشرعي عن الصحافي سهيل طويلة الذي عثر على جثته في 24 شباط (فبراير) 1986 في محلة النورماندي في بيروت حيث مكب النفايات الخاص بالعاصمة.

وكان طويلة خُطف من منزله في بيروت قبل 24 ساعة، بعيد عودته من مبنى جريدة «النداء» الشيوعية التي كان يترأس تحريرها.

وهكذا، بكل دم بارد جرت تصفية هذا الصحافي الذي كان وجهاً بارزاً في صفوف «الحركة الوطنية» اللبنانية، ومدافعاً عن الثورة الفلسطينية.

لم يكتف طويلة بالانغماس في العمل الصحافي الذي استهواه منذ كان يافعاً، بل انخرط أيضاً في العمل السياسي الميداني، فضلاً عن نشاطه الفكري التنظيري في صفوف الحزب، فشغل منصب المدير العام المسؤول في مجلة الحزب الفكرية «الطريق». كما حاول نشر أفكاره ورؤاه الفكرية والسياسية في كبريات الصحف اللبنانية والغربية التي منها انطلق ليتكرّس اسمه لاحقاً واحداً من منظري «الحزب الشيوعي اللبناني» في عصره الذهبي.

الى ذلك، نشط طويلة في صفوف عدد من الهيئات الإعلامية والجمعيات الثقافية والأهلية. فكان أحد قادة الرأي المؤثرين لبنانياً وعربياً. وكانت افتتاحياته ومقالاته، سواء في «النداء» أو «الطريق»، مشبعة بالفكر المؤمن به، ومحركاً أساسياً لشريحة من جمهوره اليساري. وغداة اغتياله تصدرت افتتاحيته وكذلك خبر اغتياله الجريدة جنباً الى جنب.

.

حسين مروّة

.

حسين مروة
حسين مروة

لم يرأف قتلة الصحافي حسين مروّة بالحال الصحية الحرجة لابن السابعة والسبعين، حين قرروا تنفيذ أوامر «معلميهم»!

كانوا ثلاثة. وقفوا تحت شرفة منزل مروة في محلة الرملة البيضاء جنوب بيروت. تحدثوا طويلاً قبل أن يصعدوا معاً الى منزله. طرقوا الباب، ففتحت لهم زوجته. سألوها ببراءة: «هل نستطيع أن نرى الأستاذ؟ لدينا موعد». أجابت: «طبعاً، لكنه في فراشه، لا يستطيع المشي ليخرج إليكم، هلاّ تفضلتم بالدخول الى غرفة نومه». دخلوا. استقبلهم مريضاً في سريره. أفرغوا في جسده بضع رصاصات قاتلة بدم بارد. ثم خرجوا من المنزل بهدوء.

حدث ذلك في 17 شباط 1987. أي قبل أسبوع واحد من الذكرى السنوية الأولى لاغتيال رفيقه السابق في «الحزب الشيوعي» سهيل طويلة.

كان مروّة يبتسم حين يناديه بعض أصدقائه بـ «الشيوعي المعمّم»! ولذلك قصة تروى. إذ كان ابناً بكراً لوالد شيخ أرادت له عائلته الدينية في جبل عامل أن يصبح شيخاً ابن شيخ. فسافر الى العراق لدراسة العلوم الدينية في إحدى حوزات النجف. وبعد نحو 14 عاماً لبس العمامة الدينية. لكنه سرعان ما خلعها بعد اطلاعه على الفكر الماركسي عبر قراءة «البيان الشيوعي» الذي أعاره إياه حسين محمد الشبيبي، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي العراقي.

بعد عودته الى لبنان، انتظم حسين مروّة رسمياً في «الحزب الشيوعي اللبناني» عام 1951، وأصبح كاتباً لزاوية «مع القافلة» اليومية في جريدة «الحياة» طوال سبع سنوات، إضافة الى كونه أحد أركان مجلة «الطريق» الشيوعية.

استطاع مروّة ان يزاوج بين العمل السياسي والتدريس الثانوي والجامعي، والكتابة الصحافية. فكان ناشطاً في الأولى، ومنظراً أكاديمياً في الثانية، ومناقشاً مهنياً في الثالثة. ولم يجد مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي أفضل من مروة ليُرئسه تحرير مجلة «النهج» الصادرة من المركز. مثلما لم يجد خصوم فكره سواه هدفاً لإقصائه عن السياسة، والجامعة، والصحافة معاً، ببضع طلقات نارية.

.

سمير قصير

.

سمير قصير
سمير قصير

مرّت 18 عاماً قبل أن يستأنف «قناص» الصحافيين نشاطه. ولما عاد مجدداً الى الميدان، لم يجد أمامه أفضل من سمير قصير صحافياً ثورياً في زمن أصبحت الثورات الطالبية والشبابية حبيسة الكتب التنظيرية القديمة.

«لن أكلفهم أكثر من رصاصة واحدة، أو بضع رصاصات كحد أقصى». قالها قصير قبل بضع سنوات، حين سأله زميل عن «العواقب» التي يتوقعها نتيجة جرأته الكبيرة على صفحات جريدة «النهار». لكن القتلة لم يستعملوا الرصاص في تصفيته جسدياً، كما توقع هو، وإنما المتفجرات التي لا تكتفي بالقتل، بل بالتشويه البربري أيضاً. ففي صباح الخميس في 2 حزيران (يونيو) 2005، ضغط هؤلاء على زرّ لاسلكي صغير، لتنفجر سيارة قصير التي كان داخلها يتهيأ ليتوجه الى مكتبه في «النهار» ليكتب مقالته الأسبوعية على صدر الصفحة الأولى كل يوم جمعة.

جاء قصير الى الصحافة من خلفية أكاديمية فرنكوفونية. وفتحت له صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» الشهرية الفرنسية الرصينة صفحاتها وهو لم يزل طالباً يدرس الفلسفة السياسية والتاريخ المعاصر في جامعة السوربون. وكذلك فعلت صحف ومجلات عربية عدة.

ولما عاد الى لبنان في مطلع التسعينات فتح له غسان تويني صفحات «النهار» ليكتب فيها ما يشاء، من الثقافة الى السياسة... الى الفكر، حتى انتظم كاتباً ذا رؤية سياسية محرّضة على التسليم بـ «الأمر الواقع». فلوحق وضيق عليه أمنياً، مراراً وتكراراً. لكنه لم ييأس. ظل يبشر بحتمية هزيمة كل قوى الشر عاجلاً أم آجلاً، وأن الأنظمة الأمنية ستسقط لا محالة، لأنها ضد السياق الطبيعي لبناء دولة العدل والديموقراطية.

ولم يكتفِ قصير بالمقالات الصحافية، فاتجه صوب التأليف والنشر، واضعاً أكثر من كتاب في السياسة والثقافة والفكر والتاريخ. ولما قررت صحيفة «لوريان – لوجور» البيروتية إصدار مجلة شهرية ثقافية باسم «اوريان اكسبرس»، لم تجد غير قصير ليترأس تحريرها. فأطلقها رائدة في طروحاتها وسجالاتها المختلفة، مثله تماماً. لكنها لم تعمّر طويلاً... مثله كذلك.

ومن تجربة الى أخرى، أكاديمياً وصحافياً، ظل قصير يبشر طلابه وقراءه بربيع مزهر حرية... واستقلالاً. فكان هو أول من سقى براعم ذلك الربيع بدمه.

.

جبران تويني

.

جبران تويني
جبران تويني

حين سألتُ جبران تويني في مقابلة صحافية، قبل نحو عامين من اغتياله: كيف تعتقد ان الموت سيأتيك... ومتى؟ ضحك قائلاً: «لا أعرف». ثم صمت لحظات، قبل أن يجيب: «لا مشكلة لدي في ذلك، أياً كانت الطريقة التي سأموت فيها، على رغم انني أفكر كيف سيكون تصرّفي في كل طريقة. فعندما أصبت (خلال الحرب) بالرصاص، لم أكن أفكّر بالموت. ذلك ان القتيل لا يسمع أزيز الرصاصة القاتلة عندما تصيبه، لأنه يكون قد مات. وعندما يحين أجلي، فليأتِ كيفما كان، لأنها تكون عندئذٍ مشيئة الله الذي يعود له وحده الخيار في ذلك».

وعندما سألته عما إذا كان يخاف القتل نتيجة جرأته الزائدة، أجابني ببداهة: «وماذا يمكنهم أن يفعلوا؟ أن يقتلوني؟ فليكن، أهلاً وسهلاً. وإن فعلوا ذلك، يكون ضميري مرتاحاً على الأقل».

هكذا كان تويني. قَدَريّ بقدر ما هو مغامر. مؤمن بقدر ما هو جريء... الى حد التهوّر، ما جعله «طريدة» سهلة لقاتليه الذين كمنوا له صباح 12 كانون الأول (ديسمبر) 2005، بسيارة مفخخة انفجرت عندما مرّت سيارته بمحاذاتها، فحوّلته أشلاء في برهة. ولم يكن مضى على مجيئه سراً من منفاه القسري القصير في باريس، سوى ساعات.

عاش تويني حياة خاطفة. كل شيء كان مبكراً في عمره القصير: 48 عاماً فقط، لكنها حافلة بالإنجازات.

بدأ حياته المهنية فتى متدرجاً على صفحات «النهار»، لينتقل بعدها الى مجلة «النهار العربي والدولي» الأسبوعية في باريس عام 1978، وليصبح لاحقاً رئيس تحريرها وهو لم يزل في مطلع العشرينات من عمره. وعرفت المجلة على يده رواجاً محلياً لافتاً. وفي العام 1993، توجه تويني الشاب صوب الشباب اليافعين «فاتحاً» لهم ملحق «نهار الشباب» الأسبوعي، ليصبح طوال ثماني سنوات منبراً فريداً لكل أطياف الشباب اللبناني.

وعندما قرر الوالد غسان تويني التنازل لابنه الوحيد عن إدارة الصحيفة عام 2000، بدأت «النهار» مع جبران الحفيد حقبة ثالثة من عمرها، من جبران الى غسان الى جبران. فعمل على تطويرها تحريراً وإخراجاً وإنتاجاً، فضلاً عن ضخ دماء شابة في أقسامها المختلفة، فجددت الصحيفة العتيقة شبابها، وهي على أبواب السبعين.

وكان تويني الشاب يطل على قرائه صباح كل خميس، عبر افتتاحية نارية مباشرة وقاسية أحياناً كثيرة. الأمر الذي جعل اسمه على رأس «لائحة الشخصيات المهددة بالاغتيال»، عقب أول زلزال سياسي - أمني يضرب البلاد باغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005. ولعل إحدى أشد المعارك الصحافية – السياسية ضراوة وأكثرها حضوراً في الذاكرة، تلك التي خاضها جبران تويني ضد التمديد لرئيس الجمهورية إميل لحود صيف عام 2004.

ولم تمنعه المعارك الصحافية من خوض أخرى، سياسية. فشارك بفاعلية في تنظيم انتفاضة الاستقلال. وأطلق في 14 آذار (مارس) 2005 قسمه الوطني الشهير. وفي 29 أيار من العام نفسه، انتخب نائباً عن الدائرة الأولى في بيروت، ليجمع تويني المجد من طرفيه، صحافياً وسياسياً... قبل أن يغدر به القتلة في ذلك اليوم الأسود، متوهمين ان شوكة الصحافة كُسرت بمقتله. وفي هذا السياق يتذكر «النهاريون» القدامى جيداً عندما تبنت صحيفتهم حملة عنيفة ضد رئاسة الجمهورية، في عهد الرئيس شارل حلو (1964 – 1970). حينها، سأل أحد المستشارين حلو: «لماذا لا تقيم دعوى قضائية على النهار»؟ فجاء جواب الرئيس قاطعاً: «لأن دولة النهار أقوى من دولتي. لا أستطيع الانتصار عليها»!

Login to your eMail Account
Email:  
Password: