مايا جابر
أفرزت الانتخابات النيابية مجلسا تتفوق فيه نسبة نواب 14 آذار على نواب المعارضة بنحو 12 نائباً يضاف إليهم ميشال المر ونجيب ميقاتي كنائبين مستقلين متحالفين مع الأكثرية ليرتفع الفارق بين «المعسكرين» النيابيين الى 14 نائباً.
السؤال الذي يطرح نفسه حالياً، وبقوة، في زمن «التحولات الكبرى»، هو: هل هذا التوزيع والتقسيم النيابي نهائي، وبمعنى آخر هل ستبقى التحالفات التي حكمت الانتخابات النيابية سارية في المرحلة اللاحقة، ولا سيما مع استحقاق تشكيل الحكومة الذي أظهرت استشارات الرئىس المكلف مع الكتل النيابية تعارضا الى حد التباعد بين قوى الأكثرية، مقابل تناغم وانسجام الى حد التوحد والذوبان في القرار الواحد بين قوى المعارضة؟!
والسؤال الأهم هو: هل من الصعب ايجاد سبعة نواب ينقلبون من ضفة الموالاة الى ضفة المعارضة كي تتساوى الاكثرية بالمعارضة في المجلس النيابي؟ وبالتالي يصبح ترجيح القرار الداخلي محكوما بنائب واحد، قد يكون أحد النائبين المستقلين؟!
مصادر سياسية واسعة الاطلاع ترى ان انقلاب الموازين بين الاقلية والاكثرية ليس بالأمر الصعب او المستبعد، بل ان امكانية انفراط عقد التحالفات الانتخابية أمر وارد جداً، خصوصاً مع التباينات داخل قوى 14 آذار، ان في مواقفها من البرنامج السياسي للحكم، أم في تصورها للعلاقة مع الفريق اللبناني الآخر، ام في علاقات لبنان الدولية وتعاطيه مع القرارات الدولية، ناهيك عن موقع لبنان من الصراع العربي - الاسرائىلي من جهة، او في الهامش الذي وضعه الرئىس نبيه بري لنفسه ولتحركه داخل قوى المعارضة من جهة ثانية سواء قبل الانتخابات ام بعدها.
على ان الظاهرة الاهم، في رأي المصادر تكمن في مواقف النائب وليد جنبلاط التي تتوالى من خلالها الرسائل الى حلفائه قبل خصومه.
ومن دون العودة كثيرا الى الوراء، تستذكر المصادر «الأسف» الذي ابداه رئىس اللقاء الديموقراطي بعد الانتخابات من فوز اعتمد على شعارات التفرقة وليس التوافق، ودعواته المتكررة الى عدم إقصاء أي فريق سياسي من الحكم، لتشير الى أن جنبلاط يستكملها اليوم ليس فقط بمواقف متقاربة من عناوين المعارضة، وتصريحات مباشرة يطلقها من دون الإيعاز الى المكتب الاعلامي للحزب الاشتراكي التخفيف من وطأتها على حلفائه ببيانات «توضيحية» معتادة مع اقتراب جنبلاط من قرار «الاستدارة»، بل انه باشر بشنّ «هجوم» لا سابق له على قوى الأكثرية من دون ان يستثني أحدا منهم، مستهلاً «سهامه» بأقرب المقربين منه، من خلال انتقاد شعار «لبنان أولاً» الذي كان من شعارات «ثورة الاستقلال» وتحول الى اسم كتلة رئىس الحكومة المكلف، وينطلق بوتيرة تصعيدية أكبر من خلال رفض «الخصخصة»، مع ما ترمز إليه من ارتباطها بالنهج الحريري «الأب» و«الإبن»، ومن ثم ردّه السريع على النائب سامي الجميل وانتقاده لسياسة حزب الكتائب وتأكيده المتكرر لعروبة لبنان واستمرار الصراع مع اسرائيل وتمسكه بقضية فلسطين. وكذلك الردّ الآخر على أحد «صقور» تيار المستقبل النائب أحمد فتفت باستذكاره تعبير «حيتان المال» في اصراره على رفض الخصخصة التي وضعها كشرط ثابت للمشاركة في الحكومة.
كل هذه المواقف معطوفة على اقتراحه الأخير بالانفتاح على غير الحزبيين في التشكيلة الحكومية هي المؤشر الأخير على وصول جنبلاط الى مفترق طرق التحولات الكبرى.
وبحسابات بسيطة يمكن ايجاز الاتي:
اولا: اذا لم يستطع الحريري التراجع عن الخصخصة التي هي احدى مقررات مؤتمر باريس، وخرج جنبلاط من الحكومة ليمارس موقع المراقب لأدائها، أي موقع المعارض، فإنه يشكل الى جانب نواب المعارضة ما يوازي او يفوق اغلبية المجلس النيابي، ما يعني انه قادر على حجب الثقة عنها واسقاطها وبالتالي تكليف رئىس حكومة آخر لن يكون فؤاد السنيورة كما حاول إعلام الاكثرية «الترويج» له في حال حاولت المعارضة إفشال مهمة الحريري في التشكيل.
ثانياً: ماذا لو تشكلت حكومة بنسبة 10وزراء للمعارضة و15 للموالاة و5 لرئىس الجمهورية، اي لا غالبية مقررة للأكثرية ولا ثلث معطلاً للمعارطة، فمن يضمن عدم انقلاب جنبلاط لاحقاً إذا ما حاول البعض استفزازه؟ وماذا لو قرر مع الرئىس بري ان ينقلا ممثليهما في الحكومة الى حصة رئىس الجمهورية، معلنين معاً استقلالهما عن فريقيهما، هل يصبح الثلث المعطل عند رئيس البلاد مثلا؟ وماذا اذا انضم الى تكتل الرئىس ممثلون للمر او لتيارات اخرى، فإن الأغلبية داخل مجلس الوزراء قد لا تكون نهائية أومحسوبة نهائىاً على فريق ما؟
من هنا ترى المصادر ان كلام جنبلاط الاخير هو الاخطر من نوعه، وهو الانذار النهائي لحلفائه الذي لن ينسى لبعضهم محاولاتهم تقليص حجم كتلته النيابية و«سرق» بعض المقاعد النيابية المضمونة تاريخياً له.
أما السؤال الأخير بشأن كلام رئيس اللقاء الديموقراطي فهو ذاك المتصل بدعوته «توزير» غير الحزبيين، فمن يحاول جنبلاط ان يفيد بكلامه هذا؟
هل انه يقدم خدمة لحزب الله وللحريري معا بعد كلام نتنياهو عن رفض اسرائيل مشاركة حزب الله في الحكومة الجديدة، ام انه يسعى الى الترويج لحكومة تكنوقراط بدلا من حكومة سياسيين، الامر الذي ينسجم مع دفاعه الحالي عن القطاع العام، ام انه يطرحها كردّ على الداعين من حلفائه الى فصل النيابة عن الوزارة، وعدم توزير الراسبين في الانتخابات النيابية؟!
وتخلص المصادر الى أن الايام المقبلة قد تشهد المزيد من البلورة لمواقف جنبلاط التي قد يفاجىء بها الكثيرين، وهو القائل قبل اشهر: «سيكون لنا كلام آخر مع حلفائنا بعد الانتخابات»!