هل يملك البطريرك معطيات تدفعه الى القلق من المرحلة المقبلة؟ بكركي تحذّر : لبنان لم يخرج من «نفق» المحاور الاقليمية المتصارعة ونداؤها عشية الانتخابات دق ناقوس الخطر قبل فوات الاوان
الديار 2009/07/02
ايلين عيسى
كرر البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير في الآونة الاخيرة اطلاق مواقف تصف الواقع الحالي بأنه صعب، مخالفا بذلك الاجواء التي يحاول معظم السياسيين اشاعتها عن انفراجات وحلحلة سياسية وامنية واقتصادية، وهذا يدفع الى التساؤل عما اذا كان هذا الموقف ناتجا من وجود معطيات لدى البطريرك تدعم مخاوفه.
زوار البطريرك ينقلون عنه تساؤلات حول مدى قدرة اللبنانيين على امساك امورهم بأيديهم بعيدا عن التدخلات الخارجية ولعبة المحاور التي تجعل من لبنان ساحة تصارع دائم. ولا يمكن ان يتخلص اللبنانيون من الارتباط بالمحاورالمتصارعة اذا لم يتفق الاطراف المعنيون على ارتباطهم بهذه المحاور والتفاهم على معالجة شؤونهم بأنفسهم وضمن حوار ينطلق من نية مسبقة لدى المعنيين للوصول الى نتائج ايجابية، فلا يكون الحوار للحوار او لتضييع الوقت.
ويشعر زوار بكركي بأن لدى البطريرك ما يكفي من المعلومات التي وصلت اليه، والتي تدعم مخاوفه، خصوصا ان ما يجري في خلفية التحضير لتأليف الحكومة يؤشر الى استمرار الازمة بين الاطراف، وان التدخلات الخارجية مع هذا الفريق او ذاك مستمرة، وهو يذكر بأن ما يجري اليوم يؤكد صحة تحذيره الذي اطلقه عشية الانتخابات، والذي نبه فيه الناخبين الى التبصر في الاختيار، لان لبنان مهدد بأن يؤخذ في اتجاه معين. وقد تحمل البطريرك اثر هذا الكلام انتقادات وحملات تحت شعار الانحياز الى طرف سياسي معين. والايام تثبت ان الانحياز لم يكن سياسيا، بل وطني، تماما كما كان موقفه في نداء المطارنة الشهير في العام 2001 يترجم شعورا وطنيا لا فئويا في اتجاه اخراج لبنان من الوصاية الخارجية.
واما النقاط التي تثير القلق في الوقت الحاضر لدى البطريرك الماروني، فهي ظهور العوامل الخارجية في التعقيدات امام ولادة حكومة جديدة، وبالتالي انطلاق الدولة بكامل مؤسساتها من المجلس النيابي الى رئاسة الجمهورية في ادارة البلد. وهو يعتبر ان الانتكاسة الامنية التي شهدتها بيروت في ذروة الكلام على الانفراج، مؤشر خطير على ما وراء الاكمة. والتجارب تثبت هذه المخاوف لجهة استخدام السلاح الموجود خارج الاطر الشرعية لاهداف داخلية.
كما ان البطريرك ينظر بقلق الى المواقف الاسرائيلية الاخيرة التي عبر عنها المسؤولون الاسرائيليون في اتجاهين: الاول هو اعطاء اشارة تزيد المخاوف من توطين الفلسطينيين في لبنان، والثاني هو التدخل في الشؤون اللبنانية الداخلية من خلال الايحاء برفض تمثيل «حزب الله» في الحكومة الجديدة تحت طائلة تحميل لبنان المسؤولية عن اي عمل عسكري يحصل في الجنوب. فهذان مؤشران خطيران، لأنهما يبيتان اهدافا ملغومة، ويزيدان من حجم التعقيدات والمخاوف الداخلية.
وضمن هذا السياق ينظر البطريرك الى مستقبل المسيحيين في لبنان، ذلك انهم يظهرون خارج لعبة المحاور الاقليمية المتصارعة. واذا لم تنشأ دولة قوية قادرة وحدها على تأمين مصالح كل ابنائها، فإن الوضع المسيحي سيكون حساسا، وستزداد موجة الهجرة وتراجع التمسك بالدولة كضامن لوجود الشرائح والفئات اللبنانية كافة.
وهذا يستدعي ان يتحصن المسيحيون بالوعي للمخاطر الداهمة والتوافق على الحد الادنى من الانسجام في ما بينهم حول القضايا التي تعنيهم وتقرر مستقبل وجودهم ودورهم في هذا البلد.