Top stories

 

 

Click for the latest Montreal weather forecast.
Click for the latest Montreal weather forecast.

 

 

 

ماذا ترك الانسحاب العسكري السوري وراءه في لبنان؟ [ 1 ]

النهار 2006/04/26

ماذا ترك الانسحاب العسكري السوري وراءه في لبنان؟ [ 1 ]

 

في 26 نيسان الحالي تكون سنة قد مضت على انسحاب آخر جندي سوري من لبنان، بعدما كانت طلائع الوحدات العسكرية السورية النظامية قد اجتازت الحدود اللبنانية من البقاع في خريف 1976.

لكن الوجود والنفوذ الامنيين السوري في لبنان، كانا قد سبقا الوحدات العسكرية النظامية بسنوات كثيرة.

فمنظمة "الصاعقة" العسكرية والامنية، وهي التابعة للنظام السوري، وحصته في منظمة التحرير الفلسطينية، كانت حاضرة في لبنان منذ 1968.

واذا كانت الحروب الاهلية اللبنانية، حروبا اقليمية عربية في لبنان، فان الحضور السوري فيها، يكاد ان يكون اساسيا وداخليا وطاغيا منذ بداياتها الاولى.

فـ"قوات الردع العربية" التي دخلت لبنان في نهايات حرب السنتين (1975 – 1976)، سرعان ما تحولت قوات سورية صرفة، بعد وقت قصير على مرابطتها في لبنان.

والجيش السوري النظامي شارك مشاركة كبرى في جولات الحروب الاهلية الملبننة، حتى الغزوة الاسرائيلية الكبرى للبنان صيف 1982، وبعدها.

وحتى سقوط قصر بعبدا الرئاسي، ووزارة الدفاع اللبنانية في اليرزة، في قبضة الجيش السوري خريف 1990، كان هذا الجيش ومخابراته حاضرين في معظم محطات الحرب ومنعطفاتها.

وطوال العهود الرئاسية والحكومية اللبنانية التي اعقبت اتفاق الطائف، كان الجيش السوري الذي نص هذا الاتفاق على انسحابه المتدرج من لبنان، القوة الميدانية التحتية للسيطرة السياسية والامنية السورية على البلاد... حتى اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005.

منذ اواسط شباط ذاك، بدأت ركائز الوجود السوري تهتز اهتزازات قوية وعاصفة، حتى حصل جلاء آخر جندي نظامي عن لبنان في 26 نيسان 2005. هذا بعدما كان شعار خروج الجيش السوري مركزيا ونضاليا في صفوف المعارضة اللبنانية، والمسيحية منها خصوصا، طوال عقدين من الزمن، على الاقل.

اليوم، في مناسبة مرور سنة على الجلاء السوري عن لبنان يحتفل اللبنانيون الاحرار بتحقق تلك الامنية التي كانت تلوح كمعجزة في رؤى كثيرين، قبل الخروج اللبناني المدني والسلمي الى ساحة الحرية في 14 آذار 2005.

مشاركة منها في هذه المناسبة اللبنانية الوطنية، اعدت "النهار" ملفا في عنوان: ماذا ترك الانسحاب العسكري السوري وراءه في لبنان؟ يضم الملف آراء حول العلاقات اللبنانية – السورية الراهنة والمستقبلية، وتتبعا للحوادث والمنعطفات الاساسية التي عاشها لبنان منذ خروج  الجيش السوري الى ما بعد الحدود الدولية، اضافة الى شهادات تتناول فصولا من التعذيب الذي تعرض له لبنانيون في المعتقلات السورية، وأخرى تصور احوال مدينة زحلة البقاعية في زمن السيطرة العسكرية، إضافة إلى تحقيق ميداني عن أحوال عنجر بعد الخروج العسكري السوري.

 

المدينة الخائفة من قدرها الجغرافي خلف الجبل

زحلة على خط الخطر الدائم في زمن القبضة السورية

ميشال أبو نجم

 

انسحاب الجيش السوري.

البوريفاج. (الارشيف)

2 نيسان 2006: عشرات يتوجهون من بسكنتا في اتجاه زحلة سالكين الطريق نفسها التي سلكها رفاقهم في العام 1981 نحو زحلة لفك الحصار السوري عنها. إنها استعادة رمزية لتكريم شهداء زحلة التي استعادت حريتها مع لبنان بخروج الجيش السوري منه في 26 نيسان 2005.

ولزحلة تاريخ طويل مع شعورها بالخوف والمرارة: مرة لانها متروكة على طرف جبل لبنان، وأخرى لأنها معرضة للخطر والتهديد مع لبنان كله.

يختبئ سر هوية زحلة وتطلعاتها في موقعها الجغرافي كجسر معلَّق بين جبل لبنان و البقاع اللذين يتجاذبان بقوة سكان المدينة و يجعلهم محوراً دائماً على خط التماس اللبناني-العروبي، من أيام السلطنة العثمانية إلى جمهورية الخوف السورية في لبنان.

ففي محلة الصخرة في المعلَّقة على حدود عروس البقاع رُسمت حدود متصرفية جبل لبنان التي ضمت زحلة إلى نطاقها. وإذا جلنا على التلال المشرفة على المدينة الواقعة في وادٍ سحيق، أدركنا ماهية شعور الزحليين بالتهديد الدائم والحصار والإنشداد إلى الجبل المسيحي كمنقذ من الضياع، لكن مشوباً بالإحساس بإمكان تخلي الجبل عنهم.

يعزّز ذلك تاريخٌ حافل بالحوادث الدامية في 1840 و 1860، حين انتظر الزحليون من دون جدوى يوسف بك كرم ليعاضدهم ويخلصهم من الدمار والتهجير والحرق.

تعاضد التاريخ والجغرافيا لإشعار زحلة بالخطر والعزلة في شبه جمهورية صغيرة (المتصرفية) ذات حكم ذاتي، فكان قدرها طلب حماية دائمة من مصائر القدر ومفاجآته.

بين الجبل-الحصن، والبقاع الحامل رياح التهديد العثماني وعروبة الملك فيصل وسوريا الوحدة الناصرية في 1958، ونظام البعث، ارتسم خط المصير الزحلي.

ففي السهل تتموضع مصالح الزحليين الإقتصادية من زراعة وصناعة وتجارة وعلاقة بالجوار العربي، وإلى الجبل يتطلعون تأكيداً لهويتهم السياسية وانتمائهم اللبناني الصريح.

رسمت أحوال الحرب مع الوجود السوري في مطلع ثمانينات القرن المنصرم صورةً واضحة لأهمية زحلة الاستراتيجية و أحلام اعادة البقاع "المنسلخ" عن "الشام" إلى حضن الأم الرؤوم.

فبعد حوادث حرب السنتين عامي (1975 – 1976) التي حاصر الفلسطينيون في اثنائها زحلة مع قوات الحركة الوطنية، وتحولت المدينة مركزاً لوحدات الجيش اللبناني المدافعة عن "الشرعية" بقيادة الرائد طارق نجيم والملازم أول يوسف الطحان (بالتوازي مع وجود أطر سياسية وعسكرية أخرى كالتجمع الزحلي والكتائب والأحرار)، بعد هذا كله ارتكبت زحلة خطيئة الخروج عن خريطة سيطرة الجيش السوري وانضمامها إلى "المنطقة الحرة".

وما كان من بشير الجميّل الاّ أن شق طريقاً يربط زحلة بالجبل. وهذا ما استدعى العقاب الشديد بالقصف والتدمير والحصار بل وخرق التفاهم الكسينجري بعدم تدخل الطيران السوري في الأجواء اللبنانية "لنزع شوكة زحلة من الخاصرة السورية"، وللقول للزحليين إن أحلامكم بلبنان والسيادة ستتحطم تحت أقدام وحداتنا الخاصة الباسلة! فاعتبر عبد الحليم خدام أنَّ البقاع بأسره ومن ضمنه زحلة خطاً أحمر سورياً، في حين سخر حافظ الأسد من الحملات الديبلوماسية والإعلامية التي نظمت في سبيل رفع الحصار السوري معتبراً أنه في الوقت الذي يُستهلك في كتابة بيانات الإحتجاجات وإرسالها، سيكون جيشه قصف زحلة بأكثر من ألف قذيفة! (كريم بقرادوني، السلام المفقود).

هذه المرة وفى المنقذون بوعدهم متعهدين عدم تحويل زحلة دامور ثانية، وأتوا عبر الجبل سيراً على الأقدام ليكتبوا مع أهالي زحلة في تلالها وزواريبها وأحيائها مصيراً آخر للمدينة التي قالت لا، فجاءها الرد السوري سريعاً بالقذائف والصواريخ والقنص على مدى أشهر.

سيطرة قوات الصمت

رسخت أحداث هذه الحوادث وصورها في أذهان الزحليين وباتت فصلاً حميماً من تاريخهم: سقوط الغرفة الفرنسية في صنين، تدمير بناية العبسي وانتشال عشرات القتلى من أنقاضها، الدبابات السورية المحروقة بعد عجزها عن اجتياز جسر زحلة، فتى الأربعة عشر ربيعاً الذي ألقى قنابل يدوية في برج الدبابة، الملاجئ وانقطاع الكهرباء والماء وفقدان الطحين والمواد الغذائية في المدينة.

على الرغم من المعاناة والثمن القاسي الذي دُفع، استطاع الزحليون أن يفرحوا لبعض الوقت، بعد التوصل إلى تسوية غادر فيها المقاتلون الذين لا ينتمون إلى زحلة، مقابل دخول قوى الأمن الداخلي المدينة، وعدم امتداد السيطرة السورية إلى داخل المدينة.

عاش أهالي زحلة بين عامي 1981 و1984 فترةً انتقالية بين استعادة أنفاسهم وعودة "السلام السوري" وفضاءه الضاغط على حياتهم. فلم يكن السيناريو السوري مختلفاً عما جرى في باقي المدن اللبنانية التي شقَّت لبعض الوقت عصا الطاعة: تهديد وتخريب ثم الدخول تحت ستار "الإنقاذ" المزعوم. قصف السوريون زحلة عام 1984 لمدة ثلاثة أيام متتالية، ملقين المسؤولية على حركة "أمل"، مع العلم أنّ جهاز التنصت في "القوات اللبنانية" رصد تحضيرات مرابض المدفعية السورية وأخطر قيادة "القوات" في زحلة بما يدبر لها. وسبق ذلك انفجار سيارات مفخخة في أسواق المدينة أدت إلى عشرات القتلى والجرحى. لم يخطئ الحدس الشعبي في زحلة مراد السوريين وآمالهم، وراح الأهالي يتوقعون الأسوأ، وكان الدخول السوري الميمون إثر الإتفاق الأمني بين فعاليات زحلة الدينية والسياسية والقوات السورية فاتحة عصر "السلام السوري" في زحلة والذي بدأ يسري في لبنان.

في مقابل وجوم الزحليين، أثلج نجاح الخطة السورية قلوب الضباط السوريين والمفوض السامي غازي كنعان، الذي يستشهد الأهالي و"القواتيون" و"العونيون" بخبر تجوله منفرداً في شوارع زحلة ليشيروا إلى حقيقة الصمت المخيّم على زحلة منذ استكمال السيطرة عليها. ففي حديثٍ يتيم إلى مجلة "المسيرة" في 21 أيلول 1985، أجري في أثناء مرافقة وفد من المجلة ايلي حبيقة لدى زيارته زحلة، ونشر في عدد 25/10/1986، أفصح غازي كنعان عن مكنوناته:

"زحلة خلص! لقد انسجمت انسجاماً مطلقاً مع جو البقاع"، وهذا الجو بحسب تلميذ البعث والمسؤول عن نقطة زحلة في الـ1981، هو "جو ارتياح تام"، كما أنَّ دخول قواته تمَّ بناءً "على رغبة المواطن الزحلي".

 

القصاص المزدوج

الجحيم الذي عرفه الزحليون قصفاً في 1981 بات ملتصقاً بحياتهم، ويحصي أنفاسهم في جو الرعب والخوف من عسف المخابرات الذي يداهم بيوتهم ويعتقل شبابهم في عنجر ويهينهم ويعذبهم، ولا يملكون إزاء عجز "الجبل" و"بيروت" عن إنقاذهم إلا كتمان مشاعرهم وهويتهم دافعين الثمن مرتين: ثمن مقاومتهم للجيش اللسوري الذي ظل ينظر إليهم بريبة وشك، وثمن ذنب لم يرتكبوه إذ تشددت الحواجز والمعابر في اتجاه بيروت في إجراءاتها الأمنية وعوملوا تالياً كموالين للسوريين، لا سيما بعد موجة السيارات المفخخة المرسلة من البقاع لتزرع القتل في بيروت.

منع السوريون المظاهر المسلحة كافةً وأُقفلت ثكنات القوات اللبنانية في ظل حصار الحواجز والمراكز السورية التي وصلت إلى البردوني، وصودرت مخابئ الأسلحة بعد لجوء العناصر المؤيدة لإيلي حبيقة إلى زحلة واتخاذها مركزاً لهم.

وبالتوازي مع الهيمنة العسكرية والمخابراتية، أطلق السوريون طبقةً سياسية موالية لهم ورموزاً من المنتفعين والطامحين للتصدر السياسي الذين اتخذوا من شعار حماية المسيحيين وزحلة غطاءً لممارسات الإحتلال السوري.

ولم تسلم زحلة من التوتر الأمني بين كرٍ وفر. ففي العام 1986، وفي فتراتٍ متقاربة، اغتيل ثلاثة كوادر كتائبية، طانيوس خزاقة والمحامي موسى تامر وستيف المر. وبحسب مسؤول قواتي قديم تقلب منذ أواخر السبعينات في مراكز قيادية، فإن هذه الإغتيالات جميعها سياسية، على الرغم من إضفاء الطابع الشخصي عليها. مع العلم أنَّ جدلاً كبيراً دار حول قضية ستيف المر وما إذا كانت جنائية أم سياسية.

وفي العام الذي تلا فُجرت مطرانية سيدة النجاة وجُرح إيلي حبيقة وإيلي الفرزلي والمطران أندره حداد.

 

نضال في الظلام

في اجتماعاتٍ سرية ليلية لمجموعاتٍ صغيرة جداً لا تتجاوز أصابع اليد، باشر "القواتيون" و"العونيون" مقاومةً في سياقٍ تبشيري، هدفه الحفاظ على الحد الأدنى من مفاهيم الحرية والسيادة والاستقلال ورفض مفاعيل السيطرة السورية السياسية والأمنية. في المقابل، انزلقت المدينة في صمتها ومحاولات التعايش مع الأمر الواقع وتدبير المعيشة اليومية.

وإذا استثنينا بعض توقيفات قواتيين، على خلفيّة وضع عامود لبث المؤسسة اللبنانية للإرسال سنة 1992، فإن هذه السنة كانت مفصلية النسبة للقواتيين والعونيين لانطلاق العمل المعارض وكسر المحرمات في المدينة المعتبرة حديقةً خلفية للسوريين وغازي كنعان.

في الجانب "القواتي"، ضخَّ الجيل الشاب دماً جديداً في عصب "القوات" وانطلق النشاط من البيئة الطالبية في الفرع الرابع لكلية الحقوق تحت تسميات مختلفة، مترافقاً مع توزيع المناشير الليلية في المناسبات الحزبية.

واعتمد العمل "القواتي" على مجموعة برزَ فيها نضال صليبا وميشال بو عبود وأسعد سكاف وطوني مشعلاني وإيلي وردة وريشار جريصاتي في فترةٍ معينة.

"عونياً"، بنى "التيار الوطني الحر" نشاطه على حملة مقاطعة الإنتخابات النيابية عام 1996 لينظّم صفوفه المبعثرة حتى ذلك الحين، وبدأ اجتماعاته في مكتب النائب الحالي سليم عون مع طوني أبو يونس وجاك حمزو ووليد العموري وفرانسوا فرج والمرحوم رينيه القار وسعيد حداد وعدد من الطلاب. وذلك على ضوء الشموع وأحياناً في الظلام لتضليل رجال المخابرات الحاضرين حضوراً كثيفاً.

في المرات القليلة التي أطل فيها الرد الزحلي على قرار إلغاء احتفالات عيد خميس الجسد عام 2000 التاريخي في المدينة، حداداً على الرئيس السوري حافظ الأسد، حدث استدعاءً  لبعض الشبان الزحليين في العام 2000، فطلبت إحدى المرجعيات النافذة أن يتضمنَ الاستدعاء ضرباً  للمعتقلين.

الاستدعاءات والتوقيفات لدى المخابرات السورية واللبنانية التي بدأت في تلك الفترة، كشفت الاستعدادات السورية للانقضاض على أي نشاط يخرج عن إطار الهيمنة. لم يسجل تعذيب شديد بالبلانكو وأخواته كما حصل في زنزانات البوريفاج ووزارة الدفاع. غير أنَّ حياة الناشطين المعارضين انقلبت جحيماً لا يطاق: استدعاءات وتوقيفات روتينية، مداهمات للبيوت في منتصف الليل وفي الفجر، تهديد دائم ومتواصل، مباشر وغير مباشر عبر المتبرعين بتقديم النصائح للابتعاد عن "وجع الرأس"، وخصوصاً إلى الأهل الخائفين على أولادهم وأقاربهم.

بداية عودة الروح

كل ما جرى في أعوام التسعينات حتى انتفاضة الاستقلال، أظهرَ الفرق شاسعاً بين الحرية النسبية التي نعمت بها المعارضة في بيروت مقابل العمل الصامت في زحلة. يستطيع الشهيد جبران تويني أن يحاضر أينما شاء ويهاجم الاحتلال السوري كيفما أراد، لكن أن يفعل ذلك في مدرسة القلبين الأقدسين في زحلة، وفي عز الصدام بين المعارضة والسلطة في تشرين الثاني 2000، فهذا خرقُ أمني كبير لهيمنة أساطين البعث. فعاد الشهيد أدراجه من المديرج على ضهر البيدر ولم يدخل المحمية السورية بعد ضغوطات مكثفة سورية ولبنانية على إدارة المدرسة.

كان جبران يعرف إحساس المدينة ومكنوناتها جيداً، ألم يُستقبل استقبال الأبطال في زيارته زحلة عام 1998، بعد فوز صديقه الياس سكاف في الانتخابات البلدية؟ ألم يحتفل الزحليون بفوز فريق الحكمة في مباريات كرة السلة مع ما حمله ذلك من دلالاتٍ سياسية ونفسية-اجتماعية؟ ألم يحتشد المحبون والمؤيدون لاستقبال بيار أمين الجميل في زحلة العام ألفين؟ لذلك لم يفاجأ الشهيد جبران تويني بقرار المنع لأنه يعلم جيداً أنَّ كلماته ستلهب الجمهور الزحلي وستعيد إلى الأذهان صورة شهيدٍ آخر طُبع في القلوب بعدما أصبحَ رمز المقاومة اللبنانية وأوصلَ قضية زحلة إلى المحافل الدولية.

اعتادت زحلة رويداً رويداً على بزوغ المعارضة، وصولاً إلى الانتخابات البلدية عام 2004 التي توحدت فيها أطياف المعارضة من "الحركة الإصلاحية الكتائبية" إلى "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" و"الوطنيين الأحرار". اعتبار هذه الإنتخابات مفصلاً في علنية تحرك القوى "السيادية"، يأتي بناءً على ما شهدته تلك الانتخابات من مظاهر لم تعتدها المدينة الغارقة في صمتها. حمل المشاركون أعلامهم وصورهم وشعاراتهم وأنشدوا أغانيهم التي لا يسمعونها الا في البيوت وفي داخل السيارات. لم يصدقوا ما كان يحصل في ذلك المهرجان أمام مقر الحملة الانتخابية حيث راحوا وينظرون إلى بعضهم بدهشة، خصوصاً مع حضور رموز سمعوا عنها واجتمعوا معها في بيروت: نديم لطيف، حكمت ديب، سلمان سماحه... الخ.

لكن بعض الحاضرين في ذلك المهرجان كان يسأل نفسه عن الرد السوري الذي سيعقب هذا التحدي في ما يعتبره عقر داره، على الرغم من مظاهر الانفتاح الأمني وحماية قوى الامن الداخلي اللبناني للمهرجان.

وأتى الرد في تموز باستدعاءات مكثفة وتهديدات من المخابرات السورية، وكان على معارضي سوريا أن يتجنبوا العاصفة لبعض الوقت في انتظار انتفاضة الاستقلال واندحار الاحتلال عن أرض الوطن، ليتنفس أهالي زحلة الصعداء ويتكلموا في حرية بعد عقود الصمت الثقيل.

 

شهادات عن الوشاية والتعذيب

 

منسّق "التيار الوطني الحر" في زحلة المهندس طوني أبو يونس الذي ما زال يعاني من "الديسك" بسبب تعذيب المخابرات السورية له بالكرسي الألماني في العام 1985، روى جزءاً يسيراً من مشاهدات مرحلة القهر تلك.

"عوملت زحلة كأنها الشام الثانية. الجو ضاغط من جوانبه كافةً، ولو اقتصر الأمر على التوقيفات لكان الأمر أسهل بكثير. غير أنَّ الضغوط اليومية التي لا تطاق تجسدت في المجتمع أيضاً. الجو كله مسورَن، ومديح سوريا وقادتها ونظامها تحولَ مثل الكيرياليسون اليومية. وأكثر ما يؤسف هو مشاركة بعض الزحليين في تسهيل السيطرة المخابراتية. فالوشاية متفشية واعتقلنا مرة بسبب وصول جريدة "الهيرالد" (التي كان يصدرها بيار رفول في أستراليا) خطأ إلى عنوان أحد المتعاونين مع الأجهزة.

التقريعات اليومية من الأقارب والمعارف تلقي حملاً ثقيلاً على ضميرك، فتمضي الليالي في التفكير بـ"جرائمك"، التي ارتكبت وتلك المتوقع منك ارتكابها.

"يا مجرم! ماذا تفعل بعائلتك، أنتم مجانين في ما تقومون به، تتبعون ميشال عون وتسجنون، فيما تتلقون الضربات... من كل عقلكن بدو يفل السوري"، هذه عيّنة بسيطة من العبارات اليومية الموجهة إلينا.

أقرب المقربين خافوا حتى من إلقاء التحية علينا، وربما تلتقي بأحدهم بعد شهر فيعتذر ويفصح عن خشيته من مراقبة خطك الهاتفي.

كلما اعتقل شاب نتحمل نحن المسؤولية ونتلقى انتقادات الأهالي وتحميلهم لنا المسؤولية. المخابرات يراقبونك يومياً ويرسلون تهديدات مبطنة فيسألونك عن شربل أبو يونس(إبني) وذهابه يومياً إلى المدرسة، كما يتابعون حركة زوجتك، ويثيرون المخاوف من تلفيق تهمٍ أمنية كبيرة وتداعياتها، كاستهداف الجيش اللبناني مثلاً: شو بدكن تغتالوا ضباط الجيش، بدكن تفجروا...؟! ويطلبون منا تنفيذ ما نشاء في بيروت مقابل عدم التحرك في زحلة، القدس المحرم إلا على المنصاعين للإرادة السورية...".

وفي حديث المنتمين إلى القوى السيادية حرقة السنوات الماضية. الناشط "القواتي" نضال صليبا يكشفُ أنَّ الضغوطات المخابراتية تجاوزت والدته إلى أهل خطيبته، فضلاً عن الاتصالات الهاتفية شبه المستمرة المهددة بالمستقبل ولقمة العيش. ويضيف صليبا أنَّ الأجهزة استخدمت سلاح الترغيب فضلاً عن الترهيب في التحقيقات، إذ كانت تعد الموقوفين بالحماية والتسهيلات في مقابل التعاون معهم.


 

ميشال بو عبود يروي ذكريات من النضال المدني الزحلي

 

بدأت نشاطي السياسي على مستوى شخصي في منتصف التسعينات بارسال مقالات الى "نهار الشباب" في مناسبات حزبية ووطنية (14 ايلول، عيد الاستقلال...). كنت أصر على نشر اسم الكلية التي ادرس فيها، الحقوق الفرع الرابع، لتأكيد هويتي الزحلية البقاعية. ومن خلال نشر المقالات تعرفت الى الصحافي طوني ابي نجم والشهيد رمزي عيراني الذي ابدى معرفته بخطورة العمل المعارض في زحلة وطلب مني تطوير النشاط "القواتي" ليصبح اكثر تنظيما. كانت سمعة "القوات اللبنانية" في زحلة سيئة نتيجة الاشاعات التي بثها اعلام ايلي حبيقة على مدى اعوام لتشويه صورة "القوات".

مع الوقت ازداد التواصل بين المناصرين "القواتيين"، وكانت المناسبة الاولى التي ظهرنا فيها خوض الانتخابات الطالبية في كلية الحقوق باسم "شباب زحلة". بعدها شاركنا في احدى حلقات "الشاطر يحكي" التلفزيونية مع الدكتور زياد نجيم، فأدليت بمداخلة عن الكيان اللبناني والمسيحيين واضطهاد حزب "القوات".

خلال تلك الفترة، اقتصر نضالنا على اللقاء كمجموعات من خمسة او ستة اشخاص، وعلى توزيع بيانات ومناشير في المناسبات.

محطتان شكلتا مفصلا في نشاطنا الحزبي: حادثة حزرتا حين اعتصمنا قرب تمثال العذراء ومطرانية زحلة احتجاجا على الاعتداء على مسيرة في نهاية الشهر المريمي، كانت متجهة الى حريصا عبر ضهور الشوير. والمحطة الثانية كانت الانتخابات البلدية. فبعد حادثة حزرتا تنامى عددنا وفي الانتخابات البلدية عززنا التواصل بين المجموعات في الأحياء.

بدأت رحلتي مع الاستدعاءات والاعتقالات بتوقيفي عام 1996 في مفرزة المخابرات السورية في العدلية وحقق معي احد النقباء. وتركز التحقيق على نشاطنا الجامعي واهدافنا وعلاقتنا بقيادة "القوات" في بيروت واسباب كراهيتنا للسوريين.

وأذكر حادثة حصلت معي لدى المخابرات السورية عام 1998، حين اوقفني عقيد على الحائط من الصباح حتى المساء معصوب العينين وأنا اردد جملة واحدة لا انساها طوال حياتي: "القوات اللبنانية اصبحت من الماضي وما تبقى هم عملاء لاسرائيل". وعندما كان ينخفض صوتي مللاً من ترداد الجملة كان العقيد يصرخ بي: "علّي صوتك يا حيوان".

بعد حادثة حزرتا اوقفت مع احد عشر شابا "قواتياً" من زحلة لدى المخابرات اللبنانية على مدى اربعة ايام. تعرض بعضنا، وانا منهم، للتعذيب بالدولاب، وشددوا في التحقيق على اننا مجموعة ارهابية تحاول قلب النظام وتخريب الوضع والتحريض في المجتمع.

اوقفت مجددا لدى المخابرات السورية في شتوره مع مجموعة "قواتية". وحقق معي العقيد توفيق حيدر الذي ابرز لي كل المقالات التي نشرتها في "نهار الشباب" في حين تعرض رفيقي ايلي وردة للتعذيب.

معظم الاستدعاءات والتوقيفات كانت تنفذها المخابرات اللبنانية التي كانت طبعا ترسل تقاريرها الى نظيرتها السورية. ومن طرائف تلك المرحلة المضحكة – المبكية انني تلقيت اتصالات صباح يوم من ضباط في المخابرات اللبنانية دعاني الى "فنجان قهوة" في ابلح، تلاه استدعاء الى مفرزة العدلية من الضابط السوري المدعو "ابو هيكل"، فيما كنت متوجها الى التحقيق "اللبناني". فشرحت الوضع لـ"ابي هيكل" خشية التضارب بين الاستدعاءين، وتاليا دفعي الثمن. عندها سمح لي المدعو "ابو هيكل" بالذهاب قائلا: "بكرا منجيب التقرير من هونيك" مطمئنا الى التعاون والتنسيق الوثيقين بين الجهازين "الشقيقين".

في الاحتجاز في ابلح أجبرت على مسح غرفة مليئة بالوحل السميك، وبعدما انتهيت بساعات عُصبت عيناي ودخل ثلاثة اشخاص وصاروا يتكلمون عن احتمال نقلي الى وزارة الدفاع. ثم نزعوا العصبة عن عيني فرأيت الغرفة عادت اوسخ مما كانت، وبدأوا بالشتائم والاهانات.

اقسى انواع الارهاب النفسي كان الشعور بالمراقبة الدائمة، اذ كانت سيارات  المخابرات تحوم حول بيتي. ومرة طاردتنا عناصر المخابرات الى بيروت بسيارة بيجو 505 زيتية اللون، لكننا استطعنا تضليلها في الزواريب.

دهم الجيش بيتي مرتين احداها عام 1998. لم اكن موجوداً في المنزل حين طوقوه بشاحنتي ريو وفتشوا غرفة نوم شقيقتي محاولين اعتقال اخي البالغ من العمر ثلاثة عشر عاما الى حين حضوري الى التحقيق. لكنهم تراجعوا عن مطلبهم ازاء توسلات امي الباكية وتعهد والدي بحضوري في الصباح الباكر.

كنا نلجأ الى القيادات الروحية التي عملت على مساعدتنا، ومن هؤلاء المطران جورج اسكندر الذي عاش معاناتنا. والمشهد الاكثر حزنا هو مشهد اهلي وهم يتوسلون الفاعليات لاطلاقنا.

كان الشهيد رمزي عيراني من الذين ساعدونا وقدموا جهودهم ووقتهم لدعمنا.

وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهناها ولاسيما في التفتيش عن عمل فان ذكريات تلك المرحلة جميلة. ونحن لا ننتظر مكافآت على نضالنا في الوقت الذي يتسابق العشرات الى التصدر.

م. أ. ن.


مشهد امام البوريفاج بعد الانسحاب السوري.


داود الصايغ: متى تشفى سوريا من جرح انسحاب جيشها من لبنان؟

 

ليست العلاقات اللبنانية – السورية سوى مشكلة شائكة وشديدة التعقيد، مذ كان لبنان دولة مستقلة. فتاريخ لبنان الحديث والمستقل هو، في وجه من وجوهه السياسية والامنية، تاريخ علاقته المضطربة بالنظام السوري، وخصوصاً في حقبته البعثية المستمرة. في إطار الذكرى السنوية الاولى لانسحاب الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005، سجلت "النهار" آراء باحثين وسياسيين لبنانيين في حاضر هذه العلاقات الشائكة ومستقبلها.

 

داود الصايغ.

العام الذي انصرم كان سلسلة تجارب بالنسبة الى لبنان، امتزجت فيها المآسي مع التحولات التاريخية. واذا كان استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 هو ذروة المآسي، فإن انسحاب الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005 هو ذروة التحولات.

لا شك في انه بين الاغتيال والانسحاب علاقة مباشرة، اعترف بها الرئيس السوري بشار الاسد نفسه في خطابه في جامعة دمشق في 10 تشرين الثاني 2005 حين قال "(...) لم تكن مشكلتنا بالنسبة الى البقاء او عدم البقاء في لبنان هي القرارات الدولية، كانت المشكلة هي موافقة الشعب اللبناني او عدم موافقته. وما حصل بعد اغتيال الرئيس الحريري هو انقلاب جذري في المواقف لدى بعض شرائح المجتمع اللبناني التي اندفعت بحالة عاطفية، غرّر بها من قبل الاعلام اللبناني او غرّر بها من قبل بعض المسؤولين اللبنانيين، فكان القرار في ذلك الوقت هو الانسحاب فوراً ولم نعلن عنه قبل الاعلان، انا اتحدث عن الايام التي تلت اغتيال الحريري والتداعيات التي حصلت في لبنان...".

فالرئيس السوري اعترف، اذاً، ان اللبنانيين هم الذين دفعوا بسوريا الى الخروج من لبنان.

 

التكرار السوري

انسحاب الجيش السوري حدث بسرعة ووسط اجواء شعبية ظهرت فيها مواقف حادة ازاء القيادة السورية، مما انعكس من دون شك على العلاقة بين البلدين، وحتى على العلاقة بين الشعبين، وهو واقع ما زال مستمراً حتى الآن.

لكن لبنان الذي انتفض واستخلص الدروس لم يرَ في المقابل تغيراً في السياسة السورية، بالرغم من كل المواقف اللبنانية الرسمية وغير الرسمية، والتي يبرز في طليعتها موقف النائب سعد الحريري الذي اعلن انه يجب فصل التحقيق الدولي في شأن والده الرئيس رفيق الحريري عن العلاقة اللبنانية – السورية التي دعا، في غير مناسبة، الى ان تكون مميزة. وكذلك مواقف رئيس الحكومة فؤاد السنيورة الذي تجاوز الاهانة الكلامية الصادرة عن الرئيس السوري، ليطلب زيارة دمشق نتيجة قرار مؤتمر الحوار الوطني.

المواقف هذه ناتجة عن قناعة المسؤولين اللبنانيين بأن العلاقة بين البلدين الشقيقين يجب ان تكون ليس فقط طبيعية، بل ممتازة. وهي قناعة يشترك فيها كل القادة السياسيين والروحيين واصحاب الرأي في لبنان، نظراً لاعتبارات معروفة ولا مجال لتكرارها. ولكن هنا تبرز المشكلة السورية. المشكلة السورية في كيفية التعاطي مع لبنان، لأن كل الدلائل تشير الى ان سوريا لا تزال تتعاطى مع لبنان بالطريقة إياها التي تعاطت بها معه خلال العقود الثلاثة الماضية.

كأن سوريا لم تشف من لبنان، ولم يلتئم جرح خروجها منه. او كأنها راهنت طويلاً على اهداف منها معلن ومنها غير معلن لتجد نفسها مضطرة الى اعادة النظر فيها. لذا تراها تعتمد الاسلوب القديم نفسه، وهو اللجوء الى الحلفاء في لبنان، والعمل على اعادة تكوين جبهات، تماماً مثلما كان يجري طول السنوات الطويلة الماضية.

فاللبنانيون الذين ادركوا تماما ان بلدهم لن يعود ساعة صراع ولا ورقة تفاوض، ولا موضوع صفقة مع اميركا مجدداً، يرون، في المقابل، ان هنالك محاولات مركزة لإعادة جعله ساحة، والايحاء بأن صفقة اميركية – سورية وشيكة الحدوث مجدداً، يستعاد فيها الدور والنفوذ السوريين في لبنان.

مراهنة البعض على ذلك تظهر من خلال مصالح بعض السياسيين او النواب السابقين، ممن يصنفون بأنهم حلفاء سوريا، رغبة منهم باستعادة وجودهم ودورهم.

لكن متى تقلع السياسة السورية عن هذا حقاً؟ اليس لدى سوريا حاليا فرصة لمصادقة جميع اللبنانيين بدل ان تختار منهم فريقاً دون غيره؟ اليس هنالك اليوم اجواء مؤاتية لاقامة علاقات متينة بين الشعبين، تتجاوز تلك التي كانت محصورة بعدد من السياسيين؟

وهل ان العلاقة بين البلدين هي علاقة بين القيادة السورية وعدد من المسؤولين السياسيين اللبنانيين الذين كان الرئيس السوري يستقبلهم مداورة، كدليل على انه هو المرجع، خلافاً للاعراف التي يجب ان ترعى العلاقة حتى بين دولتين جارتين شقيقين.

وهل كانت تلك من الاصول الصحية في العلاقة، وهل ان الانجراف السوري في التعاطي المباشر في الشأن اللبناني، الذي بلغ ذروته المعروفة في آب 2004، عند اتخاذ قرار التمديد للرئيس اميل لحود خلافاً للموقف الدولي ولمواقف غالبية القيادات اللبنانية من البطريرك الماروني الى الرئيس رفيق الحريري الى النائب وليد جنبلاط الى كبريات وسائل الاعلام، والى معظم القوى السياسية واصحاب الرأي، هل هو انجراف لا قدرة لنظام الحكم السوري بالرجوع عنه؟ ولماذا؟

والأخطاء التي اعترف الرئيس السوري بشار الاسد بها، الم يحن الوقت للرجوع عنه؟

ان القطاعات الفاعلة في المجتمعين اللبناني والسوري لا يعرف بعضها البعض الآخر. فال تجمعات الاطباء او المحامين او الجامعيين او الطلاب او الاساتذة في كل من البلدين يلتقي احدهما بالآخر! لماذا؟ أعلى هذا النحو تُبنى العلاقات بين الدولتين؟ ويتم التعارف والتقارب بين الشعبين؟!

فالعودة الى المواقع السابقة هو امر مستحيل حتى وإن تراجعت كل السياسة الاميركية في العراق التي يراهن عليها حلفاء سوريا في لبنان. لأنه، اذا حصل ذلك، فهذا لا يعني بصورة آلية اعادة استقواء للسياسة السورية في لبنان. فالسياسات ليست ردود فعل. والعلاقات بين الدول لا تُبنى بالصراع والمنازلة وتسجيل المكاسب، بل انها عملية تعاون متبادل ومصالح متبادلة، على نحو ما جرى في الدول المتحضرة التي سبقتنا في العلاقات المستقبلية مثلما هو الحال في دول الاتحاد الاوروبي. وليس صحيحاً ان التاريخ يعيد نفسه على النحو الذي يتمناه البعض. اما اذا استمرينا نقول ان  ما صنعه الله بين سوريا ولبنان هو مختلف عما صنعه بين الدول الاخرى، فأن ذلك لا يندرج في السياسة الواقعية التي لا وجود للسياسة خارجها، أكانت محلية ام  اقليمية ام دولية.

 

(•) أستاذ في القانون الدولي، ومستشار للرئيس الشهيد رفيق الحريري


علي فياض: سوريا قلقة وخائفة من لبنان وعليه أن يطمئنها

 

الحديث الذي سجلناه مع الدكتور علي فياض(•)، كان من الصعب كتابته متحرراً من الاسئلة التي تحكمت في مساره. ذلك أن إجاباته تفقد معناها ودلالتها من دون إثبات الاسئلة التي دار الحوار حولها.

 

من زحلة.(من الارشيف)

رستم غزالة.

• للأزمة القائمة بين لبنان وسوريا اليوم، خلفية تاريخية تعود الى بدايات قيام لبنان الكبير الذي تعتبره سوريا جزءاً منها وجرى سلخه عنها.

- التاريخ يعنيني من زاويتين. الاولى هي استناد علاقة البلدين الى منطق طبيعي – جغرافي، يحتم قيام علاقة مميزة بينهما. وعندما نشأت دولة لبنان الكبير ودولة الاستقلال، كان لسوريا دور ايجابي حين تدخلت لدى العائلات البيروتية لإقناعها بالاستقلال اللبناني، خشية أن ينشأ عن عدم رضاها به كيان لبنان أصغر من لبنان الكبير وأكثر بعداً من سوريا. والمنطق الطبيعي – الجغرافي للعلاقة المميزة تتداخل فيه العوامل التاريخية الثقافية والاقتصادية، ولبنان بحسب هذا المنطق هو الذي يحتاج الى هذه العلاقة المميزة أكثر من سوريا. ثم إن هناك مسألة الفضاء العربي الذي يحكم لبنان بهذه العلاقة.

الزاوية الثانية هي استحالة إقامة وحدة قسرية بين البلدين في عالم اليوم. فالعلاقات القسرية بين نظامين سوف تكون عسيرة ومتعثرة إن لم تستند الى علاقات مجتمعية وتصورات سياسية مناسبة. والايديولوجيا السياسية في سوريا تستند الى فكرة الوحدة العربية التي تحتاج اليوم الى إعادة نظر في شروطها على مختلف المستويات، نتيجة للتطورات التي عصفت بالعالم العربي وبالعالم كله.

نحن نرى أن العلاقات بين البلدين يجب أن تنطلق من وجود دولتين مستقلتين سيدتين، وتقوم بينهما علاقات متكافئة واحترام متبادل. وهذا ما نص عليه اتفاق الطائف.

 

الوصاية المشتركة

• النظام السوري الذي رعى هذا الاتفاق هو الذي وضع العراقيل في طريق تطبيقه.

- في تلك الفترة كانت المسؤوليات عن عدم تطبيق الاتفاق متداخلة ومشتركة. اليوم يجري التركيز على المسؤولية السورية فقط. لكن الوصاية كانت في حقيقتها مشتركة، وأوصلت البلدين الى ما وصلا اليه.

• ماذا تقصد بالوصاية المشتركة؟

- هناك مسؤولية لبنانية في ما يتعلق بمسألة الوصاية وجرى إغفالها وتغييبها. علينا أن نعترف أن المسؤولية كانت مشتركة في ما وصلنا اليه على صعيد بناء الدولة اللبنانية ومؤسساتها. أما اقتناص مسألة الفساد الذي شاب بناء المؤسسات اللبنانية، للانقضاض على تلك الحقبة بأكملها في سلبياتها وايجابياتها، فأمر غير مجدٍ في تحسين العلاقات بين البلدين.

• ألا ترى أن الفساد مسألة أخرى؟

- ممكن. لكن من الخطأ توظيف سلبيات تلك الحقبة للانقضاض عليها. وهذا ما يحصل اليوم في لبنان. علينا ألا ننسى أنها كانت حقبة تأسيسية لإعادة بناء البلد وتأمين الاستقرار السياسي والامني.

 

المظلة السورية

• ولماذا يكون الاستقرار السياسي والامني في لبنان من طريق سيطرة النظام السوري وبوابته، أو لا يكون؟

- لقد ساهمت سوريا في بناء حدّ أدنى من الوحدة السياسية والاجتماعية في لبنان، وأعادت موضعة دوره في الصراع العربي – الاسرائيلي، وساعدته في تحرير أرضه من الاحتلال، وحمته من اخطار الاعتداءات الاسرائيلية.

• أليست مقاومة "حزب الله" هي التي حرّرت الجنوب؟

- لقد كان للعامل السوري دوراً اساسياً.

• الى متى سيظل لبنان رهينة هذا الدور؟

- دعني أقول إن سوريا أقامت مظلة اقليمية للمقاومة. فإدارة الرئيس حافظ الاسد بالتعاون مع فرنسا، لعبت دوراً مركزياً وحاسماً في إدارة الصراع، وأمنت مظلة دولية للمقاومة في حرب تموز 1993 وحرب نيسان 1996، التي أدت الى تفاهم نيسان حول شرعية المقاومة.

لنتكلم على نحو صريح: المقاومة في بداية انطلاقتها لم تكن تملك من المقومات الضرورية لها سوى قوتها الذاتية. لقد كانت القوى السياسية اللبنانية، وكذلك الدولة اللبنانية، في مكان آخر. ثم إن البيئة الاقليمية لم تكن تكترث بالمقاومة. وسوريا هي التي لعبت دوراً اساسياً في تطوير الشروط الاقليمية والداخلية لاندفاع المقاومة. فبحكم موقعها في لبنان ساعدت سوريا القوى السياسية اللبنانية للتعايش مع المقاومة. وبعد نيسان 1996 أمنت سوريا انسجاماً كاملاً بين استراتيجيا المقاومة واستراتيجيا الدولة اللبنانية.

• هذا يعني أن المقاومة تدين ديناً كاملاً للنظام السوري في عملها وانجازاتها.

- دعني أقول ايضاً إن السياسة الخارجية السورية كانت في مجابهة مستمرة مع المخططات الاميركية خدمة للمقاومة ولتحرير الاراضي اللبنانية، وخدمة للقضية العربية. قد يستفيد البعض من هذا الكلام للنيل من المقاومة. لكن هذه وقائع تاريخية يتوجب عدم اخفائها، وهي التي تجعل قيادة المقاومة تشعر بكثير من عرفان الجميل للقيادة السورية التي واجهت اسرائيل والضغوط الاميركية.

• هذا الدين للنظام السوري على المقاومة كيف يمكن تحريرها منه؟

- لياقة لن أقول إن كلمة دين تستبطن سوء النية الذي يؤدي الى اعتبار المقاومة مرتهنة للنظام السوري. نحن عندما كانت سوريا في لبنان كنا خارج دائرة المغانم وخارج السلطة. وكنا في شراكة مع سوريا في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي، وفي كل ما يتصل بالقضية العربية التي تشكل فلسطين جوهرها وموضوعها الاساسي. لذلك ليست المسألة مسألة دين للنظام السوري على المقاومة، بل مسألة تكامل استراتيجي.

يجب أن تتحرر العلاقة بين البلدين من نزعتين. الاولى كانت سائدة قبل 2005، وتقوم على المبالغة في الترويج المبتذل للعلاقة بين سوريا ولبنان، والتي تستبطن قدراً من النفعية والانتهازية اللبنانية. والثانية، وهي السائدة اليوم، وتقوم على العداء والقطيعة وتؤكد على التناقض والتنافر. وبدل هاتين النزعتين علينا أن نسعى لإقامة علاقة تفيد البلدين وتدفع الى التكامل الايجابي بينهما.

 

الجولان والجنوب

• كيف يمكن إقامة التكامل الايجابي هذا في ظل سلوك النظام السوري الراهن الذي يقوم على اعتبار أن لبنان كان رهينة في قبضته، وتحرر منه رغماً عنه؟ والدليل حادثتين من جملة حوادث كثيرة. الاولى تصريح الرئيس فؤاد السنيورة في قمة الخرطوم أنه التقى الرئيس بشار الاسد واتفقا على لقاء مشترك. وكان الرد السوري على هذا أنهما التقيا وتصافحا مصادفة وعلى نحو عابر، ولم يتفقا على لقاء. والثانية ارسال السيد احمد جبريل من دمشق الى بيروت للحديث عن العلاقات اللبنانية – السورية. في ظل هذا السلوك كيف يمكن الحديث عن تكامل ايجابي بين دولتين؟

 

- اتى احمد جبريل الى بيروت لفتح ملف السلاح الفلسطيني. وهو يعتبر ان من حقه، كانسان عربي، أن يساعد في تحسين العلاقات بين لبنان وسوريا. وفي السياق العام يجب ان نعمل على عودة الأمور بين البلدين الى مجاريها الطبيعية.

•لكن كيف يمكن اعادة الامور الى مجاريها الطبيعية؟

- بأن نبدأ باجراءات بناء ثقة متبادلة بين الطرفين، وعبر اعادة اتصال القيادتين، وتهدئة الحملات الاعلامية المتبادلة. وعلينا الا ننسى ان بعض القوى السياسية اللبنانية اطلق اخيرا خطابا لبنانيا حربيا ضد سوريا، معتبرا ان سوريا دولة عدوة. وهذا ينسف اتفاق الطائف ويتجاوزه. ثم ماذا نفعل بالدعوات الى اسقاط النظام السوري؟ اليس هذا تدخلا في شؤون الدول الاخرى؟ اكثر من ذلك هناك من يدعو في لبنان الى الاستعانة بأميركا ضد سوريا.

• ما ان يسعى لبنان الى اقامة سياسة خارجية مستقلة عن سياسة النظام السوري، ولا يطيعه حتى يكثر الكلام على اعتباره مقرا للتآمر على النظام السوري.

- هناك قلق سوري جراء نقل لبنان من موقع الى آخر.

 • لا يحق للبنان اقامة علاقات سياسية حسنة مع اوروبا والولايات المتحدة، فيما تقيم سوريا مع "حزب الله" علاقات تحالف استراتيجي مع ايران.

- على لبنان ان يراعي البيئة الاقليمية ومخاوف سوريا من علاقاته الدولية.

•وهل تراعي سوريا طبيعة العلاقات بين الدول في علاقتها بلبنان، وهل تراعي البيئة الاقليمية في تحالفها مع ايران؟ ثم ان القول ان سوريا خائفة من لبنان هو كالقول ان لبنان هو الذي كان يحتل سوريا.

- هناك خوف سوري راهن من جر لبنان الى موقع سياسي لا يخدم المعادلة العربية في الصراع مع اسرائيل.

•ولماذا على لبنان ان يبقى وحده خادما للصراع مع اسرائيل، بعد خروج مصر من هذا الصراع، وفيما سوريا التي تحتل اسرائيل جولانها، لم تطلق رصاصة واحدة من اراضيها منذ 1973.

- هذه نظرة تبسيطية الى امور معقدة وهي تعتمد منطقا شكلانيا صرفا، وغير سياسي، ويضمر كراهية لسوريا. هذا مع العلم ان مواقفنا السياسية يجب الا نبنيها كرمى لعيون سوريا، بل بما لا يؤذي سوريا. وقد نص اتفاق الطائف على هذا الامر، اي على عدم استخدام لبنان لا مقرا ولا ممرا لمعاداة سوريا. لكن الخطاب السياسي اللبناني السائد اليوم يشير الى عزم ظاهر على خرق اتفاق الطائف. وهناك اخيرا الحملات الاعلامية اللبنانية المعادية لسوريا.

•اذا استمعت الى الاذاعة السورية، او فتحت صحيفة سورية، لن تسمع ولن تقرأ سوى الكلام عن العمالة والخيانة في لبنان.

- هذا تركيز على ما يرد في صحف سورية هامشية.

•وهل في سوريا صحف هامشية واذاعات هامشية؟ ثم ألم يقل رئيس الدولة السورية ان رئيس حكومة لبنان عبد مأمور لعبد مأمور؟

- علينا ان نخرج الخطاب السياسي والموقف السياسي من دائرة الشحن المتبادل، الى دائرة التهدئة الايجابية.

•المسألة ليست مسألة شحن او تهدئة. حقيقة الامر ان النظام السوري لديه شعور مرير بأنه فقد السيطرة على لبنان، غير قادر على اقامة علاقة سوية وهادئة مع الدولة اللبنانية المستقلة التي كانت تابعة له. انه نظام مريض برغبته في السيطرة على لبنان.

- انا ارى ان حقيقة الامر قائمة في الخطاب السياسي الذي اطلقته قوى 14 آذار معاديا لسوريا. وهو خطاب لا يحرر سوريا من مخاوفها اللبنانية، ولا يساعد في تطبيع العلاقات بين البلدين. اكثر من هذا، هناك في لبنان من يشن حملات منظمة لاسقاط النظام السوري.

 

ورقة مزارع شبعا

•لماذا تجد نفسك انت اللبناني، مدافعا الى هذا الحد عن النظام السوري؟ ثم ان السلطة اللبنانية الرسمية ليس من حقها ان تمنع تداول الرأي في السياسة الخارجية للبنان. كأن تمنع، مثلا، نائبا في البرلمان اللبناني من ان يقول رأيه في العلاقات السورية – اللبنانية.

- وليد جنبلاط ليس نائبا في البرلمان فقط. انه احد القادة الاساسيين لقوى 14 آذار، اي لقوى الأكثرية النيابية والحكومية.

•ألا ترى اننا في حوارنا هذا مهجوسون على نحو فائض بالعلاقات بين سوريا ولبنان، والتي يجب ان يحكم فيها القانون الدولي العادي والمعروف بين دولتين؟

- هذه ايضا نظرة تبسيطية. العلاقة بين لبنان وسوريا ليست فقط علاقة بين النظامين في البلدين. فنحن نمثل فئة واسعة من المجتمع اللبناني، ولنا رأينا في العلاقة بين البلدين، والتي لا نرضى ان تكون مضطربة وغير معززة. ثم ان لبنان بلد صغير، وعليه كسائر دول العالم الا يكون منكمشا ومنعزلا في علاقاته الاقليمية والدولية.

•من هو البلد المنكمش والمنعزل في علاقاته الاقليمية والدولية، سوريا ام لبنان؟

- اقصد ان ليس من بلد في عالم اليوم لا يفكر في توسيع علاقاته السياسية والاقتصادية. انظر الى الدول الاوروبية ودول شرق آسيا، حيث ليس من قيود على حركة الاستثمارات والرساميل والبشر.

• وهل من احد يشك في انفتاح لبنان في مجالات التبادل التجاري والثقافي والاعلامي، وانغلاق سوريا في هذه المجالات نفسها؟ ثم اليست رغبة النظام السوري في السيطرة على لبنان، وليدة انفتاح لبنان الاقتصادي والثقافي والاعلامي؟ وهل على لبنان ان ينتظر انفتاح سوريا وتحررها من نظامها المنغلق، كي يتوصل الى علاقات عادية وطبيعية معها؟

- اريد القول ان الحكومة اللبنانية الحالية تنسق مع دول الدنيا كلها ومع مجلس الامن الدولي، وتدير ظهرها لسوريا التي تتخوف من الدعاة اللبنانيين الى اسقاط نظامها. وهذه الحكومة نفسها تريد ان تحصل من الدولة السورية على ورقة تثبت ان مزارع شبعا المحتلة هي ارض لبنانية. واذا كانت حكومة لبنان راغبة في الحصول على هذه الورقة، فان عليها ان تقوم بخطوات ملموسة لاعادة بناء الثقة المتبادلة بين الدولتين.

 

(•) جامعي لبناني ورئيس "المركز الاستشاري للدراسات" في "حزب الله".

سجّل المقابلتين وكتبهما

محمد أبي سمرا


فصل من رواية الوجود السوري في لبنان

هالا الحاج وسنواتها الثماني بين البوريفاج وعنجر والمزّة

 

 

 

كتب وليد الكوراني:

هالا الحاج نموذج مخجل للمعاناة اللبنانية مع النظام الامني، فهذه السيدة المتواضعة وربة المنزل ووالدة الاطفال، لم تكن تعلم ان انتماء زوجها الى اجهزة الامن اللبنانية سيودي بها الى ثماني سنين في المعتقل السوري، مظنونا بها بتهمة التآمر على النظام السوري. ومهما قدّم منظِّرو مشاريع الاخوة والتعاون والتنسيق من تفسيرات لتبرير البطش باللبنانيين، فانهم لن يستطيعوا ان يشرحوا سبب اعتقال هالا ربة العائلة التي لا تذهب قناعاتها السياسية وادراكها الى ابعد من عتبة منزلها الزوجي.

اليكم قصة هالا الحاج، ولكم نترك العبرة.

وصلت هالا الحاج زوجة غابي كرم عام 2000 الى العاصمة الفرنسية، منهكة بعد ثماني سنين مرة امضتها في معتقل المزة السوري، بعيدا عن عائلتها واهلها ووطنها وهي لا تدري سببا لاعتقالها الطويل. وهالا في براءتها هذه، لا تخرج عن مذهب غالبية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية الذين اقتادتهم سلطات النظام الامني المشترك من وطنهم، بوشاية او مسعى من احد المتعاونين، درءا لتهديد خطير لصنم الاخوة اللبنانية – السورية المنزه عن كل عيب، والمثال في الديموقراطية والحرية ودولة القانون.

انتقال هالا من زنزانتها الصغيرة في المزة وزنزانتها الكبيرة في لبنان الى فرنسا، فرصة لم تتح مثلها لكثرة من المعتقلين السابقين. فهي كانت تحظى برعاية "منظمة العفو الدولية" و"لجنة دعم المعتقلين اللبنانيين اعتباطا"، الامر الذي مكّن زوجها (المطلوب) وافراد عائلتها من ان يسبقوها الى فرنسا حيث حصلوا على اللجوء السياسي من الدولة الفرنسية، التي احتضنت افراد العائلة بعدما تخلى عنهم الجميع في لبنان شعبا ومؤسسات وكنيسة وقيادات.

التقينا هالا في احد المنازل المخصصة لاقامة اللاجئين السياسيين في ضواحي العاصمة الفرنسية، وعرضنا عليها ان تروي قصتها. طبعا تمنعت بداية الامر، خوفا على الاهل والاقارب في لبنان وايضا لان الرعب لا يزال معشعشا في خلايا جسدها بعد ما عانته وتعرضت له. وبعد نقاش طويل اقترحنا عليها طمس بعض التفاصيل وهذا ما جرى، فكانت رواية هالا الحاج المرعبة عن ثماني سنين في المعتقلات السورية.

عمل زوج هالا لمصلحة اجهزة الامن اللبنانية خلال الحرب، وكان مطلوبا القاء القبض عليه، لكن الاستخبارات السورية لم تتمكن منه، فعمدت الى القاء القبض على زوجته عندما كانت في منطقة المتحف الفاصلة بين المنطقتين الشرقية والغربية التي كان اهالي بيروت الشرقية يذهبون لشراء حاجاتهم منها. وبوشاية من احد اللبنانيين المتعاملين، ترصدت الاستخبارات السورية هالا الى حين وصولها الى امام مستشفى البربير، وانقض عليها اربعة رجال قائلين: "اياكي ان تتحركي او تأتي بأي حركة"، ثم عمد اثنان منهم الى وضع كيس اسود على رأسها والاصفاد الحديدية في يديها ورموها في صندوق سيارة وانطلقوا بأقصى سرعة.

 

في البوريفاج

ازدحمت الصور في رأس هالا ولم يطل الامر، كي تكتشف ان رحلتها السريعة انتهت في معتقل البوريفاج الشهير في منطقة الجناح جنوب غرب بيروت. توقفت السيارة الخاطفة وانزلت هالا بعنف من صندوقها والقيت على الارض قبل ان تستقيم على قدميها، وتقتاد مكبلة والكيس في رأسها عبر درج طويل (تعثرت عليه مرات عدة) الى ان شعرت انها اصبحت في زنزانة رطبة، عفنة تحت الارض. تنشقت هالا في تلك اللحظة رائحة بحر بيروت للمرة الاخيرة وتأكدت انها في البوريفاج. من لم يسمع عن البوريفاج، وها هي هالا تختبره شخصيا، بعدما حولته الاستخبارات السورية سجنا مركزيا لها في بيروت، بادارة العميد الدكتور رستم غزالي (قبل ان يصبح رئيسا للاستخبارات السورية في لبنان) والذي حصل على درجة الدكتوراه من الجامعة اللبنانية القريبة من مقر الاستخبارات. تنهدت هالا عميقا على قدر جراحاتها النفسية، وهي تذكر جيدا مهانة الضرب، والرفض والشتائم منذ ان انزلت من السيارة حتى وصولها الى الزنزانة السوداء، الصغيرة الحجم.

اتسعت حدقتا عينا هالا، وهي تتذكر الشتائم التي كالها عناصر الاستخبارات السورية لها وللبنانيين طوال الوقت: "بدنا نني... اكبر لبناني، مين مفكرين حالكن يا كلاب...". وبعد ساعتين على نزول هالا في الزنزانة الافرادية، فتح الباب ودخل منه الجلادون الذين اعادوا وضع الكيس الاسود على رأسها ودفعوها امامهم عبر ممر طويل لا ينتهي على ما تذكر. ومنه صعودا الى غرفة تحقيق حيث اجلست على كرسي حديد مخصص للتحقيق، ليبدأ فصل جديد من الشتائم للبنانيين ولم تهدأ حفلة القسوة الا عند دخول عدد من الاشخاص الذين سرعان ما عرفت هالا انهم من المسؤولين بعدما اخذ الجلادون يستعملون كلمة "سيدنا".

عمد الجلادون الى تجريد هالة من ثيابها او تمزيقها، والكيس على رأسها والاصفاد في يديها لا تتزحزح، ثم دلقوا على فريستهم مياها باردة جدا وانهالوا عليها بالضرب مستعملين العصي والقبضات (البوكس). بداية، احصت هالا الضربات الى انها فقدت الاحساس ولم تعد تدري عدد العصي المنهالة عليها، اذ سال الدم سريعا بعد الضربة الثانية من الفم والاذن والانف. واختلطت قذارة الكيس الاسود المحكم الاغلاق على رأسها مع الدم الحار لتشكل مزيجا من الروائح البشعة التي لا يستطيع اي امرئ احتمالها. ومع العصي المتساقطة انهالت اسئلة المحقق، تتهم هالا بجمع المعلومات عن الجيش السوري، وكلما اجابت المسكينة بالنفي كان المحقق السوري يزداد هياجا ويأمر مساعديه بالمزيد من الضرب. تذكر هالا بألم ان التعذيب استمر على هذه الوتيرة طويلا: ضرب، اسئلة ونفي، ومياه باردة او حارة وهكذا دواليك. تغيب هالا عن الوعي فيعيدونها الى الزنزانة، وما ان تعود الى رشدها حتى يأخذونها من جديد الى التحقيق، ولم تعلم ان ثلاثة ايام قد انقضت على هذه الحال الا من الجلادين والمحققين الذين ابلغوها انها ستنقل الى عنجر لاستكمال التحقيق، بعدما مرت ثلاثة ايام هي فترة التحقيق الاولى في معتقل البوريفاج.

 

عنجر وخطبة كنعان

وضعت هالا في الشاحنة العسكرية السورية، وكانت سماء بيروت باردة جدا والجميع يرتدون ما تبقى من قطع الثياب الممزقة. وبين مطر بيروت وبردها عرف المعتقلون جميعا انهم وصلوا الى ضهر البيدر، بعدما لفح الصقيع اجسامهم ويبس الدماء في جروحهم المتقيحة من التعذيب. وعند منحدرات السلسلة الغربية في اتجاه سهل البقاع، ادركت هالا انها تتجه اما الى معتقل عنجر او الى سوريا في رحلة قد لا تعود منها. ولكن ساعتها لم تكن قد ازفت بعد، وكان على رحلة الموت ان تتوقف في معتقل عنجر المركزي، وهو التجمع الرئيسي للمعتقلين اللبنانيين قبل ان يتم تحويلهم الى الداخل السوري. تذكر هالا معتقل عنجر جيدا انه يشبه اسطبل الخيول، وعرفت لاحقا بحكم اقامتها الطويلة في المعتقل، ان السوريين وضعوا يدهم عليه فور الدخول الى لبنان وحولوه الى سجن كبير. من دون ان يدخلوا عليه اي تعديل باستثناء تحويل غرفة تركيب نعال الاحصنة (الحوذي)، غرفة للتعذيب مزودة اكثر الوسائل هولاً ورعباً.

عندما وصلت هالا الى معتقل عنجر كان تحت اشراف رئيس جهاز الاستخبارات السورية في لبنان الراحل اللواء غازي كنعان، يساعده العميد الركن عدنان بلول الملقب بالوحش، ورئيس الجلادين في عنجر ملازم اول سليمان سلامة. وللحال اوقفت هالا مع رفاقها المعتقلين الى جانب الحائط وانتزعت الاكياس عن رؤوسهم قبل ان يتقدم اللواء الركن غازي كنعان لمعاينة وجوههم عن قرب، سائلاً: "من يكون هذا؟". فيجيبه الضابط المسؤول انه فلان الفلاني. وهكذا عرفت هالا ان رفاق درب جلجلتها من بيروت الى عنجر كانوا تسعة لبنانيين من المظنون بهم ومن مختلف المناطق والاديان.

استعرض كنعان الوجوه قليلاً ثم توجه الى المعتقلين بخطاب سياسي: "ان كل من يتعرض لسوريا بكلمة في لبنان سنسلخ جلده (وتذكر هالا ان كلمة سلخ الجلد هي اكثر كلمة يستعملها رجال الاستخبارات السوريون في حديثهم مع المعتقلين)، سنسلخ جلودكم وسننقلكم الآن فوراً الى سوريا حيث ستخبروننا بما لديكم، وانصحكم بأن تطلعونا على كل شيء وتختصروا عذاباتكم والا فأنكم لن تعودوا ابداً الى اهلكم في لبنان...". تذكر هالا جيداً ان غازي كنعان قال كلاماً كثيراً عن الاخوّة بين لبنان وسوريا والشعب الواحد في دولتين والمؤامرة الصهيونية وما الى ذلك منبهاً المعتقلين اللبنانيين الاذلاء في ساحة معتقل عنجر. وعندما حاول احد المعتقلين ان يقول شيئاً انهال عليه عناصر الاستخبارات السورية ضرباً بالكرابيج، ومرة جديدة وضعت الاكياس على الرؤوس واصعد الجميع الى الشاحنة ومنها الى سوريا.

 

في معتقل المزة

"الداخل مفقود والخارج مولود" هذا هو الشعار المكتوب على مدخل معتقل المزة، او سجن التحقيق التابع لفرع فلسطين في الاستخبارات العسكرية السورية. وهذا المعتقل هو محطة استقبال الوف من اللبنانيين والفلسطينيين الذين مروا على فرع التحقيق قبل ان يتوزعوا على المعتقلات السورية الاخرى. وهناك كانت حفلة الاستقبال الكبيرة، التي تولاها العقيد منير الابرص المسؤول آنذاك عن التحقيق في فرع فلسطين. انزل اللبنانيون التسعة من الشاحنة واوقفوا في خط مستقيم وراء بعضهم البعض، وسط دائرة يحوطها 20 جندياً يحملون العصي والكرابيج. وبعدما غادرت الشاحنة وسيارة الاستخبارات المرافقة لها الباحة، بادر الابرص ورجاله الى الضرب من دون مقدمات وهم يصرخون ويشتمون: "أكبر راس بلبنان تحت هالصرماية". وغيرها من لائحة طويلة من الشتائم والسباب والكلام العنصري عن اللبنانيين. انتهت حلقة الضرب بعد دقائق طويلة جداً وكانت نتيجتها ان تكومت هالا مع المعتقلين كتلة واحدة تسيل الدماء من كل انحاء اجسادهم. ولما كان الوقت ليلاً، والطقس بارد جداً في دمشق، يمكن تصور حجم الألم والمعاناة من الجراح الملتهبة.

قالت هالا: "لن انسى تلك الليلة في حياتي، استعنا بالانبياء والقديسين جميعاً أملاً بالرحمة ولكن كل ذلك لم يجد نفعاً في ردع الابرص ورجاله". وبعد قليل فتح الجلادون خراطيم مياه باردة جداً وربما ارادوا غسل المعتقلين، لكن الامر كان ادهى من ذلك بكثير. وبعد سنين طويلة في معتقل المزة علمت هالا ان هذا الاستقبال يلقاه كل معتقل جديد وخصوصاً اذا كان الحفل يعني مجموعة وفيرة العدد ومن لبنان.

بعد حفل الاستقبال، وضعت الاكياس على الرؤوس ونقلت هالا مع رفاقها كل الى زنزانته الافرادية، وهاكم مواصفاتها: غرفة مظلمة، بعمق 40 مترا تحت الارض يتم النزول اليها بواسطة درج طويل، ويلغ عرضها 80 سنتيمتراً وطولها 180 سنتيمتراً بعلو متر ونصف فقط بحيث لا يستطيع المعتقل الوقوف فيها. اما بابها فهو حديد ويدخلون ما يسمى الطعام من خلال فتحات صغيرة يفتحها السجان من الخارج.

باشر التحقيق مع هالا رئيس فرع فلسطين آنذاك العميد الركن مظهر فارس، وكانوا ينقلونها يومياً من الافرادي الى غرفة التحقيق والكيس الاسود في رأسها، وما ان ينزع الكيس عن رأسها حتى كانت تجد فارس جالساً على كرسي يدخن سيجاراً او يرتشف القهوة وحوله الجلادون. وكان يبدأ كلامه عادة بسيل من الشتائم للبنانيين والاتهمامات بأنهم عملاء لإسرائيل، ويبدأ الضرب من بعدها من دون مقدمات، ويمكن تخيل امرأة ضعيفة وهي تتعرض للضرب بالعصي من مجموعة من الرجال.

 

أساليب الأخوّة

الكتابة عن معاناة هالا في المعتقل السوري ربما كانت سهلة، لكنها احتاجت الى الكثير من الوقت كي تستطيع استعادة ما تعرضت له: الضرب بالكرباج وعضو العجل وهو اداة رهيبة للتعذيب، انتزاع الاظافر، الضرب على العضاء التناسلية، الصدمات الكهربائية على الانف والاذن، الحرق بالسجائر وسيجار مظهر فارس، الكرسي الالماني، التعليق على الدولاب والبلانكوه طوال تسعة ايام. واخيراً وضع الملح على الجروح والتعذيب بالمياه الباردة والساخنة. وما ان تغيب هالا عن الوعي حتى تصحو على المياه المثلجة ليعود التعذيب من جديد.

امضت هالا 150 يوماً في التحقيق والتعذيب والزنزانة الافرادية او "القبر" كما سماها المعتقلون وكانت تتناول ما يقدمونه لها من بقايا الطعام بيدها مثل الحيوانات، ولم تكن تعلم ماذا تأكل بأستثناء القليل من كسرات الخبز اليابس والزيتون التي استطاعت تمييزها. وبعد التحقيق كانت تنام ساعات طويلة من آثار الارهاق والتعب، وتتبول وتخرج في ما تبقى في جسمها داخل ثيابها الرثة. لا تنسى هالا، ولن تنسى أبداً مدير معتقل المزّة النقيب بسام الحسن الذي يبلغ وزنة 150 كيلوغراماً، وكان ينقض مثل الذئب بالضرب على المعتقلين اللبنانيين ويتفنن في اكتشاف وسائل التعذيب من خلال الافلام التي يشاهدها للتعرف على وسائل التعذيب، على ما اخبرتها المعتقلات السابقات بعد نقلها من الافرادي.

 

ذكريات مرّة

حفظت هالا كل شيء عن معتقل المزة وسلسلة الرتب فيه والقيادات والمحققين وكل الاحداث التي دارت فيه خلال ثماني سنين، وهي تذكر اسماء المحققين صلاح الزغيبي، بعد الرزاق الحلبي وبسام مصطفى، اضافة الى مجموعة كبيرة من المساعدين والجنود الذين تسميهم الجلادين. وفي نهاية المطاف وقعت هالا على محضر تحقيق سوري لم تعرف ماذا كتبوا عليه. وفي اليوم 151  سمحوا لها بالاستحمام، وحلقوا شعرها واعطوها ثياباً تشبه ثياب الجيش السوري، وقال لها احد الجلادين: "لقد اعطيناك اسماً جديداً هو حياة، وهو اسمك منذ اليوم وحتى تخرجي من هنا واياك ان تتلفظي امام السجناء باسمك الحقيقي الذي يجب ان تنسيه تماماً والا اعدناك الى القبر، مفهوم؟".

نقلت هالا وقد اصبح اسمها حياة السورية، الى غرفة سجن واسعة ضمت عدداً من النسوة اللبنانيات والاردنيات وتهمتهن جميعاً "تهديد الامن السوري". تراوح عدد المعتقلات في الزنزانة الواقعة تحت الارض ما بين 20 و25 معتقلة في مساحة لا تتجاوز 12 متراً مربعاً. وتذكر هالا انها كانت تختنق في الصيف من شدة الحر والرطوبة وتتجمد في الشتاء من الصقيع والبرد. ورغم انتهاء التحقيق الا ان الجلادين كانوا يتذكرون المعتقلات كل مدة بحفلة ضرب وتعذيب كي لا ينسين انهن في السجن.

الليل وما ادراك ما الليل في معقتل المزة على ما تذكرت هالا. انه ليل طويل جداً ومرعب ولا يمكن لاي فيلم سينمائي ان يصور رعب معتقل المزة. هدوء، ثم اصوات بشرية مذعورة، لا بل "جعير" واصوات ألم تقطع الانفاس نتيجة التعذيب المتواصل الذي لا يتوقف ليلة واحدة. لحظات قليلة، يهدأ الصراخ ويعم سكون الموت ويعود بعدها صوت الصراخ والعويل والغثاء اشد من السابق. "يا الله ما اطول الليل في معتقل المزة. فتبدأ المعتقلات المسلمات بالتكبير بصوت خافت. اما نحن المسيحيات فنبدأ الصلوات للعذراء والقديسين بصوت خافت (...)".

علمت هالا لاحقاً ان اهلها حاولوا الوصول اليها بعدما تمكنوا من تحديد مكانها عبر رشوة احد الضباط السوريين، وفعلاً وصل الاهل الى بوابة معتقل المزة لكن مديره بسام الحسن رفض السماح لهم بالدخول وحاول ابتزازهم "أليس اللبنانيين أثرياء؟". اكلت هالا البطاطا والزيتون والبرغل والقرنبيط المسلوق كل ايامها في المعتقل. وكانت تمضي الوقت مع المعتقلات الأخريات في البكاء وسرد الاخبار عن الاهل والاولاد والعيال والاستماع الى المعتقلات الواصلات حديثاً واللواتي كان الجميع يهتم بمعالجة جراحهن بواسطة المياه وقطع الثياب الممزقة التي يتركها ورائهم بعض المفرج عنهم. وكان الجنود السوريون الفارون من الخدمة العسكرية الذين يمضون فترة احكامهم في احد اجنحة المعتقل يقومون بالخدمة وكان اسمهم "الفرارية". اما المرضى الذين كانوا يشرفون على الموت فكانوا ينقلون الى مستشفى المواساة القريب من المعتقل، حيث تقوم الشرطة العسكرية السورية بحراستهم.

تذكر هالا جيداً معتقلة اردنية احضرت من التحقيق الى الافرادي وعلامات الموت بادية عليها فاختار الجلادون نقلها الى زنزانة النساء، وكان لونها ازرق من شدة الضرب والزبد يتصاعد من فمها والدم ينزف قليلاً من الاذنين والانف. فقالت هالا للجلادين: "انها تموت ماذا نستطيع ان نفعل لها". فأجابها احدهم: "انشاالله تموتوا كلكم".

حاولت السجينات مساعدة المعتقلة المنكوبة بالتدليك الاصطناعي ومسح وجهها بالمياه لكنها سرعان ما اخذت تتنفس بسرعة ثم صحت صحوتها الاخيرة ونظرت الى الوجوه المجتمعة حولها شبه غائبة عن الوعي وغابت الى دنيا الآخرة. اخذت هالا ورفيقاتها يصرخن طلباً للمساعدة فدخل الحراس والجلادون واخذوا يضربون الجميع ويشتمونهم، وحملوا الجثة على حمالة الى المستشفى بعد فوات الاوان وعلمت هالا لاحقاً ان المرأة اضيفت الى لائحة الموتى والمفقودين. تذكر هالاً جيداً ان معتقل المزة لا يقاس بشيء امام المرويات عن معتقل تدمر. هناك يعرض المعتقلون للكلاب الجائعة ويتم اعدام المتهمين على الخازوق اضافة الى استخدام الافاعي والجرذان في عمليات التعذيب.

 

طفل معتقل

امضت هالا الحاج ثماني سنين في معتقل المزة. المعتقلات السابقات اخبروها، ان النائب اللبناني السابق المرحوم الدكتور فريد سرحال، حل فيه ضيفا عندما خطفه رجال الاستخبارات السوريون عام 1989، وكانوا اضافة الى اعتقاله يجبرونه على تنظيف المراحيض ومسح الارض لاذلاله لانه كان مرشحا لرئاسة الجمهورية في لبنان. وتذكرت هالا ايضا ما قام به الجلادون لتعذيب احد المعتقلين من جنود الجيش اللبناني، حين ربطوه او صلبوه على خشبة ضخمة مثل الصليب، وثبتوا الخشبة الضخمة بالحبال والكابلات وطلبوا منه السير دائريا وهم يضربونه بالكرابيج وكأنه حصان. وصلبوه تسعة ايام في الشمس على بلانكوه فأخذ الدم ينزف من كل انحاء جسده وفمه واذنيه. اما الورطة الكبيرة فكانت يوم وفاة ابن الرئيس السوري حافظ الاسد، باسل، عندما دخل الجلادون الى المعقتل وانهالوا على الجميع بالضرب بعدما منع الطعام عن الجميع ايضا لانهم اعتقدوا ان المعتقلين فرحوا لموته.

امضت هالا ثماني سنين في المزة دون محاكمة الى ان قرر السوريون الافراج عنها استجابة للوساطات، فنقلوها في شاحنة عسكرية الى عنجر، حيث وضعت في احدى الزنزانات الى جانب سيدة معتقلة مع طفلها (لاحقا اكتشف في المقبرة الجماعية في عنجر، هيكل عظمي لطفل). وهناك زار غازي كنعان سجينته هالا الحاج وقال لها: "غلطنا معك يا هالا، اتمنى ان تكوني قد تعلمت الدرس واحذرك انني في المرة القادمة سأطحن لحمك مع عظمك ويجب ان تعلمي انت ومن ورائك ان سوريا هي قدركم مهما حاولتم التفلت منا".

لم تخرج هالا من معتقل عنجر الى الحرية من دون وداع، بل انقض عليها عدنان بلول بالضرب مع النقيب سليمان سلامة رئيس فريق المحققين في عنجر. واخيرا تسلمتها الاستخبارات اللبنانية في العاشرة ليلا، وما ان وصلت الى المعتقل اللبناني على الارض اللبنانية حتى انهال عليها ابناء جلدتها بالضرب يريدون استعادة التحقيق معها فقالت لهم: "الا تكفي ثماني سنوات من التعذيب في سوريا فماذا تريدون مني بعد، لقد اصبحت اتكلم اللهجة السورية ونسيت اسماء عائلتي فماذا تريدون مني؟". لكن الكلام لم ينفع فالمحقق اللبناني يريد استعادة التحقيق من جديد ويريد كتابة محضر. وفي نهاية المطاف بصمت هالا على ورقة ونقلت الى الشرطة العسكرية حيث امضت ثلاثة ايام قبل ان يتدخل احد السياسيين الموالين لسوريا قائلا لهم: ثماني سنين كافية لتأديبها فماذا تريدون بعد؟!.



أدمون رزق: وحده التمثيل الشعبي الحر يخفف الضغوط الخارجية على لبنان

 

ما حصل ولا يزال يحصل بين  القوى والجماعات السياسية اللبنانية، منذ انسحاب الجيش السوري من لبنان وانكفاء السيطرة الامنية والسياسية السورية على القرار اللبناني الداخلي، أراني ويريني ان العلة في العلاقة بين سوريا ولبنان، لا تكمن في المواقف السورية، ولا يحملني، تالياً، على قذف الكرة الى الملعب السوري، والتنصل من المسؤولية اللبنانية الأكيدة، مهما يكن حال المواقف  السورية وشأنها.

أنا أرى العلة الأساسية في أوضاعنا واحوالنا  الراهنة والماضية أيضاً، لبنانية داخلية، وتتمثل في أن اللبنانيين غير متلاقين أو متفقين على مبدئية الكيان اللبناني والوطنية اللبنانية. وإذا كان قد بدا منذ 14 شباط 2005 ان من كان متردداً في موقفه من لبنان ونظرته اليه، قد بدل نظرته وحسم موقفه بفعل  اغتيال الرئيس رفيق الحريري – وهنا أعني الطائفة السنية تحديداً - أراني أتساءل إن كنا دائماً في حاجة الى حادثة في حجم استثنائي كي نصل الى ما وصلنا اليه؟

إن ما تحقق كان ثمنه باهظاَ إذ ثمة شهداء كثيرين سقطوا وفقدهم لبنان، والطائفة السنية تحديداً، قبل الرئيس الحريري أذكر منهم الشيخ حسن خالد مفتي الجمهورية اللبنانية، والشيخ صبحي الصالح والشيخ أحمد عساف، والنائب ناظم القادري والاستاذ محمد شقير، والصحافي سليم اللوزي. هؤلاء وغيرهم مع وجوه وزعماء وسياسيين في الطوائف الأخرى، اغتيلوا وجرت تصفيتهم، الى أن فُجع لبنان برفيق الحريري، فوقف مفتي الجمهورية بالوكالة الشيخ محمد قباني ليقول: لقد طفح كيل السنة في لبنان!

 

أزمات الوطنية اللبنا نية

علينا قبل أي شيء آخر أن نعترف ان الشعب اللبناني ليس أمة، بل هو مجموعة من الطوائف، وأن المجتمع اللبناني مفكك وغير متماسك تماسكاً سياسياً، وان الدولة اللبنانية ليست دولة إلا في المعنى الشكلي، لأنها منخورة ومتشققة من داخلها. أراني أبرز هذه الوقائع والمعطيات اللبنانية الداخلية، وأركز عليها لئلا نكرر عدم استخلاص الدروس والعبر من تجاربنا المأسوية الماضية، فنهرب الى الأمام، ونلقي اللوم على العوامل والظروف الخارجية، ونتنصل من المسؤولية اللبنانية في ما يحصل.

هناك نوع من الفصام في الشخصية اللبنانية، يتكرر في أشكال كثيرة، منذ أيام الحكم العثماني وانشاء دولة لبنان الكبير. والفصام هذا لا تكمن علته في مسألة كيف ينظر الآخرون، سوريا وغيرها، الى لبنان واللبنانيين، بل هو يكمن في نظرة اللبنانيين أنفسهم الى أنفسهم وبلدهم، وفي طبيعة العلاقة التي ينسجونها في ما بينهم، وينشئونها مع جيرا نهم ومحيطهم، ومع اللاجئين الى بلدهم، وأعني الفلسطينيين.

في مطالع عهد الاستقلال اللبناني، مثلا، مرت العلاقات اللبنانية – السورية في شهور عسل طويلة. والبعث الذي حكم ويحكم سوريا ليس مصدر خوفي على لبنان. فلولا التفكك اللبناني الداخلي والمراوحة اللبنانية المستمرة في عدم التئام الجماعات اللبنانية وتماسكها حول وحدانية الولاء الوطني للبناني وحده، لما كان تأثير العوامل الخارجية على الأوضاع السياسية اللبنانية الداخلية، مأسوياً كما حصل في الحقب الماضية، وكما يبدو أنه يحصل اليوم. ذلك ان البعث الذي حكم سوريا ويحكمها، يستعمل شعاراته، من أمثال "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة" و"من المحيط، الى الخليج" وغيرها الكثير، من أجل القبض على الحكم والسلطان في سوريا نفسها. والشعارات هذه شأنها شأن غيرها في البلدان العربية منذ الناصرية في مصر، هي شعارات سلطة وتسلط، وليست شعارات حكم وحكومة، ولا تحمل برنا مجاً سياسياً. انها محض قماشة حمراء يُلوّح بها للناس والجمهور، لإغوائهم والتسلط عليهم وكمّ أفواههم الجائعة وإبقائهم في بؤسهم المديد، خارج السياسة والتمثيل السياسي الشعبي الصحيح والمطلوب. هذه الشعارات كلها، وغيرها المستجد منذ عقدين من السنين، كتلك التي تعبر عن الحنين الى استعادة الخلافة وإمارة المؤمنين الاسلاميتين، لا يمكن إنكار تأثيرها على الأوضاع في لبنان. لكن عدم الإنكار هذا يجب ألا يذهب ذلك المذهب الذي يدعونا الى تبرئة أنفسنا وسلوكنا، كلبنانيين، مما نحن فيه اليوم وكنا عليه في الأمس.

 

الضغوط الخارجية

هناك من يقول ان لبنان عاش سابقاً، أي منذ إنشاء دولة لبنان الكبير حتى اغتيال الرئيس الحريري وانسحاب الجيش السوري، أزمة إنتماء السنة الى الوطنية اللبنانية والدولة اللبنانية. وهذا القول غايته التمهيد لقول آخر يرى أننا اليوم، ومنذ الانسحاب السوري قبل سنة، نعيش أزمة إنتماء الشيعة الى الوطنية اللبنانية والدولة اللبنانية.

انا علمتني التجارب والخبرة ان هذه المقولات، إن كانت تتضمن شيئاً من الحقيقة، لا تعفينا نحن اللبنانيين من النظر والتبصّر في الأمور من زاويتها التاريخية اللبنانية الداخلية، وخصوصاً في ما يتعلق بالتمثيل الشعبي اللبناني على أسس حقيقية وصحيحة. فالضغوط الخارجية على لبنان وجماعاته الطائفية، يمكن التخفيف من قوتها وتداركها ومعالجتها والحؤول بينها وبين ان تؤدي الى الانفجار الداخلي اللبناني، في حال كان التمثيل الشعبي في الندوة البرلمانية وما ينبثق عنها في السلطة التنفيذية (الحكومة)، على قدر وافر من الصدقية والشفافية اللتين تتيحان للجماعات ألا تكون مكتومة التمثيل وغائبته، أو ملعوب بتمثيلها الى حدّ تزويره، لمصلحة تمثيل جماعات أخرى.

مثلا، لماذا جرى اختزال التمثيل الشيعي في الانتخابات النيابية الاخيرة، في "حزب الله" وحركة "امل"؟!

خبرتي ومعاينتي الميدانية، وكذلك شراكتي مع الشيعة في جزين والجنوب، تحملني على الجزم بأن حصر القرار  الشيعي والتمثيل الشيعي بـ"حزب الله" و"أمل"، ينطوي على إقرار بأمر واقع على قدر وافر من التزييف والتزوير، ناشئ عن إكراه مادي ومعنوي كبير، مصدره التكليف الشرعي، والاستقواء بالسلاح، والقضية المقدسة التي يُلوّح بها، وفتاوى الحرم والتحريم.

إن كان من شأن هذه الإكراهات والأساليب ان تفعل فعلها، فإنها وصلت الى مرحلة النفاد، وما عادت قادرة على أن تستميل الشيعة اللبنانيين، وتكرههم أكثر مما اكرهتهم. بل هي مرشحة قريباً الى أن تستعدي الرأي العام الشيعي، وتعيده في قرارة نفسه الى جادة الصواب. أي الى حيث يستطيع الشيعة أن يعبروا عن نفسهم وطموحاتهم، تعبيراً سياسياً وثقافياً صحيحاً، يؤمن لفئاتهم المختلفة مصالحها الحقيقية والفعلية في عيش حرّ كريم.

أقول هذا كي اضيف أن قانون الانتخاب الأخير هو الذي سلم التمثيل الشيعي كله الى فئتين اثنتين وحصره فيهما فقط. والأرجح أن ما حصل إنما حصل نتيجة عوامل مرحلية وظرفية في طريقها الى الزوال.

فالمسيحيون اللبنانيون عاشوا هذا الواقع سابقاً مع هيمنة "القوات اللبنانية" عليهم هيمنة كاملة ومقفلة حتى التشقق والانفجار والحروب التي دمرتهم. وتجربة المسيحيين المأسوية هذه يجب أن تدعونا الى استلهام الدروس والعبر منها. وهذا ما يدعوني الى استعادتها الآن.

قوة التمثيل الشعبي

فرغم كل ما حصل في لبنان بين 1975 و1989، بقي مجلس النواب وحده موحداً ومتماسكاً، ويستطيع القيام بواجباته، ولو في الحدود الدنيا، حتى قام رئيس الجمهورية أمين الجميل بالتخلي عن الدولة وسلطاته الدستورية وتسليم الحكم الى قائد الجيش الجنرال ميشال عون الذي، بدل أن يبادر الى تأمين الشروط القانونية والدستورية الضرورية لقيام مجلس النواب بانتخاب رئيس جديد للجمهورية، قام بمنع انتخاب الرئيس، وأدخل البلاد، وخصوصاً المسيحيين، في حروب داخلية مدمرة، هي التي أدت في النهاية الى سيطرة السوريين سيطرة كاملة على البلاد كلها والدولة كلها.

وحين هبت المبادرات الدولية والعربية لايجاد مخرج من هذه الحروب المدمرة، لم تجد هيئة لبنانية داخلية تعتمد عليها سوى مجلس النواب. وهكذا وصلنا الى اتفاق الطائف الذي لم تكن سوريا نفسها ترغب فيه وتريده، بل أُرغمت على القبول به، قبل أن تمنع تطبيقه طوال 15 سنة، فقامت بتعيين النواب وتنصيب رئيسين للجمهورية، وتلاعبت على هواها بالمؤسسات الدستورية والحكومية.

حصل هذا كله بعدما جرى اغتيال الرئيس المنتخب رينه معوض الذي مُنع من تسلم الرئاسة. والذي منعه هو تعنت الجنرال ميشال عون برفضه السير في خطة انقاذ البلاد. وهذه مسؤولية كبرى هي التي سمحت بما آل اليه الحال في لبنان آنذاك.

واليوم أين هي بوابة الانقاذ في لبنان؟

لا مفر من الولوج الى الانقاذ من بوابة وضع قانون مناسب للانتخابات النيابية يسمح لفئات الشعب اللبناني جميعها بأن تختار بحرية تامة ممثليها الحقيقيين والفعليين. فمجلس النواب الحالي لا يمثل اللبنانيين، لأنه منثق عن قانون لا يمكن أن يؤدي الى انتاج سلطة وحكم فاعلين. لقد جرى التلاعب بفئات الشعب اللبناني وطوائفه لتزوير التمثيل الشعبي، وخنقه، الى الحدود التي تؤمن للعوامل الخارجية (السورية) أن تظل مؤثرة وفاعلة فيه، حتى تعطيل الحكم. لكن هذه العوامل الخارجية ظرفية ولن تدوم الى الابد، وهي تشجع على ابراز التناقضات الداخلية وتفاقمها.

ودليلي الى هذا أن النواب الشيعة الذين كانوا منتخبين الى برلمان 1972، عبر حرية التمثيل الشعبي، لم يأت أي منهم الى مجلس النواب ذاك حاملاً فتوى شرعية أو تكليفاً شرعياً أو سجادة للصلاة. وفي المقابل لم يحمل أي من النواب المسيحيين، لا الصليب ولا الانجيل، الى مجلس النواب نفسه في تلك الفترة. على خلاف ذلك كانت برلمانات لبنان السابقة، اذ كان النواب فيها يتبارون لايجاد القواسم المشتركة والحلول، للحؤول دون الاحتقانات الطائفية والفئوية.

واليوم أرى من الخطأ القول إن المسيحيين وحدهم غير ممثلين في مجلس النواب الحالي. فالإرادة الشعبية مصادرة في معظم الطوائف، لمصلحة قوى متفردة ومفروضة: ساعة تيار، ساعة حركة، ساعة حزب... وهذه كلها مفروضة إما بالسلاح وإما بمصادرة التمثيل وحصريته، وباسم شعارات كلها مزيفة وعلى حدود السلبطة. وعندما نسعى الى تمثيل شعبي صحيح وصريح، لفئات الشعب اللبناني في ألوانه وطوائفه وأجياله المختلفة كلها، نكون قد بدأنا نتلمس الطريق الى تبديد العوامل الخارجية الضاغطة على لبنان واللبنانيين لإخراجهم من هذا المأزق.

أخيراً أختصر لأقول: لا يحق للسيد نبيه بري والسيد حسن نصرالله والسيد سعد الحريري والسيد وليد جنبلاط والعماد ميشال عون، لا يحق لهؤلاء جميعاً وغيرهم تعيين نواب الناس. فنحن في لبنان جمعنا الألم والعذاب والتهميش والمهانة والاذلال... طويلاً، فتعاقب علينا من تعاقب. لذا لا بد من أن يحل الوقت الذي يحملنا على الاعتراف بأننا جميعاً أخطأنا، كي نحاول أن نبني دولة ووطناً.


رضوان السيد: سوريا بعد مرارة انسحابها القسري مطمئنة إلى عدم التوافق اللبناني

 

مرغماً أجلى النظام السوري جيشه ونفوذه عن لبنان، بفعل تداعيات اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

والقوى السياسية اللبنانية الرئيسية، لم تتوافق في ما بينها على هذا الجلاء القسري الذي خلّف وراءه مواقف معارضة له من جماعات وأطراف لبنانية فوجئت به واعتبرته، ضمناً، يمس نفوذها وقوتها. ولهذين السببين المتداخلين، لم يأتِ الجلاء كاملاً. فالنظام السوري لا يزال يتدخل سياسياً وأمنياً في الشؤون اللبنانية الداخلية، وفي علاقات لبنان العربية والدولية.

وحتى الساعة لا يزال اللبنانيون مختلفين في شؤون إدارة البلد ورسم سياساته التي يحتم الجلاء السوري إعادة النظر فيها ورسمها من جديد.

واذا كانت القوى السياسية اللبنانية متفقة على العناوين العامة في ما يتعلق بالمشكلات السياسية العالقة، فإنها في حقيقة الامر غير متفقة فعلياً وعملياً الا على تسمية المشكلات الاساسية، وعلى نحو موارب وغير صريح. وهذا ما يحصل فعلاً في جلسات الحوار الوطني الراهن، التي ما أن يتفق المحاورون فيها على موضوع ما، حتى يختلفون في تفاصيله كلها.

 

حلفاء سوريا اللبنانيون

مثلاً، يستحيل عليك الآن أن تعرف ما هو موقف أطراف الحوار من مسألة انتشار السلاح الفلسطيني.

يقولون إنهم توافقوا على نزع هذا السلاح المنتشر خارج المخيمات. لكن المشكلة تكمن في كيفية تنفيذ هذا الامر. فالحكومة اللبنانية الساعية في تنفيذ قرار نزع السلاح الفلسطيني من خارج المخيمات، لا تحظى بدعم الذين وافقوا على هذا القرار.

وقد توافقوا ايضاً على مبدأ إقامة علاقات سورية – لبنانية طبيعية، وكلفوا رئيس حكومة لبنان إجراء محادثات مع الحكومة السورية في هذا الشأن. لكن المشكلة لا تكمن فقط في أن الحكومة السورية لم توافق على جدول أعمال المحادثات الذي قالت الصحف إن رئيس الحكومة اللبنانية أرسله الى سوريا تمهيداً لزيارته لها، بل تكمن ايضاً في أن بعض الاطراف اللبنانيين من حلفاء سوريا والذين وافقوا على مبدأ العلاقات الطبيعية، لا يدعمون رئيس الحكومة اللبنانية في الموضوعات التي تضمنها جدول الاعمال.

أنهم يفوّضون رئيس الحكومة القيام بالمفاوضات، ولا يقفون معه حين يضع جدول أعمالها. فالفريق اللبناني المتحالف مع النظام السوري، يقول إنه يؤيد مبدأ العلاقات الطبيعية، لكنه يضيف انه لا يستطيع التأثير على هذا النظام في حال عدم موافقته على هذا الامر او ذاك.

إذا أردنا التثبت من هذا السلوك، فلننظر الى ما يفعله حلفاء سوريا من السياسيين اللبنانيين. فبين أوائل نيسان الحالي ومنتصفه، لم يترك هؤلاء سبيلاً الى إعلان مواقفهم المتشجنة في ما يقومون به من اجتماعات وتجمعات، وفي تصريحاتهم وخطبهم الملتهبة المهددة.

خلاصة الامر تتجلى في مشكلتين:

-1 لم يأتِ الخروج السوري من لبنان نتيجة تفاوض وتوافق بين السوريين والقوى السياسية الاساسية في لبنان، بل إن هذا الخروج جاء استثنائياً وعاصفاً ومريراً، تاركاً وراءه التأثير السوري الكبير والتدخل السوري الواضح في الشؤون اللبنانية، سياسياً وأمنياً وديبلوماسياً. ولذلك تجد النظام السوري مطمئناً الى عدم إطمئنان لبنان، والى عدم استقرار أوضاعه الداخلية وتوافق قواه السياسية على نحو عملي وفعلي.

-2 إن الاطراف السياسية اللبنانية لم تستطع التوصل الى توافقات في ما بينها – من دون أن نتحدث عن إجماعات – حول المسائل الوطنية الرئيسية التي لم تعالج سابقاً وتُركت معلقة منذ إبرام اتفاق الطائف، بسبب الوجود السوري في لبنان.

نعم إننا اليوم في قلب مشكلات لبنانية كبرى، يزيدها تفاقـــماً ان المشكلات الاقليمية القائمة في المنطــقـــة والـــتي تتجمع اليوم تحـــت عنـــوان المواجهة الاميركية – الايرانية، تنوء بثقلها على لبنان وتضعه في فلك من عدم الاستقرار السياسي والاستراتيجي.

والأمل معقود على بقاء هذه المواجهة في إطارها السياسي، من دون أن تصل الى حالة عدم الاستقرار الأمني.

والأمل معقود ايضاً على أن يصل الحوار الداخلي اللبناني، إن لم يكن الى نوع من التوافق، فإلى أفق يمكن التقدم فيه نحو التوافق في الأشهر المقبلة.

 

فقدان التوازن والتوافق

حتى لو توافر انتظام أو توافق داخلي لبناني أساسي، بين الكتل السياسية والطائفية الكبرى في البلاد، لا نستطيع القول إن المأزق اللبناني – السوري قد جرى حلّه وتجاوزه في ما يتعلق بإقامة علاقات لن أسميها ندية، بل متوازنة بين دولتين مستقلتين وجارتين، إنما نستطيع القول إن التوافق اللبناني يقلل من صعوبة المأزق القائم بين الدولتين، لأنه يمكّننا من التفاوض مع سوريا في صوت واحد موحد.

واذا كان التوافق اللبناني الداخلي غير متوافر حتى الساعة، فان مصلحة النظام السوري تقتضي عدم توافره ابدا، وهو يعمل جاهدا ليظل على حاله معلقا ومضطرباً.

ان لبنان اليوم، وربما في كل وقت، يحتاج الى التوافق او الاجماع حول سلوك الحكم ومواقفه في المسائل الاساسية، لأن نظامه ديموقراطي توافقي، وليس ديموقراطيا يقوم الحكم فيه على ما تقرره اكثرية حاكمة تستطيع الاقلية ان تعارضها على نحو لا يعطل الحكم نفسه، اي على نحو ما يحصل في الانظمة الديموقراطية المعروفة في العالم.

ما يحصل الآن في لبنان ولم نتنبه اليه من قبل، هو ان البلد لم يعد قراره مرهونا بمواقف ثلاث جماعات سياسية – طائفية اساسية وكبرى، هي الموارنة والسنّة والشيعة، بل صار مرهونا بمواقف جماعتين سياسيتين كبريين هما السنّة والشيعة اللتين لكل منهما زعامته الواحدة الموحدة، فيما الجماعة الثالثة، اي المسيحية عموما، منقسمة وغير موحدة الزعامة. ثم ان هناك فريقاً من هذه الجماعة تحالف مع تيار "المستقبل" وفريق آخر تحالف مع "حزب الله". وهذا يعني ان الجماعة المسيحية لم يعد لديها صوت مستقل مؤثر ليلعب دورا فاعلا وراجحا في الخلافات السياسية اللبنانية، على ما كان عليه الحال ايام ما يسمى "الهيمنة السياسية المارونية"، حينما كانت "المارونية السياسية" تشكل قطب الحياة السياسية اللبنانية او محورها، ولها امتداداتها في الجماعات السياسية الاخرى التي كانت تنقسم وتنتظم حول الانقسامات  السياسية المارونية او المسيحية نفسها.

هذا الشكل من الانقسامات كان يؤمن توازنا سياسيا، يتيح لهذا الحلف السياسي او ذاك ان يلعب دور الموازن او المعترض او من يملك حق الفيتو في الامور السياسية الداخلية والاقليمية.

اليوم يفتقد لبنان السياسي قوة سياسية رئيسية، او حلفاً سياسياً يخترق الجماعات الطائفية، يناهضه حلف آخر يخترق الطوائف ايضا، كي تتوازن الحياة السياسية الوطنية وتنتظم  بين الجماعات والطوائف اللبنانية. اما فكرة الاكثرية البرلمانية التي تؤمن ركيزة الحكم في البلاد، من دون ان تكون هذه الاكثرية مختلطة طائفيا او تخترق الطوائف، فهي فكرة لم نعتد عليها. لقد بقي الوضع على ما كان عليه سابقا، رغم ان دستور الطائف يقول غير ذلك. لكن الواقع ان هذا الدستور لم يحكم، بل بقي معلقا. فالسلطة السياسية التي انبثقت عن اكثرية نيابية واجتمعت اكثرية حاكمة في مجلس الوزراء، والتي يخولها الطائف ان تتخذ قراراتها بالتوافق او الاكثرية في القضايا الرئيسية والتفصيلية، ان هذه السلطة السياسية الراهنة غير قادرة على حسم مواقفها والسير فيها قدما، لاسباب كثيرة منها انها غير متوافقة في المسائل والمشكلات التي نجمت عن الخروج السوري.

لقد كان المسيحيون اللبنانيون اصحاب المطلب الملح والرئيسي الذي يتمثل بالانسحاب السوري وباستقلالية القرار اللبناني. وبما ان هذا الانسحاب قد تحقق، يفترض بالمسيحيين ان يكونوا طرفا رئيسيا فاعلا، وعلى توافق في ما يتعلق بالملفات السياسية الوطنية الراهنة. لكن الواقع المسيحي في حقيقته ليس على هذه الصورة من الفاعلية اليوم، ليس بسبب تضاؤل عدد المسيحيين، على ما يقال ويتردد احيانا، بل لأن الفريق السياسي المسيحي منقسم تيارين غير متقاربين او متوافقين، وكل منهما مصطف الى جانب القوتين السياسيتين الطائفيتين الكبريين في البلاد، اي السنّة والشيعة.

لذا اظن ان المشكلة السياسية الراهنة اليوم في لبنان تتمثل في ضعف فاعلية القرار المسيحي، وفي ان تيار العماد ميشال عون لم يوافق اصلا على اتفاق الطائف. فالعماد عون، رغم ان الطائف قد امسى دستورا، لا يزال يعتبر ان تطبيقه ليس بالامر الملح ولا هو من الاولويات. لذا تجده في مواقفه السياسية اليومية يتحدث في مسألتين اثنتين فقط: الفساد ورئاسة الجمهورية، متجنبا الكلام في ضرورة تطبيق الدستور الذي تعطل بسبب الوجود السوري.

وقد تكون المشكلة الثانية الراهنة والتي تفوق الاولى صعوبة، متمثلة في ان فريقا سياسيا وطائفيا لبنانيا اساسيا وكبيرا، هو الشيعة، يملك رؤية خاصة به للبنان ودوره ومستقبله، معتبرا ان لبنان دولة مواجهة ضد اسرائيل في المنطقة. ورؤيته هذه تنطوي ايضاً على نظرة خاصة به لعلاقة لبنان بايران وسوريا واميركا واوروبا. وهذا ما يسميه المواجهة المفتوحة للمخططات الاسرائيلية – الاميركية في المنطقة، والتي تحتم عدم خروج السوريين من لبنان. اما وقد جرى اخراجهم قسرا، فمن الضروري ان تكون سوريا حليف لبنان الأقرب والرئيسي في هذه المواجهة.

لا ادري، اخيرا، الى اي حد وفي اي وقت يستعد هذا الفريق السياسي الشيعي الى الكلام جديا في مسائل بناء الدولة والالتزام بمنطقها، وعلاقة ما يسمى سلاح المقاومة بالدولة. ان هذه المسائل الشائكة لم يجر، حتى الآن، بحثها جديا وفي اجواء حوارية هادئة، بعيدا عن الشعارات والخطب.

في انتظار البحث الجدي والهادىء في هذه المسائل الشائكة، يقول هذا الفريق السياسي في شعاراته وخطبه وسلوكه: ها أنذا جالس في وسط الساحة حاملا مصالحي ونظرتي ورؤيتي وسلاحي وتحالفاتي، وعلى الآخرين ان يتلاءموا معي، من غير ان ابادلكم التلاؤم.

اقول هذا غير ساع في توزيع التهم، قدر سعيي في ايضاح المشكلة التي يتعذر حلها حتى الآن، لتعذر التوافق على عدد من المسائل الاساسية، اهمها في الوقت الراهن عقدة رئاسة الجمهورية، وفي المدى الاستراتيجي سلاح "حزب الله".

وهذا ما يضع لبنان في مهب احتمالات كثيرة.

 

(•) جامعي وباحث لبناني في الاسلاميات ومستشار الرئيس فؤاد السنيورة.

 

سجّل المقابلتين وكتبهما محمد أبي سمرا

Login to your eMail Account
Email:  
Password: