أساليب الظلم والخطف والارهاب والفتن لا تزال في الذاكرة
ثلاثون عاماً أمضاهــا الجيش السوري فـي لبنان
في الذكرى الرابعة لخروجه... التاريخ بدأ يُكتب؟

النهار 2009/05/03

زكية النكت رحمة

ذهب الآن. لكن، ومع مرور الزمن، صارت الأصابع تشير إليه بقسوة أشدّ. فالتاريخ يقول أن ضحاياه كثر، والذين كانوا مرشحين ليصبحوا ضحاياه أكثر. لم يفهم إلا لغة الدم والقتل والدمار والفتن والقمع والمؤامرات، شاهراً فوهات مدافعه، مزمجراً بالوعيد والنار، مزنراً بالقمع والإستبداد، ومنتعلاً من دون مواربة "جزمة" الإحتلال، مهما لفق لذلك من أحاجيج وتسميات.
فإلى متى نبقى ضعيفي الذاكرة والحساب؟

هل فعلاً كدنا ننسى يد الوصاية التي كانت رابضة على صدر الحرية ثلاثين عاماً، تخنقها وتهدر دمها عبر أساليب الظلم والخطف والإرهاب والسيارات المفخخة والدسائس وزرع الفتن وحكم الأجهزة الإستخباراتية؟ هل صحيح أننا كدنا ننسى عبارة الرحلات الشهيرة داخل حدود البلد بأن: "حضروا الهويات شباب" وإنتظار تلويحة يد الجندي السوري للترجل من السيارة بغية التفتيش الدقيق أو السماح بالعبور من الوطن إلى الوطن؟ وهل أصبحت ذاكرتنا قصيرة إلى حدّ أن ننسى أننا دفعنا للحرية ثمناً باهظاً، بدأ بالدم وانتهى بتدمير الإقتصاد؟!
أربعة أعوام مضت على خروج الجيش السوري، لم نكد نشرب نخب هذا الحدث بعد، حتى بدأنا نسمع أصوات بعض أتباعه يفاخر بتلك الحقبة السوداء ويتمنى عودته الميمونة. واليوم أيضاً تعود سوريا للمجاهرة بأن "حلفاءها" سيربحون وأنها أقوى من أي زمن مضى في لبنان، ليس بواسطة الدبابات بل بواسطة صناديق الإقتراع التي ستفتح قريباً، فهل يمكن أن يتحقق الحلم السوري بإعادة لبنان إلى سوريا الكبرى؟
نعم، خدع اللبنانيون سابقاً بالذئب الآتي في ثياب الحمل، فهادنوه وصادقوه وأبرموا معه معاهدات، لم تردعه كلها من الإنقضاض عليهم كلما سنحت له الفرصة. فهو لم يتدخل  لإنقاذ لبنان، بل لإنقاذ نفسه فيه. ولكن سرعان ما إنكشف مخططه الهادف إلى "هضم" هذا البلد الصغير بعد "القضم" و"الضم"، فسرح ومرح وعينّ وأقال.
من منّا ينسى "مآثر" قوة الردع السورية في قتل كمال جنبلاط، وحرب المئة يوم، وقنات وزحلة والجبل وطرابلس والمتن وبيروت والأشرفية والمجازر المتنقلة من القاع إلى الشوف إنتهاء بكل التفجيرات؟
"غطرسة"، مارسها النظام السوري على الجميع لتحقيق أهدافه الإستراتيجية من الغربية إلى الشرقية فكل لبنان، عبر رسائل مغمسّة بالدم موجهة إلى كل الأحزاب والتيارات والفاعليات بضرورة إلتزام الإيجابية في التعاطي مع وجودهم العسكري وتوجهاته السياسية، ولم يتوان يوماً في غزله "على الوجه" لنا، ومؤمراته "من تحت" ضدنا.

وجود أم إحتلال؟

لطالما كان لبنان هدية حلم بها السوريون، قبل حافظ الأسد وبعده، فشكل هاجسهم وهدفهم وكل إستراتيجيتهم، إلى أن جاءت الفرصة الذهبية في الحرب اللبنانية منتصف السبعينات لتحقق الحلم القديم بإعادة "الإبن الضال" إلى أحضان الشقيقة.
هكذا دخلت سوريا لبنان تحت إسم "قوات الردع" على أساس دعم إستقرار البلد و"وقف حمام الدم في لبنان الحبيب"، فاستقبلت برشّ الأرز والورد و"الكولونيا"، قبل أن تنكشف النيّات المبيّتة والمخططات التقسيمية وألاعيب البلع والتذويب.
"مساعدة لبنان الحبيبب" شعار أدخل السوريين إلى لبنان تحت ستار لواء اليرموك لحماية الفلسطينيين فيه، ثم عادوا وضربوا الفلسطينيين تحت الشعار عينه في طرابلس والجنوب وبيروت. تمسكوا بمبدأ الدفاع عن المسيحيين في مواجهة المسلمين، ثم عادوا وضربوا المسيحيين دفاعاً عن المسلمين. وهكذا فعلوا للفصل بين الشيعة والسنة، وبين "أمل" والفلسطيني، وبين "الأخوة المتقاتلين" الشيعة في الضاحية.
لكن الرمال اللبنانية المتحركة أغرقت كل أمل في الوصول إلى الهدف المنشود، فانطلقت بعد فترة وجيزة المقاومة، مقاومة الإحتلال السوري بكل أشكاله. والمستغرب، كان استغراب المسؤولين السوريين الدائم وإستهجانهم لكل من يعبّر عن رفضه وجود الجيش السوري وسياسة بلاده حيال لبنان، كما كانوا يرفضون مساواتهم بالقوات الإسرائيلية، مع انهم كانوا يحتلون من الأراضي والمؤسسات والدولة أكثر بكثير مما تفعل إسرائيل.
ومع ذلك حاربه اللبنانيون تباعاً وعلى مراحل إلى أن خرج في 26 نيسان 2005، ولكن الحكم السوري لا ييأس، بل يظل يتراجع ويتقدم، كلما سنحت له الفرصة مستعيناً بميزة "نفسه الطويل". فهل كدنا ننسى، أم أننا في حاجة دائماً إلى التذكير عبر بعض الشهادات؟

خليفة: قانون التعويض

تشكل العلاقات اللبنانية – السورية بالنسبة إلى الباحث الدكتور نبيل خليفة، نموذجاً عالمياً لدراسة الوضعية الجيوبوليتيكية لدولتين متجاورتين، فالعلاقات بين البلدين هي مثار جدل ونزاع منذ ما يزيد على قرن ونصف القرن. "فمنذ بروتوكول 1861، مروراً بإعلان دولة لبنان الكبير 1920، وصولاً إلى قرار مجلس الأمن الخاص بلبنان الرقم 1559، لا يزال وطننا، كحيز جغرافي وإقليم سياسي، موضوعاً على المحك بالنسبة إلى السلطات السورية، والدليل أن السلطات السورية ترفض حتى الآن ترسيم حدودها مع لبنان، بما يعني عملياً عدم إعترافها القانوني والصريح بنهائية الدولة اللبنانية".
وتحت عنوان "سوريا المشكلة... سوريا الحلّ"، في كتابه "جيوبوليتيك لبنان. الإستراتيجية اللبنانية" يعزو خليفة الأسباب إلى أن "بين شعور حكام سوريا الذي هو شعور "العظمة" و"الرسالة" لدور بلدهم القيادي في محيطه الإقليمي من جانب، وبين شعورهم الآخر، شعور المرارة الناتج من ضعف إمكاناتهم وقدراتهم للقيام بهذا الدور، يتولد لديهم شعور الإستعانة بما يعرف سيكولوجياً بـ"قانون التعويض"، وهي طريقة يمكن بواسطتها التعويض عن الوسائل غير المتاحة (وهي عادة إيجابية)، بوسائل متاحة (وهي عادة سلبية). وعلى قاعدة أن "الغاية تبرّر الوسيلة" بمعنى آخر أكثر وضوحاً: إذا لم يكن حكام دمشق قادرين على فرض نفوذهم على المنطقة بما يؤمن إستقرارها وإزدهارها، فإنهم قادرون بالمقابل على فرض وجودهم فيها بفعل قدرتهم على خلق حالة عدم الإستقرار في دولها، وبهذا يصبحون جزءاً أساسياً من الحلّ".
ويلفت خليفة إلى "ان الأسلوب السوري المعتمد في التعاطي مع دول المنطقة وسلطاتها هو أسلوب سلبي فيه ضرر للدول والأنظمة والأشخاص، لأنه يقوم على جملة ممارسات منها: التدخل في تفاصيل الشؤون الداخلية للدول المحيطة بسورية، العمل على إذكاء الصراعات الداخلية فيها، دعم التنظيمات المعارضة للأنظمة والدول وتأييدها كمعارضة داخل بلدانها، العمل على زعزعة أمن وإستقرار الأنظمة والدول المحيطة بها، مساعدة وتسليح القوى الموالية لسوريا، استخدام كل الأساليب بما فيها العنفية ضد القوى المناوئة لسوريا لإضعاف هذه القوى أو تخويفها أو حتى إلغائها، اعتماد اسلوب قضم أراضي بعض الدول المجاورة ولا سيما لبنان، والوقوف ضد كل دولة وسلطة قوية في لبنان وفلسطين، لأنه وبحسب كيسنجر وإيف لاكوست "كل كيان نهائي وله سلطة قوية، حتى ولو كانت برو – سورية، فإنها ستضعف من سيطرتها عليهما وسيكون الكيان في حال تثبيته غير قابل للرجوع عنه ما يؤدي إلى التجزئة النهائية للحيّز الذي يسمّيه السوريون سوريا الطبيعية".
  

قزي: انسحبوا... ولم يخرجوا

أما بالنسبة إلى الكاتب السياسي سجعان قزي فمأساة الللبنانيين تكمن في أنهم لا يستطيعون إعتبار أعدائهم أعداء حقيقيين، ولا يستطيعون إعتبار حلفاءهم حلفاء حقيقيين "لأن هناك التباساً منذ مئات السنين بين العدو والحليف لعوامل طائفية منذ نشوء الكيان اللبناني، بسبب إزدواجية نظرة اللبنانيين إلى الوطن والمحيط. وليس من قبيل المصادفة أن يكون السوري دخل لبنان تحت ذريعة إنقاذ اللبنانيين سنة 1976 وهو الذي سبّب الحرب اللبنانية، وليس من قبيل المصادفة أيضاَ أن يدخل الجيش الإسرائيلي عام 1982 تحت ذريعة إنقاذ المسيحيين، وهو الذي تسبب بأكثر من حرب لبنانية. واللافت أن لا السوريين ولا الإسرائليين أنقذوا المسيحييين ولا المسيحيين أنقذوا أنفسهم. والدخول الإسرائيلي إستفادت منه كل الطوائف اللبنانية بإستثناء المسيحيين، فالدرزي سيطر على الجبل، والسني تخلص من زعامة ياسر عرفات وابو أياد والآخرين، والشيعي تخلص من الإمتداد العسكري الفلسطيني في الجنوب، أما المسيحيون فأستشهد رئيسهم بشير الجميل وضُرب عهد أخيه الرئيس أمين الجميل، وارتكبت بحقهم مجازر الجبل ومنه هُجروا وأنقسموا على بعضهم بعضاً.
أما السوري في لبنان فوجوده تميّز دائماً بأربعة أبعاد، البعد الأول: تحقيق الحلم السوري التاريخي بالسيطرة على لبنان، الثاني: إحتواء الحالة السنية، الثالث: ترويض منظمة التحرير الفلسطينية والإمساك بورقتها التفاوضية، والرابع: الإمساك بورقة الأقليات المشرقية من خلال السيطرة على القرار المسيحي في لبنان. وخلافاً لما يشاع، لم تبدأ الحرب المسيحية - السورية لأسباب إقليمية ودولية وإن كانت هذه الأسباب موجودة في الذهن السوري، إنما بسبب حرص المسيحيين على أمنهم وحريتهم، وخصوصاً على كرامتهم. فليس إتفاق كامب دايفيد هو الذي فجّر حرب المئة يوم، إنما الحاجز السوري في قلب الاشرفية، في وسط ساحة ساسين، الذي اعتبرناه يسيء إلى كرامتنا، وكل ما جرى بين المسيحيين والسوريين كان جزءاً من مقاومة مسيحية الوجه ولبنانية الجوهر، والدليل إنه إبتداء من العام 2000 أصبحت المطالبة بإنسحاب الجيش السوري مطالبة كل اللبنانيين، ومع كل جندي سوري كان ينسحب كان يولد بشير الجميل من جديد، فجيل "ثورة الأرز" هو جيل 14 شباط عاطفياً، لكنه جيل 14 أيلول وطنياً.
لقد إرتكب السوريون - كما يرتكب كل محتل- فظائع بحق الشعب الذي يحتله. هناك جرائم دستورية بحق مؤسسات الدولة اللبنانية، وجرائم وطنية بحق الكيان اللبناني، وجرائم إنسانية بحق الشعب اللبناني، وجرائم دموية من عكار إلى القاع إلى الفياضية إلى الأشرفية، وكل معركة قامت بها المقاومة المسيحية كانت خطوة في جلجلة الألف ميل لإخراج السورييين من لبنان. لكن المؤسف اليوم، وبعد أربع سنوات على خروج السوري، أن السوري إنسحب من لبنان من دون أن يخرج، وسيعود إلى لبنان من دون أن يدخل. فالذين ظنوا أن إنسحاب الجيش السوري يضع حداً للوجود السوري في لبنان أخطأوا، والذين يعتبرون ان عدم عودة الجيش السوري إلى لبنان يكفي لوضع حدّ للنفوذ السوري في لبنان يخطئون أيضاً. فلا مجال لتصحيح العلاقات إلا بحصول تغييرات بنيوية في النظامين اللبناني والسوري معاً، فلا هذا اللبنان يحمل بذور الاستقلال، ولا هذه السوريا تحمل نيات الصداقة له".

عنداري: الدولة القوية تحصّن الاستقلال

بول عنداري يرفض الألقاب ويقبل بلقب "ملتزم". هو مسؤول عسكري سابق في "القوات اللبنانية" رافق الحرب من بدايتها الى نهايتها، ومؤلف كتابي "الجبل حقيقة لا ترحم" و"هذه شهادتي".
يقول: "ولدت عام الثورة، اي عام 1958، والتي كان للنظام السوري دور سياسي وعسكري مباشر فيها. وعندما بدأت الحرب مع الفلسطينيين عام 1975عرفنا أن المعارك الكبيرة التي حصلت في الدامور وزغرتا وغيرها نفذها الجيش السوري تحت غطاء فلسطيني. أولاداً كنا عندما بدأنا التدرّب لمواجهة الحرب المعلنة على وطننا بعدما سقطت الدولة. كنت في الثامنة عشرة من عمري لمّا شاركت في ردّ الهجوم الكبير عن شكا بعدما قرعت الأجراس وعلت الصرخات تقول "إنهم يقتلون الأطفال والنساء". في صيف 1976 دخل الجيش السوري لبنان بوجهه الحقيقي غير المقنع، بمباركة اميركية وإسرائيلية، محققاً بذلك ما كان يصبو إليه دائماً. فبدأت المواجهات معه لأن اللبنانيين، وخصوصاً المسيحيين، لم يقبلوا استبدال السوري بالفلسطيني أو العكس، تماماً كما فعلوا أيام الإنتداب وطالبوا بتحرير لبنان.
أولى المواجهات بدأت في بلدة بلّلا- قضاء بشري، عندما صار محيطها مسرحاً لأوّل معركة فعلية مع الجيش السوري.
في الـعام 1978 تخطت المواجهات مع الجيش السوري المدنيين والحزبيين لتطول الجيش اللبناني مباشرة في معركة ثكنة الفياضية. وفي أوائل تموز من العام ذاته خطف الجيش السوري  بشير الجميّل، فحصلت بعض المناوشات رافقتها برقيات تفيد أنهم سوف يخرسون بيروت نهائياً، ثم أرسلوا برقية بعد جولة قصف عنيفة تقول: "بيروت، أخرسناها". وامتدّت الحرب في بيروت بين الجيش السوري والمقاومة اللبنانية  مئة يوم، قصفت فيها  عاصمة لبنان بكل تراثها وانسانيتها وحياتها المدنية بمختلف أنواع المدفعية الثقيلة. وهناك مشهدان مؤثران لا يفارقانني حتى اليوم: الأول منظر الشاحنات السورية الضخمة التي كانت تنقل أثاث البيوت والنوافذ والأبواب والثريات عند مغادرة الجنود السوريين، والثاني مشهد الدمار الكبير الذي خلفوه وراءهم في الأسبوع الأخير الذي سبق إعلان وقف إطلاق النار، والذي اعتمدوا فيه سياسة الأرض المحروقة. مشهد بيروت بعد حرب المئة يوم كان صورة واضحة عن هوية حكم الجيش السوري والأوامر التي تلقاها. في شباط من العام 1980 جرت معركة قنات - قضاء بشري والتي لم تقلّ شراسة عن معركة الأشرفية واستمرّت أسبوعاً  كاملاً في ظروف صعبة بوجه أعداد وعتاد كبيرين للجيش السوري. قنات كانت واحدة من المعارك الكبرى، أما المواجهة الكبرى التي خاضتها المقاومة اللبنانية مع الجيش السوري فكانت في زحلة، حيث سجّل التاريخ لأهلها وللمدافعين عنها بطولات لن تموت. 
لقد ساهمت المقاومة اللبنانية بالنضال الطويل والشهداء الذين سقطوا في تحقيق الإستقلال الثاني وإعادة بناء الدولة. واليوم علينا الحفاظ على هذا الإستقلال وتحصينه عبر دولة قوية تبنى من جميع أبنائها، ولا تسمح بعودة تدخل السوريين أو ألإسرائيليين أو غيرهم. هذه أمانة في أعناق المسؤولين الحاليين، لأن ما سمح في حصول ما سبق ليس المقاتلين الذين استشهدوا دفاعاً عن أهلهم وأرضهم وحريّتهم، بل زعماء ذلك الزمان الذين لم يكونوا يملكون من الجرأة والمسؤولية والإخلاص ما يكفي لحماية لبنان وتحصينه في وجه الأطماع الخارجية. نحن نحب ونحترم حقاً جميع الشعوب ولكننا نرفض بشكل قاطع أي وجود عسكري غريب سوري أو فلسطيني أو إسرائيلي على أرضنا. نحن نحب الجميع ونحترمهم كمواطنين أعزّاء في أوطانهم ونطلب أن يحترمنا الآخرون كمواطنين لنا كرامتنا في وطننا لبنان الذي كان وسيبقى للشرق وللغرب رسالة حرية".

غسطين: قاومنا... فاتهمنا بالانعزالية

بدأت المقاومة بالنسبة الى القيادي السابق ونائب بشير الجميل في "القوات اللبنانية" شارل غسطين، في العام 1969 إثر حادث الكحالة والإصطدام مع الفلسطينيين. "اذكر جيداً اننا كنا ما زلنا طلاباً في جامعة القديس يوسف (الجامعة اليسوعية) مع مجموعة من الأصدقاء تميّزت أسماؤهم في فترة الحرب أمثال جو إدة وجورج عدوان وميشال سماحة وغيرهم. فتوجهنا فوراً إلى مكان الحادث حيث إستشعرنا أول مرة الخطر الحقيقي. وفي العام 1971 كنت رئيساً لمنظمة الطلاب في حزب الوطنيين الأحرار فقلت للرئيس كميل شمعون أن الشباب يريدون التدرب والأستعداد لأي طارىء، فكان جوابه أن حزبنا ليس عسكرياً. ولكن بعد عام، قال لي الرئيس شمعون في مكتبه في فردان حينها: "المشكلة الفلسطينية يمكن معالجتها، ولكن من سيخلصنا من السوريين الذين سيكبدوننا عشرة آلاف قتيل قبل أن نتمكن من التخلص منهم؟" وعندما سألته بإستغراب عن السوريين الذين لم يكونوا قد دخلوا بعد، أشار بإصبعه صوب الحدود اللبنانية هازاً برأسه "إنهم هناك".
أضاف غسطين: "في الـ 1978 بدأت الأوضاع تسوء بيننا وبين السوريين، فخطفوا بشير الجميل وما لبثوا أن وجهوا  مدافعهم صوب الأبنية السكنية، وطوقوا الأشرفية وأقاموا المتاريس بين الأحياء، وبرهنوا عن نية عدائية". وختم قائلاً: "عرفنا منذ البداية أن الجيش السوري هو جيش احتلال يخطط لحلم قديم بضم لبنان، وخصوصاً ان علمهم في العام 1961 كان يضم نجمتين أي سوريا ومصر وكان هدفهم وضع نجمة ثالثة تعني لبنان. ولما كنا نحذر ونقاوم أتهمنا وللأسف بأننا انعزاليون وأننا ضد القضية العربية والفلسطينية وأننا أذناب للأميركيين".

***

هكذا ما زالت سوريا الشقيقة تهدّد وتهوّل وتؤكد وتنفي. وما زلنا الى اليوم ننتظر ترسيم الحدود والإعتراف بمزارع شبعا والتصريح عن عدد المعتقلين حقيقة في سجونها وهل لا يزالون أحياء!
وبما أن سوريا تعرف أننا نتشارك معها في 600 كيلومتر من الحدود وأنها بوابتنا إلى الدول العربية كلها، فهي لا تتوانى في تصنيفنا بالأشقاء أو الأعداء من دون أن يكون هناك حلّ ثالث، وهي لذلك إضافة إلى التهويل الخطابي الذي ما زالت تمارسه، تهدّد كل فترة بإقفال الحدود وإغراقنا في البحر.
30 سنة من الوجود بالعبارة المخففة الديبلوماسية، لكنها في الواقع 30 سنة من الاحتلال، فما يسمى تضحيات سورية، لا يراها قسم كبير من اللبنانيين كذلك، لأن اللبنانيين رأوا بأم العين كيف تمت التضحية بهم، وبأرضهم، وبأمتهم، وباقتصادهم، والأهم بحياتهم التي تعرضت للقتل والتعذيب والخطف. فهل صحيح أننا كدنا ننسى؟.