كتب ابراهيم جبيلي
اذا كان سهلاً على المراقب معرفة المكان الذي يتموضع فيه النائب وليد جنبلاط، لكن يستحيل عليه مهما بلغت حذاقته، معرفة المكنونات الحقيقية للمواقف السياسية التي يطلقها والى ما ترمي خصوصاً حين تشتد الاوضاع حراجة اقليمياً وغربياً. فالنائب جنبلاط وصل يوماً الى بنت جبيل في العام 2005، يفتش عن تحالف آمن ومريح مع حزب الله وسلاحه يقيه شرّ الخيبات من النتائج الانتخابية في قضاء عاليه - بعبدا، لكن بواطن الامور الحقيقية افضت الى وصف السلاح بالغادر مما اوقع الجميع في حيرة بين التموضع والموقف.
وابرز من وصف جنبلاط، العماد ميشال عون حين قال لرئيس حزب الكتائب الاسبق كريم بقرادوني: وليد جنبلاط يشبه سائق «السرفيس» يبدّل اتجاهه حسب الركاب. هل هذا التوصيف الساخر لعون هو تهمة أم واقع؟ خصوصاً اذا غلب الطبع التطبع، ام ان لمواقف جنبلاط ضرورات الحاجة الماسة، تندرج تحت عناوين عديدة أهمها: صراع البقاء، وهو صراع ثلاثي الابعاد، يبدأ في الحفاظ على الاقلية الدرزية، وفي كيفية ادارة شؤونها وشجونها في محيط اسلامي هادر، مروراً في الموقف السياسي المناسب لزعيم الطائفة وصولاً الى صيانة تامة لدارة المختارة لتبقى مرجعية درزية ووطنية كما ارادها ساكنوها منذ عقود واعطتهم مكاناً وصلاحيات فاقت عما هو منصوص عنها في الدستور اللبناني.
هل وليد جنبلاط سائق تاكسي يغيّر وفق اتجاه الزبائن؟ ام انه قارئ جيّد خائف؟ ترعبه التطورات الاقليمية والدولية، فيسارع عند تغيير الامم الى حفظ رأسه ورؤوس ابناء جلدته، وهنا تكمن نكهته وسر تميّزه بين اقرانه في فريق 14 آذار، واسبغ الله عليه حاسة الاستشعار عن بعد ومدى الخطر الداهم، فكان الاول حين شعر وادرك معاني والغاز ليالي السابع والثامن من ايار في العام الماضي يوم ادركه الخصوم وحاصروه في الكليمونصو فتأكد ان المحظور وقع، ففكر بداية في قصر خلدة علّه ينقذ مع المير طلال ما يمكن انقاذه لان ساعة الحسم والتوقيت باتا في ايدي الخصوم، خصوصاً وانه فتش عبثاً عن الالوية السنية فوجدها تنكفئ في ساعات الحشرة، فيما اكتفى انصاره الدروز في الدفاع عن مقدسات المختارة والبلدات الكبرى، كذلك شاهد بأم العين المجردة كيف تواطأ الحلف الاطلسي ومعه اوروبا في شوارع بيروت، واكتفت واشنطن باستعراض بارجتها «كول» في المتوسط لتحرج من اشتهى يوماً العمل في شوارع نيويورك... عندها تأكدت هزيمة جنبلاط وحلفائه في ثورة الارز.
اذا في ليالي الكليمونصو الموحشة، قرر وليد جنبلاط تنفيذ اكبر عملية تكويع مهما كانت كلفتها ومهما بلغت اثمانها، ارادها بداية خطوة خطوة حتى لا يفاجئ الحلفاء وليتسنى لهم بلعها، ثم اراد ان ينجح في قيادة الشاحنة والتفافها بهدوء وروية خصوصاً وان انفتاحه سيصل الى جهات وافرقاء قال عنهم يوماً ما لم يقله مالك... بالخمرة...
مؤيدو النائب جنبلاط يفسرون انقلابه على رفاقه في ثورة الارز وفق المعطيات التي يملكها زعيمهم ومنها ان السفير الاميركي عائد بعد طول غياب الى العاصمة السورية وانه سيستقر فيها الى امد طويل، وان الزيارات السعودية السورية اصبحت مكوكية بين الرياض ودمشق وكلها تشير الى علاقات جيدة وتفاهم تام على المسائل اللبنانية، وقمة الدهشة التي علت وجوه المؤيدين الزيارات النوعية للسفير السعودي الجديد في لبنان، المفاجأة التي شكلتها زيارته الى بنشعي ولقائه الوزير سليمان فرنجية تلتها مفاجأة اخرى بلقاء السفير السعودي النائب اسعد حردان، عندها تذكر جنبلاط نصائح صديقه عضو البرلمان الروسي ميخائيل ميركالوف الذي منحه وساماً روسياً رفيعاً بانه لا ينام قرير العين على الوسائد الاميركية.
ويعتبر مؤيدو جنبلاط ان زعيمهم يسمع باهتمام كليّ للمشايخ الدروز والهيئات الروحية، لكن القرار قراره والجميع يأتمر بتوجيهاته خصوصاً وانه يتمتع بحسّ مرهف اذا داهم الخطر جماعته، لذا سلّم الجميع بقيادته وحنكته في ادارة صراع البقاء. فاذا قرر اعادة التموضع وافق الجميع، واصبح الكل ينادي على سلاح المقاومة وواجب الحفاظ عليه. واذا اراد تثبيت عروبة لبنان فان انصاره يصبحون عرباً اقحاح يرمون العلم الفرنسي الذي رفع يوماً في باحة المختارة.
اما الخصوم التي علت وجوههم الدهشة، يسألون عن اسرار تقلب المناخ الجنبلاطي وهل لان حزب الكتائب اصبح ضد عروبة لبنان فيما الحزبان الاشتراكي والكتائبي رفعا سوياً شارات النصر في ساحات 14 آذار.
وبين المؤيدين والخصوم، تعتبر اوساط مطلعة ان خيار جنبلاط كان حاسماً على صعيد المصالحة، فدّبر لقاء على عجل مع السيد حسن نصرالله قدم فيه التوضيحات على سنوات العجاف مع المقاومة، فالقلق الجنبلاطي على طائفته فاق اي اهتمام آخر، فغادر «السقوف العالية» في فريق ثورة الارز والتجأ الى «الوسطية» علّها تبعده عن اكثرية «يمقتها» واقلية «تنق» ليل نهار.
من هنا تعتبر المصادر المطلعة ان مواقف جنبلاط ليست مناورة وليست اصطفافا داخل فريق 8 آذار، بل تعتبر ان الاصطفافات ادت الى مزيد من الخراب والتدهور لذا آثر الخروج من عالم الاكثرية والاقلية علّ بعض القوى تلاقيه في الوسط ليشكل معها عنواناً للتوافق في البلد.
وتذكر الاوساط المطلعة ان جنبلاط يحاول باستمرار عشية تأليف الحكومة ارسال الاشارات، بعضها يريدها رسائل تخصه وتفيده فورياً تعزز حصته في المقاعد الوزارية ومنها رسائل مؤجلة تخوله التفاوض لاحقا داخل مجلس الوزراء. ومنها على سبيل المثال طرحه المفاجئ حول الخصخصة، فتؤكد المصادر المطلعة ان هذا الموضوع لدى الحزب التقدمي الاشتراكي هو ثابت وقديم، لكن طرحه الآن بلهجة لا تخلو من القوة والعنف يفيد ان جنبلاط لن يقبل اية مهادنة في الشأن الاقتصادي خصوصاً وان جماهير الحزب في الجبل تتململ باستمرار وتسأل النواب والاركان... ماذا حصلتم لنا من سياساتكم على الصعيد المعيشي.
وليد جنبلاط يفعل كل شيء فيما المطلوب واحد، استطاع ان يمتّن علاقاته مع الرئيس نبيه بري المؤيد لحكومة وحدة وطنية حقيقية تذوب فيها قوة الثامن والرابع عشر من آذار، وجنبلاط يعتبر ان هذه العلاقة مع بري تشكل عنونا للتوافق لان رئيس المجلس يبقى جسراً للتلاقي بين مختلف القوى المتناحرة. وجنبلاط لا يهدأ في تصريحاته المفاجئة ولا في حركته النوعية، زاره وفد حزب الطاشناق بعد انجاد جنبلاط الحزب بتصريحات الدعم والتأييد بعد هجوم حلفائه في ثورة الارز على التصويت « الحاقد» للحزب. كذلك زار السيد حسن نصرالله موضحاً التباسات الماضي والخبثاء يؤكدون اعتذاره عما بدر.. هادن الوزير وئام وهاب، وتحالف مع المير طلال ارسلان. لكن بقي امامه اختراق اسوار دمشق.
وتتردد الانباء من كل اتجاه وتفيد ان تجديد مسكن جنبلاط في العاصمة السورية بدأ، والبعض الآخر يؤكد ان منزل الشهيد رفيق الحريري يشهد ايضاً ورشة تجديد. فهل ان تجديد الورشتين في كلا الموقعين ينبئ بزيارات نوعية؟ واية ورشة تنتهي اعمالها قبل الاخرى؟ وهل كلام الساحات العنيف في مهرجانات آذار تمحوه اللقاءات السعودية السورية المكثفة؟