Top stories

 

 

Click for the latest Montreal weather forecast.
Click for the latest Montreal weather forecast.

 

 

 

ماذا ترك الانسحاب العسكري السوري وراءه في لبنان؟ [ 2 ]

النهار 2006/04/27

عنجر تعود إلى ذاتها ولا تنسى

 

مدينة عنجر وسهل البقاع.

عنجر – دانيال خياط:

مع مضي عام على خروج آخر جندي سوري من لبنان، ونهاية حقبة حكم النظام السوري للبنان بواسطة ضباط مخابراته الذين اتخذوا من بلدة عنجر البقاعية مقرا لقيادتهم بات اسم عنجر يستعمل كمصطلح سياسي – امني طغى على كل مميزات البلدة السياحية والاثرية والطبيعية التي اشتهرت بها، ودخلت في القاموس اللبناني عبارات "حكم عنجر"، "اوامر عنجر"، "عرج على عنجر" و"اوقف في عنجر".

مفارقات عدة تجتمع في البلدة التي اتخذتها المخابرات السورية مقرا لها:

عنجر "الباب العالي" للحقبة السورية التي قاسى خلالها اللبنانيون الذل والاضطهاد والقمع الى ان انتزعوا من العالم الدعم لاستعادة حريتهم وسيادتهم واستقلالهم، وهم لا يزالون يتخبطون لاقفال ملف واحد من الملفات المفخخة التي خلفتها لهم حقبة النظام الامني السوري – اللبناني وعلى رأسها قضية المعتقلين في السجون السورية، وهي البلدة التي يقطنها لبنانيون من اصل ارمني الذين ارتكبت بحقهم واحدة من افظع مجازر القرن العشرين ولا يزالون يصارعون لانتزاع اعتراف دولي بالابادة الجماعية للشعب الارمني ومحاكمة تاريخية لمرتكبيها.

ويأتي تاريخ 26 نيسان، ثمرة "انتفاضة الاستقلال 2005" التي استعاد فيها الشعب اللبناني زمام تقرير مصيره، بعد يومين من ذكرى "الابادة الارمنية" التي شتت شعبا في ارجاء المعمورة استقر قسم منهم في عنجر.

اهالي عنجر الارمن الذين سيحيون الذكرى الاليمة الخاصة بهم لم يقيموا الاحتفالات بالذكرى السعيدة التي يشاطرونها مع مواطنيهم من الشعب اللبناني بمرور سنة على جلاء الجيش السوري ومخابراته عن ارضهم. وهم لم يحتفلوا يوم اخلت المخابرات السورية بلدتهم على غرار ما شهدته مدن وبلدات عدة في لبنان، ففي 25 نيسان من العام الفائت تابع بعض اهالي عنجر عن بعد رئيس جهاز الامن والاستطلاع في الجيش السوري العميد رستم غزالي يسلم مفاتيح المنزل، الذي اختاره سلفه الراحل غازي كنعان ليكون مكتبه الذي ادار منه شؤون لبنان، وبعدما غادر الى غير رجعة لم يرقصوا في الشوارع ولم يسارعوا الى رفع العلم اللبناني. ولكن اذا كانت عنجر لم تحتفِ بتحررها من احتلال الجيش السوري ومخابراته فانها في المقابل لم تقم له الاحتفالات خلال فترة حكمه التي ناهزت الثلاثة عقود على غرار الاحتفالات التي اقامتها مدن وبلدات عدة في لبنان، وان كان لا بد من ان تتضمن الاحتفالات الخاصة بالبلدة لازمة "وحدة المسار والمصير" الى آخر المنظومة.

في واحدة من المناسبات التي كانت تقام في لبنان احياء لتواريخ على روزنامة النظام السوري وبينما كان الخطباء يتبارون فوق المنبر في التبجيل بالرئيس الراحل حافظ الاسد وذريته قبل ان يتسابقوا اليوم على ادانتهم، كانت نسوة ارمنيات عائدات من القداس فتفاجأن بالاحتفال الذي اقيم في ساحة بلدتهم خلف القلعة، ولدى عبورهن امام المحتفلين انكمشن على انفسهن وسرن بمحاذاة الحائط بخطى سريعة للوصول الى البيت. بعد مضي ايام وتداركا للغياب الارمني الفادح عن الاحتفال الذي نظمه آخرون في بلدتهم كان من الضروري ان يتوجه وفد من فعاليات عنجر الى مكتب الراحل غازي كنعان وان تدعى الصحافة لتغطية الخبر. قد تختصر تلك الواقعة علاقة ارمن عنجر بحقبة الحكم السوري للبنان.

فمعظم اهالي عنجر عايشوا هذه الحقبة كمعظم اللبنانيين، لم يقاوموها ولم يتملقوها، بل على طريقة "ابتعد عن الشر وغنّ له". فالبلدة التي ضمت اكبر تجمع للجيش السوري ومخابراته تقلص حجمها بالنسبة الى اهاليها، فثمة طرق واحياء امتنعت عليهم لان الادوات الامنية شغلتها، كما ان كثرا منهم قصروا تحركاتهم بحيث تفادوا قدر المستطاع المرور في المربعات الامنية السورية التي تغللت في بلدتهم.

اهالي عنجر الارمن كتومون حين يتعلق الامر بالحديث عن حقبة الحكم السوري لوطنهم انطلاقا من بلدتهم، وهو امر في مصلحة كثر من اهل السياسة والقطاع الرسمي والاعلام والاقتصاد والاجتماع في لبنان الذين شاهدهم اهالي البلدة لسنوات "يحيكون" الطرق بين مكاتب ضباط المخابرات السورية ورئيسهم او ينتظرون اتصالا يعطيهم الاذن بالدخول. الرياء ليس من خصال اهل عنجر واذا ما جاروك في الحديث عن الحقبة السورية في لبنان لانهم لا يدعون بطولات ولا "يبهّرون" رواياتهم، فهم بكل بساطة تعاملوا مع الوجود السوري في بلدتهم، كأمر واقع، عليهم ان يتعايشوا معه من دون اختلاق مشكلات لن تعود عليهم سوى بالويلات. حاولوا ان يحافظوا على بلدتهم التي زرعوا فيها رفات شهدائهم في جبل موسى وعلى وجودهم فيها الذي كبّد اسلافهم تضحيات كبيرة، فلم ينخرطوا في الكباش الذي دار بين اللبنانيين الذين انقسموا بين مطالب بخروج الجيش السوري ومخابراته وبين متمسك به ما اطال امد نير "سوريا الاسد" عليهم الى ان كانت فاجعة 14 شباط.

سبب آخر يدفع اهل عنجر الارمن لتدوير الزوايا لدى حديثهم عن الحقبة السورية في لبنان، فهم يخشون ان ترتد مواقفهم سلبا على الجالية الارمنية في سوريا التي تربطهم بها صلات القربى، فيما هم يكابدون اليوم مع بلدهم محاولات تدفيع البلد الصغير غير المحصن ثمن نصره.

تجول اليوم في عنجر من دون ان تجد اثرا يدلك على ان هذه البلدة كانت عرينا لمخابرات الجيش السوري حتى الفيلا التي كانت مكتبا لرئيس فرع الامن والاستطلاع الذي حكم لبنان لم نعد نميزها من النظرة الاولى، الاثر الوحيد الذي يذكر بهم، اوراق ملصقة على ابواب عدد قليل من المنازل، التي لم يعد اليها أهلها بعد ان اخلاها الجيش السوري ومخابراته، تمنع دخولهم قبل مراجعة الجيش اللبناني، لقد نفضت عنجر عنها كل ما يربطها بالمصطلح السياسي – الامني الذي وسمت به.

عنجر هي اجمل بلدات البقاع بطبيعتها التي منحها اياها الخالق وبهندستها فهي البلدة الوحيدة في لبنان التي وضع لها مخطط توجيهي قبل بنائها، وهنا تكمن ايضا واحدة من مفارقات عنجر التي جعلها مخططها التوجيهي على شكل نسر رأسه كنيسة مار بولس وينقسم جناحاه الى 3 احياء اعطيت اسماء قرى جبل موسى في لواء الاسكندرون، وهي ايضا بلدة مزدهرة سياحيا. هذه النهضة الجمالية وهذا الازدهار في عنجر لا يعود الى انها كانت محظية لانها كانت مقرا لقيادة مخابرات الجيش السوري كما يعتقد البعض بل يعود الى نشاط اهلها وبلديتها للحفاظ على ما تركه لهم الاسلاف وتطويره في اطار خطة لاعطاء قيمة مضافة للعامل السياحي فيها. في الواقع فان الوجود السوري كان يكلف بلدة عنجر خدمات بالملايين وعشرات آلاف الدولارات، والكهرباء التي امنتها الدولة اللبنانية لعنجر 24 ساعة في وقت قاسى اللبنانيون التقنين، سيدفعها اللبنانيون ومن ضمنهم اهالي عنجر من خزينة دولتهم ومزيدا من التقنين بسبب عجز كهرباء لبنان المالي.

صحيح ان عناصر الجيش السوري ومخابراته لم يتعرضوا لاهالي عنجر بالاذى على اشخاصهم، لكن اهالي البلدة لم يشعروا بالامان كل تلك السنوات وتعرضوا كما كل اللبنانيين للضغط تارة تلبية لرغبة ضابط وطورا ادعاء بان تلك هي رغبة الضابط.

وقد شكل النزاع القائم بين بلدية عنجر – حوش موسى والاوقاف الاسلامية حول بعض الاراضي في البلدة مادة ابتزاز للمخابرات السورية التي اتقنت سياسة "فرّق تسد".

مع وجود الجيش اللبناني في عنجر يقول الاهالي ان الامن بات اكثر استتبابا وخفت السرقات. واذا كان ارمن عنجر اقاموا تكريما رسميا لجيشهم فان التقدير الشعبي له تجلى بخروج الاهالي من منازلهم ليصافحوا عناصره ويرحبوا بهم.

ما الذي تغير في عنجر بعد عام على خروج الجيش السوري ومخابراته من لبنان؟

لقد عادت الروح اليها بعدما استعادها اهلها المقيمون والنازحون والمهاجرون واستعادوا منازلهم وحرية التحرك في شوارع بلدتهم، وعادت الى الخريطة السياحية للكثير من اللبنانيين الذين امتنعوا عن زيارتها طيلة فترة السيطرة السورية مما يبشر بمواسم سياحية مزدهرة. ولكن الاثر النفسي لا يزال موجودا فقد قال احدهم انه كلما مر بالموقع السابق لحاجز المخابرات السورية عند مدخل البلدة يبحث بعينيه عن عنصر الحاجز، وروت سيدة انه بفعل العادة لا تزال كلما صعدت لتنشر غسيلها على السطح تتصرف بالحذر نفسه الذي اعتادته طيلة السنوات التي عاش فيها عناصر من الامن السوري في المنزل المجاور لها.


سنة على تحرر اللبنانيين من مراكز المخابرات

غسان سعود

 

غزالة عند مغادرته عنجر.

عام مضى على انسحاب الجيش السوري ومخابراته من لبنان. الا أن مآثر رجال البعث المؤمنين بعبثية نهائية الكيان اللبناني، لا تزال حاضرة في أذهان لبنانيين كثر. وفي المناطق التي كانت خاضعة لحكمهم المباشر ما زال الاهالي يحاولون التأقلم مع حقيقة أن العسف السوري لن يدوم في منازلهم وبلداتهم الى الابد.

أدوات تعذيب، ملفات محروقة، ومحاولات طلاء الجدران الممتلئة بالشعارات، ولبنانيون غير مصدقين ما يحصل، يتنقلون في مناطقهم شمالاً وجنوباً وساحلاً وجبلاً وبقاعاً متجمعين ضد تماثيل البعث وصوره، هاتفين للتحرير والتحرر من "سوريا الاسد الخالد مهد العروبة".

من البوريفاج في بيروت باتجاه البترون وحلبا شمالاً، وضهور الشوير جبلاً، وعنجر بقاعاً، توزع المدمرون لتماثيل "أب البعث". لقد محوا آيات المجد التي كتبت قبل سنوات على حيطان مراكز حزب الأبد، ودخلوا الى المراكز التي احتلها حماة الاهالي من "العدو الاستراتيجي" وجعلوها مقراً للتحقيق والتعذيب. فكانوا يكتشفون غرفاً وزوايا هي جزء من بلداتهم وتاريخهم، منعوا سابقاً من مجرد تخيلها، فأسقطوا ذكرها من أحاديثهم اليومية. واستعرض كل واحد منهم قصته مع نوع مميز من اساليب التعذيب. وبحثوا في الغرف عن أجزاء من كرامتهم التي تعرضت للتدمير. وجالت في عيونهم دموع الغصات والتنهيدات من قسوة "الاشقاء" الكبار حين يستبدون في حبهم ويقسون في تربية اشقائهم الصغار.

كانت هرولة البيروتيين الى فندق البوريفاج مفاجئاً وعفوياً. فما ان خرجت آخر شاحنة حتى وصل بعض الشبان الذين رسموا أعلاماً لبنانية على الحيطان ورفعوا العلم اللبناني، ومن ثم غادروا فرحين قبل أن يصل رئيس جهاز الامن والاستطاع في القوات السورية العميد رستم غزالة الذي تفقد المبنى للمرة الاخيرة ثم غادر لبنان. أما في ضهور الشوير فحظيت "فيلا جبر" بالقدر الاكبر من اهتمام المواطنين الذين اثار فضولهم إكتشاف أحد أكبر المراكز السورية في جبل لبنان. والفيلا الحجر التي أمضى فيها الرئيس كميل شمعون وزوجته شهر عسلهما كانت عنواناً شبيهاً بعنجر والبوريفاج ومركز حلبا من حيث بث الذعر بين المواطنين الذين أدمنوا استنساخ الوقت المهدور في واقع جامد لا يتغير في زمن حكم الصنم الأبدي. الساكنون في بلدات كانت ترابط فيها المراكز السورية كانوا أكثر حذراً وجدية في اقتفاء آثار الممارسات البعثية المغلفة بنظم وعادات تجعلها أقرب الى القيم والفرائض الديكتاتورية، التي ثبتت ملامح الحذر والخوف في عيون الكبار والصغار، فغدا السكوت إلتزاماً مستمراً يتعهده الاهالي حتى في حلقات الحوار الضيقة حذراً من وهم يمنح الحجر نعمة السمع. وانتشرت بين الاهالي أمثال شعبية على نسق "الإيد الما فيك عليها بوسها ودعي عليها بالكسر" و"العين ما بتقاوم مخرز". وتماهوا مع قيم العبودية للحصول على بركة المستبد، ووضعوا جانباً كرامتهم وعزتهم وثقتهم بنفسهم، وبايعوا صعاليك المخابرات السورية ورموز السلطة التي استمدت شرعيتها من تفويض خارجي.

كانت لحظة خلاص من ماض جامد ثقيل ممتلئ باغتيال الآمال ومصادرة الاحلام. فأشجار الصنوبر والكنائس والاديرة والفنادق في ضهور الشوير وبولونيا، كما قلعة بعلبك في البقاع، وشاطئ الرملة البيضاء بالقرب من البوريفاج، عاد اليها جزء من الجمال المسروق من صور الأسرة الخالدة وشعارات الاصرار على الانصهار العروبي ضمن مبادئ البعث! وعقيدة الوحدة والصمود وقدسية الحاكم.

بعد عام على انسحاب مخابرات نظام الصمود العربي، وسقوط التماثيل وأقواس النصر، واختفاء لافتات تمجيد سوريا الاسد وشعارات الاصرار على وحدة المصير و المسار، وانتهاء عهد الخوات والاستجوابات الطويلة والمليئة بالكلمات البذيئة، بعد هذا كله يحاول أهالي البلدات التي استطونها الخوف أكثر من ثلاثين عاماً، أن يتأقلموا مع الحرية والسيادة والاستقلال التي صورها البعث هرطقات وثنية تبثها العقيدة الصهيونية وشعوذات اميركية تهدف الى ضرب الأمة العربية الواحدة. فكثير منهم فتح عيونه على حقيقة أن "سوريا الاسد" لا تقال الا مسبوقة بكلمة "الأزل" وملحقة بكلمة "الأبد". أما الحرية والسيادة والاستقلال وجميع المفردات "الغبية" فمصيرها الذوبان في خرافة الأمة العربية الواحدة.


من الملجأ الى الشارع فالمخافر والسجن

صور من نضال طالبي ضد الاحتلال السوري

ماري كلير فغالي

 

الانسحاب السوري عند الحدود.

لم اكن ولدت يوم دخل الجيش السوري الى لبنان. لذا، لم أعرف عنهم في طفولتي الا انهم يحتلون نصف البلاد، وأكثر من 90 في المئة منها في مراهقتي، ويقتلون ويسرقون الثلاجات وسيارات المرسيدس.

تربيت مع اولاد الجيران في الدكوانة على حب الجيش، جيشنا، خصوصاً ان نصف الجيران كانوا من "رجال الدولة"، سواء في الدرك او في الشرطة او في "الانصار" المتطوعين لنصرة رئيس الحكومة الانتقالية وقائد الجيش آنذاك العماد ميشال عون، والذين كنا نعطيهم ما بقي من زادنا من فاكهة اثناء عودتنا من المدرسة، وعلى الحواجز احيانا. كانت الفاكهة آنذاك عملة نادرة، لأن شراءها كان يستوجب العبور الى "الغربية" اي "المنطقة المحتلة"، حيث السوريون. وكم كنا نسر عندما يبادلنا العسكريون اللبنانيون في ثكنة الفنار، على طريق عودتنا من مدرسة "العائلة المقدسة" حبات الجنارك والمشمش بالاعلام اللبنانية.

 

أيام الخوف

"العهد السوري" بالنسبة الي، ولكثير من ابناء جيلي، بدأ فعلاً بعد 13 تشرين الاول 1990، اي بعيد اجتياح "المنطقة الحرة" حيث كنا نعيش. اذكر جيداً صوت الجنرال ميشال عون المتهدج وهو يطلب الى الجيش "حفاظاً على ما تبقى، وحقناً للدماء (...) تلقي الاوامر من العميد اميل لحود". يومها، في الملجأ حيث اختبأنا بدأ الناس بالبكاء، ولم افهم شيئاً. بكيت كغيري، ولم اعرف الا في اليوم التالي "اننا خسرنا"، لما راح يردد الجميع ان السوريين دخلوا المنطقة.

كان صوت الدبابات لا يزال يهدر في اذني عندما سارعت جدتي الى احراق الاعلام اللبنانية التي خبأتها تحت الفراش ومعها صور للجنرال أعطانا اياها الجنود والمتظاهرون في "قصر الشعب"، مع أقلام فوسفورية ملونة تكرم علينا بها احد الشبان بعدما سمعنا نتذمر - شقيقي الاصغر وانا - من طول المسافة التي قطعناها سيراً من الحازمية الى بعبدا للقاء الجنرال ابان التظاهرات. بين الاوراق ايضا قصيدة استغرقت معلمة اللغة العربية في الصف الابتدائي أكثر من أسبوع في تصحيحها كتبتها لأتلوها في حضرة الجنرال يوم نزوره مع وفد من المدرسة.

لكن معرفتي الاولية بالجيش السوري سوف تتوثق، بعدما سمعت عنهم حكايات تناقلناها، رفاقي وانا، في حمامات المدرسة همساً، حيث كنا نحاول ضبط انفسنا لئلا نضطر الى دخول الحمامات في الملاعب المحتلة، متخيلين كيف قتلوا عناصر الجيش الذي اطعمناه حصصنا من الجنارك والمشمش. فهم من تاريخ دخولهم "المناطق الحرة" وحتى اول عملية "اعادة انتشار موضعية"، احتلوا ملاعب مدرستنا، والكاراج الواقع امام دير الراهبات وأكثر من نصف مباني كلية الآداب المتاخمة. كنت اراهم يعدون في الصباح في باحاتها يومياً بالشورتات ويجبرون التلاميذ على اقفال الشبابيك في "الاوتوكار"، بعدما اقدم احد طلاب مدرسة "المون لا سال" المجاورة على رشق احد الجنود السوريين بزجاجة "بيبسي" فارغة وأدماه.

 

نافذة الحرية

أول أشكال "المقاومة" بدأناها يوم قررنا التمرد على قرار منعنا من فتح شبابيك "الاوتوكار"، صديقتي نادين وانا. كنا اعتدنا ان نجلس مداورة الى جانب الشباك، ويومها كان دوري. وصلنا الى الحاجز، واذا بالعسكري يسأل السائق: "ليش فاتحين الكزلووووك"؟ فأجابه: "يرفضان اقفاله، اسألهما". وقف العسكري وسألني: "مو قلنالكن ممنوع تفتحوا الكزلوك؟ سكروا لشوف"، فرفضنا. اذكر في تلك اللحظة ان صمتاً غريباً كان يلقي بثقله على الاوتوكار، لأنني كنت اسمع نبضات قلبي وقلب نادين وكأنهما يخفقان داخل اذني. قلت له: "شوب كتير يا استاذ وما بدي سكرو". احتقن وجهه وبدأ يصيح. خفت. لم افهم منه الا عبارات "انزلوا لشوف"... فأقفلنا الشباك، وانطلق بنا الاوتوكار. في اليوم التالي عممت ادارة المدرسة على السائقين منعنا من فتح الشبابيك. فكانت جولتنا الاولى مع السوريين خاسرة.

• • •

صيف 1992، عند مرورنا على احد حواجز الجيش السوري في وادي شحرور طلب الجندي الى والدتي المضي سريعاً. كان شقيقي في سيارة ثانية خلفنا تقودها عمتي. رأيناها تتوقف، تسير امتاراً قليلة، ثم سمعنا رشق رصاص ينهال عليها. بدأت امي تصرخ، فأمرها السوريون بالابتعاد والا لاقت المصير نفسه... مرت الحادثة المروعة على خير ولم يصب أحد بأذى. كان مجرد اختلاف في الاوامر بين جندي سمح لعمتي بالمرور وآخر طلب منها التوقف، وعندما امتثلت للأول  ثار غضب الثاني فأطلق النار. يومها قررت أن لا أحب الجيش السوري واني لن احبه يوماً.

كبرت اذا في مدرسة محتلة، وفي منطقة محتلة... الى ان حان وقت دخولي الجامعة. في كلية العلوم ثم الاعلام في الفنار، امتلأت ذاكرتي بحكايات اهالي المنطقة ومغامراتهم مع عناصر الجيش السوري الذي احتل اكثر من مركز، بما في ذلك ثكنة الجيش التي كانت تمدنا بالاعلام اللبنانية في طفولتنا.

عبثاً يعد طالب عاش القصف والقهر وقضى معظم سنوات اللعب بين الجدران،  اهله بالابتعاد عن العمل السياسي في الجامعة. وكان الاقرباء ينصحون عائلتي بإرغامي على الابتعاد عن العمل السياسي في الجامعة، مرددين عبارة أكرهها: "صبايا، شو بدكن بالهشغلة".

 

من الجامعة الى الطريق العام

لم اتجاوز خوف خوض العمل "النضالي" الطالبي إلا بعد شهرين على بدء الدروس في كلية العلوم. كانت "حرب التحرير" الجديدة بالنسبة الينا تتمثل بالقدرة على توزيع البيانات المنددة بالاحتلال على باب الجامعة، حيث يتربص بنا صقور المخابرات، كتانغو والعنكبوت وابو امين والسماك. لم نعرفهم الا بالقابهم، ومن سيارة البيجو البيضاء التي كانت تقلهم الى الجامعة للبحث عن مرتكبي جرم توزيع البيانات. كان تانغو أكثر من يخيفنا: قصير القامة، اسمر، يزرع في اذنه اليسرى سماعة سوداء مدعمة بنظارتين سوداوين لا يخلعهما. كنا نظن ان لقبه "تانغو" لأنه "يرقّص" الطلاب خوفاً، لكننا ساويناه بأصدقائه، وصرنا نناديهم كلهم "فسّيدو".

انتقلنا تدريجاً – نحن "الفتيات في السلاح" - من توزيع البيانات الى التحضير للتظاهر ضد الاحتلال في المناسبات الوطنية الكبرى كـ13 تشرين وعيد الاستقلال و14 آذار، او عندما كان عناصر المخابرات يوقفون احد زملائنا أو يخفونه.

نزعة التفريق بين الرجال والنساء في المجتمع اللبناني خدمتنا: فعناصر الامن لم يشكوا يوماً اننا ننقل في كل مرة الى نقاط التوزيع – كالجسور وتقاطع الاوتوستراد في الدورة وبرج حمود والزلقا (حيث مركز مخابرات الجيش اللبناني) ومارت تقلا – أكثر من اربعة آلاف منشور مخبأة داخل قمصاننا او في اسفل سراويل الجينز، ومربوطة حول الساق. حتى انهم عند توقيفنا بجرم "المس بسمعة دولة شقيقة" او "تعكير صلات لبنان بدولة شقيقة"، كانوا يرأفون بنا، فيساعدوننا على ركوب شاحنات "الريو"، فقط لأننا فتيات.

اما المسؤول الامني عن نقطة الدورة – برج حمود فحفظ وجهي وصار يعرفني مع وصولي الى سنتي الجامعية الثالثة، اي بعد اكثر من اربعة توقيفات في البقعة ذاتها، فبات يناديني "ماريا"، ويقف الى جانبي ريثما انتهي وصديقاتي من توزيع البيانات ثم يوقفني ويقودني الى الريو. لم ييأس يوما من ترداد عبارة: "يا ماريا، انتو صبايا، شو بدكن بهالشغلة".

عام 2000 قررت السلطة التصعيد في قمع التحركات الطالبية، وكانت تعمد الى تلفيق تهم تلصقها بالمسؤولين عن الجامعات. هذا ما حصل مثلاً مع وليد الاشقر، الذي اختفى ثلاثة ايام قبل ان نعرف انه موقوف في قصر نورا بتهمة تزوير عملات. حتى ذاك التاريخ، لم تكن المواجهات تقع مباشرة مع السوريين، بل مع "ازلامهم"، من أكبر رأس في الدولة الى أصغر بائع كعك امام كلياتنا في الفنار. ولعل خطأ السلطة في ذاك الوقت كان وضع الجيش اللبناني في كل مرة في مواجهة الطلاب. عناصر الجيش لم تخيفنا، وما كان يرعبنا هم جنود المغاوير والمجوقل ولاحقاً فرق مكافحة الشغب. هؤلاء "كفهم" فعلاً موجع، ويستحيل اخفاء آثار الضرب عن اهلنا بالثياب والتبرج. هكذا كانوا: مخيفين بأشكالهم وأعمالهم، وبتبعات المواجهة معهم.

قررنا اقفال الجامعات واعلان الاضراب المفتوح في كليتي الاعلام والعلوم والاداب في الجامعة اللبنانية (وكلها في الفنار) حتى الافراج عن وليد الاشقر. من هو الشاب؟ لا نعرف، ولا يهم. كان يكفينا انه ضحية النظام اللبناني المسورن ومناضل من عكار – عقر دار الاحتلال – حتى نثور. ثم انتقلنا الى توزيع البيانات، فقسمنا انفسنا الى مجموعات. نقطتي مع اثنتين من زميلاتي يرافقنا احد الشبان. كنت في الزلقا وعلى بعد امتار من مركز مخابرات الجيش، حين حملنا نحو ثلاثة الاف منشور ونزلنا. كانت المرة الاولى التي اخرج فيها من حرم الجامعة، وصوت والدتي في اذني: "اذا اوقفوك بتركك بالحبس". نزلنا من السيارة وبدأنا المهمة: كان البيان يومها شديد اللهجة، وفيه تعيير للقضاء في تبعيته الى السلطة السياسية المرتهنة، وطبعاً دعوة الى الانتفاضة على النظام السوري الذي يحتل البلاد وقصر بعبدا ومجلسي الوزراء و النواب. قال لنا جورج الذي رافقنا يومها: "انتبهوا، هيدا عليه شهر حبس مينيموم". لم نكد نبدأ عملية التوزيع حتى طب تانغو والعنكبوت. بدأنا نركض، وأضعت مكان السيارة. التفت، فلم أجد جورج ولا زميلتي. واذ بيد صديقتي تمسكني وتشدني الى طريق داخلي، ركنت على احد جانبيها سيارتها وفيها شاب نعرفه. كان مطلوباً للتحقيق. كنا نسير بسرعة جنونية عندما قرر شرطي البلدية على تقاطع جل الديب ايقاف السير، واذا بسيارة تانغو البيضاء خلفنا، وينزل منها العنكبوت ورجل آخر. تجمدت الدماء في عروقي، وقلت لنفسي: "راحت علينا، رح موت بالحبس". فما كان من العنتر الذي معنا الا ان ترك المقود وهرب، تاركاً ايانا في السيارة وانا لا اجيد القيادة. قفزت صديقتي الى المقعد الامامي وانطلقت بالسيارة في سرعة جنونية. لقد نجونا.

 

المواجهة الاولى

كان طوني اوريان من اصدقائي الاكثر جرأة، والاكثر تطرفاً في دعواته الى مواجهة الاحتلال. عرفت بعد سنوات طويلة انه هو من رمى زجاجة الـ"بيبسي" الفارغة على رأس الجندي السوري على حاجز الفنار، يوم كان تلميذاً في مدرسة "المون لا سال" المجاورة. كان يردد في كل اجتماعاتنا: "يجب كسر اليد التي تحمل العصا، وليس العصا ذاتها". كان اول من فكر في تسيير تظاهرة امام مراكز الجيش السوري، فوافقنا، وقدمنا كتاباً الى لجنة الشباب والشؤون الطالبية أبلغناها فيه قرارنا بالتظاهر امام الحاجز السوري قرب كلية الآداب في الفنار في 14 آذار 2000. قامت القيامة. رفضت اللجنة رسالتنا، ودعتنا الى اجتماع في مكتب الطلاب في انطلياس، وحاولت فيه ثنينا عن التظاهرة، بحجة ان لديها معلومات عن احتمال ان يطلق السوريون النار علينا، فينتهي التحرك الى ما لا تحمد عقباه. كنا مصممين على كسر جمود تحركاتنا، وعلى الانتقال من رد الفعل الى الفعل، بعدما سئمنا بيع الخضار في الشارع ومنافسة بائعي الكعك السوريين. علا الصراخ في القاعة، وانتهى الاجتماع الى قرار اللجنة الامتناع عن التظاهر والاكتفاء بالاعتصام امام المتحف الوطني، كما كل مرة.

تداعينا الى اجتماع طارئ للمندوبين سراً، ورفعنا في ختامه كتابا الى الجنرال عون طلبنا فيه إقالة لجنة الشباب لوقوفها ضد قرارنا. بعد التحدي لم يكن الخطأ مسموحاً. وزعنا في كلية الاعلام بيانا بمثابة علم وخبر اعلنا فيه نيتنا الاعتصام امام احد المراكز السورية. ولكثرتها، لم تعرف السلطة ايها نقصد، علماً اننا لم نكشف عن مكان التجمع المركزي.

كان يوماً مجنونا. بدأنا بالتهافت سيراً الى كلية العلوم، في وقت اقفلت عدد من المدارس وتعطل العمل في مناطق من العاصمة وبلدات المتن، بعدما اقام الجيش حواجز تفتيش ادت الى زحمة سير خانقة.

عند الظهر، كان عددنا قد فاق 3 آلاف، في وقت امتنعت كل المنظمات الشبابية غير العونية عن المشاركة خوفاً او التزاما منها بدعوة البطريرك الماروني  الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير للطلاب بالتزام الدراسة بدلاً من التظاهر.

كنا عشرة فقط نعرف كلمة السر. تبادلنا النظرات، ابتسمنا، ثم انطلقنا. اكتفى عناصر الجيش الذين فاق عديدهم 500 بالركض وراءنا. كان بعضهم سمينا لا يقوى على السير، فيما البعض الاخر مدجج بالعتاد يعجز عن اللحاق بالطلاب. احد المسؤولين، ويدعى فادي، ترك مكتبه على عجل ولبس بزة رسمية ووضع نظارتين شمسيتين، وفي اذنه سماعة هاتف خليوي. ظن الجيش انه من رجال المخابرات، فكانوا يسألونه في كل مرة: "شو سيدنا، منوقفهن؟" فيجيبهم: "لا، لا، اتركوهم". النسوة رمين علينا الارز من على الشرفات، فيما الرجال في السيارات اطلقوا العنان لزماميرهم. كان فعلاً يوماً مجنونا. حتى ان العنكبوت الذي بتنا نشعر بالاستقواء عليه، استفرده بعض الشبان بينما كان "يفسد" عن نقطة التجمع، فضربوه.

انهكنا السير، وقد بتنا على مسافة امتار قليلة من الحاجز السوري. واذا بآلاف الجنود اللبنانيين، ومعهم اكثر من عشرة سيارات اطفاء تسد الطريق لحماية السوريين. قرفنا من المنظر قدر ما صدمنا. لكن الجو كان مشحوناً جداً، وما لبث ان خيم الصمت على الموقف. جلسنا نحو ساعة على الطريق، ننظر الى الجيش والجيش ينظر الينا، وكل من الطرفين يتربص بالثاني. غنينا "تسلم يا عسكر لبنان"... ورحلنا.

 

المواجهة القصوى

من حيث المبدأ، كان الجيش السوري بدأ عملية اعادة انتشار عام 2001. ومن جملة المواقع التي أخلاها، حاجز الفنار الشهير ومبنى كلية الاداب، فأصبحت البلدة بحسب تعابيرنا "منطقة حكم ذاتي". لكن "حرب تحريرنا" الصغيرة أبعد من ذلك. وهدفها الاول حمل الناس، وعلى رأسهم عائلاتنا، الى الاقتناع بأن الحرب التي خاضوها، ودفع جيلنا نحن ثمنها، لن تنتهي بمجرد سكوت المدافع. كانت جدران كثيرة، استخدمنا معظمها وسائل للتعبير عن آرائنا. حواجز كثيرة كانت امامنا ايضاً وخطوط تماس فرضها المحتلون بتعميمهم ثقافة الخوف. عليه، بقي امامنا ثلاث خيارات: الهجرة، الخضوع، المواجهة. اما وقد اثبت فشل الاجيال السابقة سوء الاحتمالين الاولين، فقد اخترنا الثالث. وهكذا فقط صار 7 آب 2001. أكثر الناس اليوم يجهلون ان التوقيفات بدأت في 5 آب، يوم اعتقل خمسة عونيين في الدورة – بينهم طوني اوريان- لتوزيعهم بياناً حمل عنوان "الفكاهة السوداء"، وهو نشرة كتبها العماد عون. ويجهلون ايضاً ان الضرب امام قصر العدل وقع في 9 آب 2001، تحت اعين المحامين الساهرة والنواب (وبينهم وزير حالي تفرج علينا من الشرفة نجرجر على الطرقات) الذين اجتمعوا لاقرار تعديل قانون اصول المحاكمات بما يجيز توقيف الطلاب الى ما لا نهاية.

و7 آب، كان اول اختبار من نوعه بالنسبة الي في الاحتكاك المباشر مع رجال سوريا في لبنان. اليوم، لا يسعني سوى ان اتألم كطالبة اوقفت، وسجنت، واهينت، وجالت مراكز التحقيق كلها في جبل لبنان وحوكمت عسكرياً بتهمة "تعكير صلات لبنان بدولة شقيقة والمس بسمعة المؤسسة العسكرية والمس بسمعة رئيس الجمهورية وتوزيع شعارات وكتابات لم تجزها الحكومة". يؤلمني أكثر ان يأتي من يجير لنفسه معاناتي انسجاماً مع خطابه السياسي، كمن يصنع لنفسه تاريخاً بمفعول رجعي.

اما وقد رحل الجيش السوري مخلفاً ألوف القتلى والمعتقلين والمخفيين قسراً، فإن انسحابه لا يعدو كونه بالنسبة لي ولعدد كبير من اصدقائي السابقين، اعادة انتشار، مما يعيد الى الذاكرة اغنية خفيفة الظل لفريق "شرشحتو البلد"، وفيها: "افتكرنا بلدنا تحرر انتو رجعتو احتليتو".

Login to your eMail Account
Email:  
Password: