Top stories

 

 

Click for the latest Montreal weather forecast.
Click for the latest Montreal weather forecast.

 

 

 

من حقيبة "النهار" الديبلوماسية
اختراق كبير في التحقيق الدولي:

ماذا يعرف برامرتس عن قتلة الحريري وما هدفه الحقيقي من لقاء الأسد؟

النهار 2006/03/31

"الاختراق الكبير الذي حققه القاضي البلجيكي سيرج برامرتس رئيس لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، انه اصبح مقتنعا، في ضوء ما لديه من معلومات وادلة وشهادات، ومن دون ان يعلن ذلك صراحة حفاظا على مسار التحقيق، بأن الدور السوري اساسي في هذه الجريمة الارهابية، وبأن عملية معقدة كهذه ذات انعكاسات عربية ودولية لم تنفذ بعقلية انتحارية وباعداد فردي بل نفذت نتيجة قرار سياسي خطير وبتخطيط دقيق وبثقة فائقة من المتورطين فيها بأنهم يتمتعون بحماية واسعة وبأن احدا لن يجرؤ على ملاحقتهم ومحاسبتهم وسيفلتون بالتالي من العقاب. ولولا هذا الاقتناع لما كان كثيرون منهم تشاركوا في هذه الجريمة".

هذا ما كشفته لنا مصادر ديبلوماسية اوروبية وثيقة الاطلاع في باريس استقت معلوماتها من مقر الامم المتحدة في نيويورك ومن عواصم عربية واجنبية معنية مباشرة بهذه القضية. واوضحت المصادر ان التحقيق الدولي وصل الى "نقطة اللاعودة" في ما يتعلق بمسؤولية جهات سورية متورطة في هذه الجريمة وان برامرتس لم يبدل اطلاقا مسار التحقيق كما حدده سلفه الالماني ديتليف ميليس، بل انه يسير في الاتجاه ذاته، وخصوصا ان المعلومات والادلة الجديدة التي حصل عليها منذ توليه مهمته تعزز هذا الاتجاه وتؤكد ان اغتيال الحريري تم نتيجة "مؤامرة خصومه السوريين واللبنانيين" وانه ليس هناك طرف ثالث آخر مستقل عن هؤلاء يقف وراء هذه الجريمة.

وذكرت المصادر ان لجنة التحقيق الدولية مقتنعة، في ضوء تقويمها للمعلومات والادلة والشهادات المتوافرة لديها، بأن الامر باغتيال الحريري لم يصدره تنظيم "القاعدة" ولم يصدره اي تنظيم اسلامي متشدد آخر وبأن التخطيط الدقيق لهذه العملية لم يكن تخطيط "انتحاريين اسلاميين" بل تخطيط اجهزة دولة مسيطرة على الساحة اللبنانية، وان هناك احتمالا بأن يكون هناك اسلامي متشدد او اكثر شاركوا في تنفيذ هذه الجريمة، ولكن بتعليمات من المخططين الاساسيين.

وقال لنا ديبلوماسي اوروبي مطلع: "ليست مصادفة ان تقرير برامرتس الى مجلس الامن الدولي لم يتضمن اي اشارة الى اسامة بن لادن او الى تنظيم القاعدة او الى اي تنظيم اسلامي متشدد آخر باستثناء تنظيم مرتبط بدمشق، بل ان الجهة الوحيدة التي تحدث عنها التقرير بالتفصيل هي سوريا، اضافة الى لبنان بالطبع. والكلام الذي قاله برامرتس ايضا في اجتماعات مغلقة مع بعض سفراء الدول الكبرى يصب في الاتجاه ذاته اذ انه تحدث فيها عما لديه من معلومات عن التورط السوري وعما هو مطلوب من دمشق في المرحلة المقبلة، وما يجب ان تفعله الدول الكبرى لتأمين اكتمال التحقيق بنجاح".

واضاف هذا الديبلوماسي: "لقد اخطأ المسؤولون السوريون حين رحبوا بسرعة بتقرير برامرتس واعلنوا ارتياحهم لاعتماده التكتم الشديد والحذر وامتناعه عن تسريب معلومات عما يقوم به خلافا لسلفه ميليس. والواقع ان برامرتس اعتمد استراتيجيا طمأنة المسؤولين السوريين واظهار اقصى درجات حسن النية حيالهم ليس من اجل تبرئتهم من هذه الجريمة بل من اجل دفعهم الى التعاون الكامل مع التحقيق الدولي وعدم اعطائهم اي ذريعة او حجج للتملص من تنفيذ طلباته المتعددة". واوضح الديبلوماسي ان هذه المعطيات هي التي تدفع الدول الكبرى الى مطالبة القيادة السورية بالذات وبالحاح بالتعاون مع لجنة التحقيق الدولية بينما تمتنع عن تقديم مثل هذا الطلب الى اي دولة او جهة اخرى.

 

من أصدر فعلاً أمر اغتيال الحريري؟

في هذا الاطار، كشفت لنا مصادر ديبلوماسية غربية مطلعة في باريس ان ما يسعى اليه حاليا برامرتس وبشكل رئيسي "هو الوصول الى رأس الهرم اي معرفة من اصدر فعلا الامر باغتيال الحريري، ومن طلب الاعداد لتأمين نجاح هذه الجريمة". ووفقا لهذه المصادر فان برامرتس يتحرك على اساس ان هناك ستة انواع من المتورطين السوريين واللبنانيين في هذه الجريمة الارهابية وهي:

أولاً، من اصدر الامر باغتيال الحريري.

ثانياً، من خطط فعلا لتنفيذ الجريمة.

ثالثاً، من نفذها.

رابعاً، من سهل تنفيذها بشكل مباشر او غير مباشر.

خامساً، من موّل هذه العملية كلها.

سادساً، من خلق الاجواء السياسية والاعلامية الملائمة والممهدة لاغتيال الرئيس الشهيد.

كما ان برامرتس يتفق مع ميليس على ان هناك ثلاثة انواع من المسؤوليات في هذه الجريمة: المسؤولية السياسية والمسؤولية الامنية والمسؤولية الجنائية.

واكدت المصادر ذاتها ان لجنة التحقيق تمكنت حتى الآن من جمع معلومات وادلة وشهادات وقرائن عن سائر الذين تورطوا او شاركوا في هذه الجريمة، لكن اللجنة لم تتمكن حتى الآن من ان تعرف "بشكل قاطع وجازم" من هو الذي اصدر الامر فعلا باغتيال الحريري، وان تكن لديها "شبهات قوية" بشأن هوية هذا الشخص، لكن هذه الشبهات ليست كافية وحدها لتوجيه الاتهام اليه ولا ادانته رسميا. وبرامرتس "لم يقطع الامل اطلاقا" في الوصول الى الحقيقة الكاملة ولذلك يواصل مهمته بتكتم شديد وبأقصى درجات اللياقة والتهذيب في تعاطيه مع المسؤولين السوريين.

وخلافا للانطباع السائد عند البعض، فان برامرتس لم يمنح النظام السوري "شهادة حسن سلوك" في تقريره الى مجلس الامن، بل على النقيض من ذلك، يضع هذا النظام امام امتحان صعب وخيارين قاسيين: فاما ان يتعاون النظام السوري مع التحقيق الدولي بشكل كامل وينفذ مجموعة من المطالب المهمة والصعبة والمحرجة فيؤدي ذلك الى دعم ادلة اللجنة عن تورط مسؤولين سوريين في جريمة اغتيال الحريري، واما ان يرفض النظام التعاون فعلا فيقوم القاضي البلجيكي حينئذ بابلاغ مجلس الامن بذلك وباتهام النظام السوري بعرقلة عمل لجنة التحقيق مما يعني انه يريد تضليل هذا التحقيق او التهرب منه للتغطية على قتلة الحريري، مما يشكل ادانة صريحة للمسؤولين السوريين بالوقوف وراء هذه الجريمة. ولذلك قال برامرتس امام مجلس الامن: "ان توقعاتنا من السلطات السورية عالية جدا. والاسابيع المقبلة ستثبت اذا كانت طلبات اللجنة المقدمة الى دمشق ستنفذ، واذا كان تفاؤلنا الحذر مبررا ام لا".

 

سار على طريق ميليس

واكد لنا ديبلوماسي اوروبي مهتم مباشرة بملف التحقيق ان برامرتس اتخذ في تعاطيه مع المسؤولين السوريين المواقف الاساسية ذاتها التي اتخذها ميليس وقدم اليهم الطلبات ذاتها التي قدمها اليهم سلفه الالماني ورفضوا تنفيذها في حينه. وبشكل محدد، فقد تمسك برامرتس بلقاء الرئيس بشار الاسد ونائبه فاروق الشرع كما فعل ميليس. واوضح لنا هذا الديبلوماسي ان المسؤولين السوريين طلبوا من القاضي البلجيكي عدم الاعلان عن موافقة الاسد على لقائه الى ما بعد اتمام اللقاء، لكنه رفض ذلك واورد هذه الموافقة في تقريره "لانه اراد وضع النظام السوري امام مسؤولياته، وتخوف من ان يبدل الاسد رأيه لاحقا فيرفض الاجتماع به". كما ان برامرتس يريد الاجتماع لاحقا بمسؤولين سوريين رفيعي المستوى امثال ماهر الاسد وآصف شوكت لكنه ليس راغبا في الاعلان عن ذلك منذ الآن لتسهيل التعاون السوري معه. وطلب برامرتس، كسلفه ميليس، من السلطات السورية تزويد لجنة التحقيق معلومات وادلة محددة ووثائق وافادات تتعلق بالدور السوري في لبنان وبجريمة اغتيال الحريري، كما طلب زيارة مواقع ومنشآت في سوريا "تراها اللجنة ملائمة للتحقيق". وكما فعل ميليس قبله، اكد برامرتس في تقريره الى مجلس الامن بصراحة وجود احتمال جدي بأن تطلب اللجنة توقيف مسؤولين وافراد سوريين يشتبه في تورطهم في الجريمة. وشدد خصوصا على ان السلطات السورية ستكون "ملزمة" بتنفيذ هذا الطلب. وتمسك برامرتس، كسلفه ميليس، برفض توقيع اتفاق تعاون مع السلطات السورية، وذلك لعدم تقييد مهمته وشل قدرته على التحرك كما يريد. كما رفض، كسلفه، التعاطي مع لجنة التحقيق السورية مؤكدا انه يريد فقط التعاطي مع الحكومة السورية، لان ذلك يعني انه ستتم محاسبة هذه الحكومة اذا لم يتعاون السوريون مع التحقيق الدولي.  وطلب برامرتس، كسلفه، ابقاء المسؤولين الامنيين اللبنانيين الاربعة الكبار الوثيقي الصلة بدمشق قيد الاعتقال، مما يدل على انه مقتنع بتورطهم في الجريمة. كما طلب الاسراع في تشكيل محكمة ذات طابع دولي لمحاكمة جميع المتورطين في عملية  اغتيال الحريري مما يشكل دليلا آخر على تورط دمشق في هذه الجريمة. اذ لو اقتصر الامر على وجود متورطين لبنانيين لما تم تشكيل محكمة ذات طابع دولي.

بل ان برامرتس ذهب أبعد من ميليس اذ اثار في تقريره الى مجلس الامن احتمال حدوث تفجير تحت الارض لدى مرور موكب الحريري او احتمال حدوث تفجيرين ضد هذا الموكب، الاول تحت الارض والثاني بواسطة سيارة ملغومة مما يعزز نظرية اقدام اجهزة دولة مسيطرة على الارض على التخطيط لتنفيذ هذه الجريمة.

 

ماذا يريد برامرتس من الأسد؟

وأكدت المصادر الديبلوماسية الاوروبية المطلعة ان برامرتس لن يغلق ملف التحقيق في هذه الجريمة قبل معرفة "من اعطى فعلا الأمر باغتيال الحريري"، ولذلك طلب الاجتماع ببشار الاسد وهو ما سيتم خلال شهر نيسان. واللقاء مع الاسد لن يكون "جلسة مجاملة" او جلسة حوار عابر، وفقا لهذه المصادر، اذ ان برامرتس ينوي ان يطرح عليه مجموعة كبيرة من الاسئلة ويسجل محضرا رسميا بهذا اللقاء، ويطلع مجلس الامن على مضمونه. كما انه يريد ان يقارن بين ما سيقوله الرئيس السوري وما لديه من معلومات وادلة وشهادات شخصيات لبنانية وسورية عدة تتعلق بجريمة اغتيال الحريري. واكدت المصادر ان برامرتس يريد التركيز في لقائه مع الاسد على القضايا الاساسية الآتية:

أولاً، علاقة الاسد بالحريري، وما اذا كان وجه اليه تهديدات مباشرة ام لا. لان القاضي البلجيكي مقتنع، كسلفه ميليس، بأن الخلافات السياسية بين الرئيس الشهيد والقيادة السورية وحلفائها اللبنانيين هي السبب الرئيسي لاغتياله وليس اي شيء آخر.

ثانياً، كيفية اتخاذ القرارات السياسية والامنية في سوريا. وهل يمكن مسؤولين امنيين ان ينفذوا جريمة كهذه من دون علم القيادة السورية؟

ثالثاً، يريد برامرتس معرفة رد الاسد على الاتهامات التي وجهها اليه نائبه السابق عبد الحليم خدام وخصوصا ما يتعلق منها بتهديداته للحريري.

رابعاً، طبيعة العلاقات التي كانت قائمة بين المسؤولين السوريين ونظرائهم اللبنانيين في مرحلة الهيمنة السورية على هذا البلد، وهل يمكن ان يتخذ مسؤولون لبنانيون قرارا باغتيال الحريري من دون موافقة او علم جهات سورية امنية؟

خامساً، يريد برامرتس معرفة الاسباب التي جعلت السلطات السورية تمتنع عن اجراء تحقيق وبالتعاون مع السلطات اللبنانية في جريمة اغتيال الحريري، ولماذا لم تجر هذه السلطات اي تحقيق مع الضباط السوريين الذين كانوا يتولون المسؤوليات الامنية الرئيسية لدى وقوع هذه الجريمة.

واوضحت المصادر ان برامرتس امتنع في هذه المرحلة عن طلب اعتقال اي مسؤول او فرد سوري متورط في الجريمة لانه يريد تجنب الدخول في مواجهة مع القيادة السورية قبل اجتماعه بالاسد وبالشرع وبمسؤولين رفيعي المستوى آخرين، ولانه يفضل انتظار تشكيل المحكمة ذات الطابع الدولي لاعتقال المتورطين السوريين في دولة مقر المحكمة وليس في الاراضي السورية.

ديبلوماسي اوروبي مطلع لخص لنا طبيعة العلاقة بين برامرتس والقيادة السورية بالقول: "يجب الحذر من المياه الراكدة الساكنة، اذ ان هدوء القاضي البلجيكي وتكتمه قد يكونان اكثر خطورة بالنسبة الى السوريين من صخب سلفه الالماني ميليس وضجيجه".

بقلم عبد الكريم أبو النصر

Login to your eMail Account
Email:  
Password: