Top stories

 

 

Click for the latest Montreal weather forecast.
Click for the latest Montreal weather forecast.

 

 

في عيد الأم... هدايا معلبة من سوريا
يعودون بعد 15 عاماً
!فلذات في الصناديق

 

المسيرة - العدد 1064

الكاتب جومانا نصر

في عيد الأم هذا الربيع، هناك أمهات سيلبسن الأسود. دموعهن لن تكون دموع فرح. الهدية لهن ستكون فلذات الكبد جثثاً في الصناديق الخشب. قصيدة "أمّي" ستتلى نحيباً. والعيد مجلس عزاء تأخر... خمسة عشر عاماً!

كانوا 29 جندياً على لائحة المفقودين في معركة 13 تشرين الأول 1990 فصاروا 22 بعد ظهور نتائج فحوص الحمض النووي لرفات العسكريين التي انتشلت من مقر وزارة الدفاع. ثلاثة أشهر قضاها الأهالي وكأنها دهر، لتأتي الهدية في عيد الأم مزنرة بشريط أسود وأبيض.
منازل العسكريين الشهداء تحوّلت مجالس عزاء. دموع ونحيب وإصرار على إعادة إجراء الفحوص من جديد لتكذيب الخبر اليقين! وهل تلام الأم التي طوت صفحات الأعوام الخمسة عشر وهي تحلم بعودة الابن وضمه؟ بأي ثياب حداد ستلف جسدها النحيل بعدما اتشحت روحها بالسواد طوال هذه الأعوام و "برت" أصابعها حبات المسبحة؟ وكيف يقتنع ذلك الأب الذي لا تزال كلمات أحد الضباط "ترِّن" في أذنيه حين أكد له أنه شاهد ابنه ورفيق دورته يُساق كالنعجة أمام عناصر من الجيش السوري بعد معركة 13 تشرين الأول؟ وأي تاريخ سيحفر على الرخام الأبيض الذي يحضن رفات ابنه؟ وأين سيخبىء بزة "العريس" التي اشتراها له قبل أن يغادر الى أرض المعركة واعداً بالعودة بعد أيام؟
صباح السبت يعبر موكب الموت المقزز الطريق الممتدة من المستشفى العسكري وصولاً الى مسقط رأس كل منهم حيث تقام مراسم الجنازة ورفع البخور قبل أن يدفنوا.
مديرية الجيش اللبناني أقامت مراسم خاصة لتكريم العسكريين الشهداء قبل تسليم رفاتهم الى أهاليهم وقلّدت كلاً منهم وسامي الحرب والجرحى. وهذا ما يميّزهم عن اعتبارهم مفقودين إذ تحصل عائلاتهم على كامل التعويضات والمخصصات من ناحية الراتب والرتبة والمعاملة اعتباراً من تاريخ استشهادهم الذي حددته قيادة الجيش بـ 13 تشرين الأول 1990، في حين تصر غالبية عائلات الشهداء السبعة على اعتباره "مجرد رقم لتحديد تاريخ رسمي لإنجاز المعاملات التي تتعلق بوثيقة الوفاة والتعويضات. أما تاريخ الاستشهاد الحقيقي فقد دفن سره مع رفات أولادنا الذين لم يقتلوا في ساحة المعركة إنما غدراً أو تحت التعذيب أو عن طريق الإعدام رمياً بالرصاص".
إعلان وفاة كل من جان جوزف الخوري (عسكري 1965) وجورج مطانيوس بشور (عريف 1969) وروبير بو سرحال (ملازم أول 1962) وجاك حنا نخول (عسكري 1962) والياس يوسف عون (عريف 1969) وميلاد يوسف العلم (جندي 1970) وإيلي بركات، شكل صدمة بالغة لدى الأهالي خصوصاً أن الغالبية كانت تملك براهين وإثباتات من معتقلين سابقين في السجون السورية تؤكد وجود أولادها أحياء في أقبية تعذيبها. وعلى رغم تقدم هذه العائلات لإجراء فحوص ومقارنتها مع نتائج فحوص الحمض النووي التي أجريت على الرفات، إلا أنها كانت لا تزال تعيش على أمل عودة أولادها! فإذا بالأبواب تشرَّع أمام وفود المعزين والأكاليل المسطرة بأسماء الأحباء.
عائلة الجندي الياس عون لم تصدق بعد أن صورة ابنها ستؤطر بالورد الأبيض بعدما كانت تمسح عنها والدته جورجيت الغبار يومياُ وتسأله عن موعد عودته الى المنزل خصوصاً بعدما وصلت إليها أخبار عن نجاة الياس ووجوده في السجون السورية مما دفع بها الى المشاركة مع إحدى بناتها في اعتصام أهالي المفقودين أمام مبنى الإسكوا منذ نيسان 2005. وفور تبلغها الخبر حملت جورجيت صورة ابنها وبدأت ترثيه وتبكيه معتبرة أن الإعلان عن موته شكل صدمة كبيرة لدى العائلة الغارقة في الأمل وتتويجاً لمأتم دام 15 عاماً. والده يوسف الذي حاول عبثاً حبس الدموع أعرب عن فخره باستشهاد ابنه الياس دفاعاً عن الوطن وهو الذي كان بدوره في السلك ذاته، لكنه لا يزال يفتش عن الحقيقة بعدما توالت الأخبار من معتقلين خرجوا من سجون سوريا أحدهم من بلدة برقايل ـ عكار أكد لدى رؤيته صورة الياس في اعتصام الأمهات أمام مبنى الإسكوا أنه يعرف صاحبها، وأخبر أهله أنه موجود في السجن وأنهما خضعاً معاً للتحقيق العسكري في فرع فلسطين ثم نقلا مع عدد كبير من المعتقلين اللبنانيين الى المزة ومنه الى تدمر. وأفاد المعتقل السابق أن الياس كان في المهجع الرقم 8 من أصل 27 مهجعاً يتوزع في داخلها نحو 200 معتقل لبناني، ثم افترق عنه ونقل الى سجن صيدنايا قبل الإفراج عنه في دفعة العام 2000.
وتمنى الأب المفجوع الاستماع الى شهادة هذا المعتقل وآخرين من آل شمعون وآل جعفر قبل تأكيد وفاة ابنه مع التأكيد على ثقته الكاملة بنتائج تقرير اللجنة وكل ما يصدر عن المؤسسة العسكرية.
الكل تريث في تقبل التعازي فور تبلغه إعلان الوفاة من قبل فريق مكلف من اللجنة التي يرأسها العميد نبيل قرعه علّه يكون ملتبساً فيأتي من يكذب الخبر اليقين لكنهم عادوا وسلّموا بالحقيقة: "نحن نؤمن بمشيئة الله ونثق بالمؤسسة العسكرية لكننا لن نتوقف يوماً عن الأمل في عودة روبير الى عائلته حتى بعد الانتهاء من مراسم الدفن". بهذه الكلمات يختصر أحد أفراد عائلة الشهيد الملازم أول روبير بو سرحال رد فعل الأهل فور تلقيهم خبر إعلان وفاة ولدهم.
ويروي رئيس منظمة سوليد غازي عاد أن نبأ إعلان وفاة الضابط بو سرحال شكل صدمة لدى الأهل والمؤسسة العسكرية من دون أن يخفي آثار المفاجأة على مستواه الشخصي خصوصاً بعد الشهادة التي كان أدلى بها أحد الضباط في الجيش اللبناني ويؤكد فيها أنه شاهد الملازم أول روبير بو سرحال والعريف جورج بشور في منطقة المونتيفردي بعد معركة 13 تشرين الأول وكانا قد وقعا أسرى في أيدي الجيش السوري. ويضيف عاد نقلاً عن رواية الضابط أن الأخير تكلم مع الجنود السوريين الذين كانوا يقتادون بو سرحال وبشور وأكد أنهما كانا مكبلين وطلب منهم الإفراج عنهما فوعدوه بتسليمهما الى مديرية الجيش اللبناني بعد أيام. وتؤكد هذه الواقعة أن بو سرحال وبشور لم يقتلا في أرض المعركة. ويبقى اللغز كيف قتلا وفي أي تاريخ وأين؟ ولماذا دفنت جثتاهما في وزارة الدفاع؟
بدوره أكد هاني الخوري شقيق العسكري جان أن الصدمة كانت كبيرة على العائلة لكنها سلّمت بمشيئة الله على رغم الأخبار التي تلقتها من معتقلين سابقين وتؤكد على وجود جان في السجون السورية وكان آخرها ما ورد على لسان أحد المعتقلين السابقين في العام 1992. فهل تسلّم والدة العسكري جان بمشيئة الله وتتحول الصلوات التي رفعتها طوال 15 عاماً لعودة ابنها الى تعويذة عن روح الشهيد؟
الكل يسلّم بالفوضى والالتباس في المرحلة التي تلت معركة 13 تشرين الأول 1990، لكن المعلومات التي نقلها بعض الشهود تؤكد على خروج عدد كبير من الضباط والعسكريين الذين شاركوا في المعركة أحياء أعادت الأمل الى الأهالي وترسخت لدى المؤسسة العسكرية القناعات ذاتها. ويفسر هذا الواقع مضمون البرقية الصادرة عن قيادة الجيش اللبناني بتاريخ 27 ـ 12 ـ 1990 الرقم 9399/4د وتتضمن بلاغاً بأخذ العلم بوفاة ستة عسكريين بتاريخ 13 ـ 10 ـ 1990 ومن الأسماء الواردة في البرقية: الرقيب في الشرطة العسكرية خالد حمود ورفيقه جرجس موسى والعريف في كتيبة المقر العام للجيش فؤاد السبعلي وعريف من آل سلامه ومعاون من آل نصر من كتيبة مقر عام الجيش.
وورد في البرقية أيضا: يشطب من البرقية رقم 8341/4د/ج الصادرة بتاريخ 16 ـ 11 ـ 1990 أسماء العسكريين المدونة أدناه بعدما تبين أنهم غير متوفين وهم : جوني ناصيف عريف في الكتيبة 102 ومروان الزغبي رقيب أول في الكتيبة 101 ويوسف الحاصباني رقيب أول في لواء الحرس الجمهوري وجوزف عازار وإيلي حداد والياس عون من كتيبة لواء الحرس الجمهوري. واللافت أن اسم العسكري الياس عون ورد في اللائحة الثانية على رغم إعلان اللجنة العسكرية نبأ وفاته بناء على نتائج فحوص الحمض النووي مما يؤكد أن الوفاة حصلت أيضا بعد معركة 13 تشرين الأول 1990.
أجواء الشك دفعت غازي عاد الى عقد لقاء مع الأهل في خيمة الاعتصام قبل يومين من موعد تسلم رفاتهم من المستشفى العسكري وأكد عاد أن النتائج التي توصلت إليها اللجنة العسكرية لا تقبل الالتباس والشك خصوصاً أنها تكررت أكثر من مرة. لكن الأجواء التي وضع فيها الأهالي على مدى 15 عاماً حيث كانوا عرضة للابتزاز والشهادات التي لا تتضمن وقائع وإثباتات إضافة الى الحال النفسية التي يعيشها أهالي المفقودين وتمسكهم بأي أمل... كل ذلك انعكس سلباً على ردات فعلهم واعتبر أن من حق كل عائلة إعادة فحوص الحمض النووي لكن النتيجة واحدة وإلا لماذا حددت هذه الأسماء من أصل 29 مفقوداً في معركة 13 تشرين الأول 1990؟
من أصل رفات 20 عسكرياً توصلت اللجنة التي كلفها قائد الجيش متابعة قضية الرفات الى معرفة هوية عشرة عسكريين سبعة منهم سقطوا في معارك 13 تشرين الأول 1990 وثلاثة في الشحار الغربي العام 1984. وتجرى حالياً فحوص مطابقة معمقة لثلاث رفات وثلاث عائلات للتأكد من هويتها أو نفيها. وتضيف المعلومات أن واحداً منها في حال جيدة ويشبه المومياء أما الأخريين فتشير ملامحهما العامة الى أنها لا تعود لعسكريين لبنانيين خصوصاً أن نتائج الفحوص لا تتطابق مع أي من العائلات التي تقدمت حتى الآن وخضعت لهذه الفحوص.
قد يكفي تلك الأم التي وقفت عند الباب تنتظر ابنها قطعة من بقايا ملابسه العسكرية التي كانت تغطي رفاته وقد يتعزى ذاك الأب بفتات الأوراق النقدية من العملة اللبنانية أو الدولار التي وجدت في جيب إحدى البزات العسكرية فيتذكر اللحظات الأخيرة التي أمضاها مع ابنه العسكري قبل أن يودعه ويعطيه مبلغاً صغيراً من المال لتدبر أموره في أيام الخدمة، والعزاء الأكبر لتلك العائلة التي حمل إليها فريق من اللجنة المكلفة السُبحة التي وجدت فوق رفات ابنها وفي طرفها صليب من الخشب لتكون الذخيرة التي ستعلق فوق الصورة التي علّقت في صدر الدار بعدما كانت تتنقل في زواياه.
عشر عائلات صدمتهم نتائج فحوص الحمض النووي لكنهم على الأقل لمسوا الحقيقة الموجعة، فهل ينطبق المصير نفسه على باقي العسكريين المفقودين في معركة 13 تشرين الأول 1990؟ وهل تصدق جانيت زوجة بطرس خوند وعائلتا الراهبين الأنطونيين سليمان أبي خليل وألبير شرفان الأخبار التي يتناقلها عائدون من السجون السورية وتؤكد على وجودهم أحياء؟
وماذا عن مصير 269 مفقوداً وربما أكثر؟

لماذا يرفض أهالي الشهداء نتائج الفحوص؟
لم يصدق أي من أهالي العسكريين الذين تبلغوا نبأ وفاة أولادهم الخبر. الكل رفض قراءة الواقع كرد فعل أولي وأصرت الغالبية على إعادة الفحوص لتكذيب الخبر اليقين الذي استند الى نتائج علمية دقيقة ومعمقة وتكررت أكثر من مرة لتفادي حصول أي التباس في النتائج.
كيف يقرأ علم النفس رد فعل أهالي العسكريين الشهداء؟ الرئيس السابق للجمعية اللبنانية للطب النفسي الدكتور دوري هاشم شرح أن الطبيعة البشرية ترفض تقبل أي واقع مأساوي سواء كان يُعنى بالمرض أو الموت ويمر الإنسان بأربع مراحل فور تلقيه نبأً مفجعاً هي:
أولاً: الرفض ويتمثل بعدة ظواهر وأعراض بهدف نفي الخبر والهروب من الواقع، ثانياً: مرحلة التفاوض التي يقوم بها الإنسان مع الله أو ذاته بهدف الاقتناع بالعكس، ثالثاً: مرحلة الغضب المصحوبة بنوبات من التوتر والعصبية ويكون فيها الإنسان في حال من النقمة والثورة على كل شيء، رابعاً: مرحلة الإحباط والاكتئاب إذ يعتبر نفسه أنه المقصود مباشرة في هذه المصيبة حتى يتقبلها في النهاية.
ويلفت الدكتور هاشم الى أن المرحلة الزمنية التي يستغرقها الإنسان للوصول الى مرحلة تقبل الواقع تتفاوت بين شخص وآخر ويتوقف ذلك على ميزات عدة منها نضوج الفرد وتكوين شخصيته ومبادئه ومحيطه. وقد يقتصر رد الفعل على مرحلتين أو ثلاث بحسب طواعية الشخص وتجاربه في الحياة، في حين يغرق البعض في مرحلة معينة ويتوقف عندها وتستمر هذه الحالة لسنوات طويلة خصوصاً مرحلة الاكتئاب والإحباط في حالات مواجهة الموت. وينعكس هذا الواقع تحديداً على الأولاد في سن معينة وتتفاوت درجة التأثر بحسب علاقتهم بالأهل أو محيط العائلة التي تعيش واقع مأساة الموت أو المرض.
ويشير هاشم الى أن وسيلة الخلاص الوحيدة للخروج من هذه المراحل لا تتوقف عند أبواب عيادة الطب النفسي لان الغالبية ترفض هذا النوع من العلاج على رغم جدواه في حالات مماثلة. ويكمن الحل البديل في وجود أشخاص يتمتعون بمستوى كافٍ من الوعي لمواكبة هكذا حالات أو في حال حصول حدث مفرح يعيد الحياة الى أجواء البيت ونفوس أفراده بعدما غرقوا في تيار المأساة.

Login to your eMail Account
Email:  
Password: