التجاذب بين القوى السياسية حول الحصص والمغانم <ظاهرة> رافقت تشكيل جميع الحكومات السابقة
الحريري سيتخطى ضغوط ومطالب الخصوم والحلفاء بحكمته وبدعم الأشقاء العرب

اللواء 2009/07/04

حسن شلحة

توقعت غالبية الأوساط السياسية في لبنان بروز <كباش> سياسي محلي وعربي ودولي حول تشكيل الحكومة اللبنانية، وهذا لا علاقة له بربح قوى 14 آذار للانتخابات النيابية وخسارة قوى 8 آذار لأكثرية كانت تتوقع الحصول عليها. فهذا التجاذب له علاقة بتفاصيل المسار السياسي اللبناني، وارتباطه بالخلافات العربية - العربية، وكذلك التدخلات الاقليمية بعناوين الصراع والتجاذب في المنطقة ومنها لبنان.

والتاريخ يشهد أن تشكيل الحكومات في لبنان كان يستغرق وقتاً طويلاً وأحياناً أشهراً عدة، فالحكومات في لبنان هي عبارة عن توزيع حصص على القوى السياسية والطائفية، وهي مكرسة في الدستور، وهذا التوزيع حالة لبنانية خاصة، تفرد بها لبنان عن شقيقاته العربيات كونه يضم تشكيله طائفية غير متوفرة في أي بلد عربي آخر.

من جهة ثانية النظام اللبناني ليس نظاماً رئاسياً، بفرض فيه رئيس الجمهورية التشكيلة الحكومية التي يريدها، حتى قبل اتفاق الطائف لم يكن رئيس الجمهورية، يفرض تشكيل الحكومة على القوى السياسية، بل كانت مراعاة القوى الطائفية قائمة، أي حقوق الطوائف في السلطة مضمونة سياسياً ودستورياً، وكل كلام عن الاستئثار أو تفرد أو طائفة متقدمة على غيرها، كلام يوضع في خانة التجاذب السياسي. فحقوق الطائفة الشيعية <مصانة> في الدستور من رئاسة مجلس النواب الى عدد النواب الى عدد الوزراء، وكذلك حقوق المسلمين السنة والموارنة والدروز وغيرهم من الطوائف.

ولذلك <تضييع> الوقت في المرحلة التي تسبق اعلان تشكيل الحكومة لا يخرج عن إطار تحسين مواقع القوى السياسية والطائفية، فعلبة الاحجام والأوزان (مصطلحات سياسية لبنانية خاصة أيضاً..) دائماً كانت تستحضر، بأن تشكيل أي حكومة منذ 1943 ولغاية يومنا الذي يعيش اللبنانيون دقائق تفاصيله.

وعادة ما يتحمل الرئيس المكلف تشكيل الحكومة أعباء هذا التجاذب، وما هو ملقى اليوم أمام الرئيس المكلف سعد الحريري يفوق ما كان يُلقى أمام الرؤساء السابقين.

فالرئيس سعد الحريري قبل الانتخابات وأثنائها، قبل أحداث 7 أيار 2008 وأثناءها تحمل أعباء تفوق قدرات أي انسان، وذلك نظراً لجسامة الأحداث التي تعرض لها لبنان، ونظراً لتعقيدات المشهد السياسي اللبناني.

فالشيخ سعد تحمل مسؤولية القيادة السياسية بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وفي أصعب الظروف السياسية وأعقدها، وها هو اليوم بعد هذه السنوات القليلة يؤكد عن قدرات سياسية كبيرة، فيها الكثير من الحنكة والدراية، فهو جمع بين الحزم والشدة الى جانب الحكمة والعقل، فلم يتعامل مع القضايا الوطنية والبالغة الحساسية بالانفعال، بل تحمل في أصعب الظروف مرارة مسؤولية وطنية حقيقية، ولعل أشدها مر ارة وقصوة أحداث 7 أيار 2008، ولأنه قفز في أحيان كثيرة عن الصغائر وتعامل مع القضايا الكبرى بالحكمة والسياسة والعقل، وجدناه في الدوحة رابحاً وليس خاسراً، وفي الانتخابات النيابية رئيساً لأكثرية نيابية حقيقية وليست وهمية كما كان يعلن خصومه من القيادات السياسية.

فهو كما أعلن أمام قاعدته الشعبية انه رجل الوفاء، ما زال على عهده مع هذه القاعدة التي أعطته الكثير، ووقفت معه بكل عزم واخلاص فدفعته ليكون متقدماً لبنانياً على كافة القيادات محلياً وعربياً ودولياً. والقاعدة الشعبية التي لم تخذله يوماً منذ أن تولى مسؤولية القيادة لن يخذلها فهي في مقدمة أولوياته. وأكد ذلك عملياً وسياسياً طيلة السنوات السابقة.

كما يتحمل بسبب الموقع والارث الكبير الذي تركه الرئيس الشهيد، مسؤولية وطنية كبرى نحو البلد ككل بجميع مكوناته السياسية والطائفية، نحو الأمن والاستقرار، وكذلك تجاه بناء مؤسسات الدولة، رافضاً استبدالها باغراءات الميليشيا...

وهو أيضاً لا يغفل قضية الوفاء للأشقاء العرب الذين دعموا لبنان وفي مقدمهم المملكة العربية السعودية ومصر، ومن هنا نرى وقوفه الدائم على رأي وتوجهات قيادة هاتين الدولتين، وتقديراً منه لما تشغله هاتان الدولتان من مكانة عربية واقليمية وتأثير في المسارات السياسية.

واستكمالاً لما سبق من الأهمية <الاشارة الى الكثير من اللبنانيين والقوى القومية تأمل أن تتكامل جهود دول المثلث العربي - السوري - المصري - السعودي، ففي ذلك صيانة للموقف العربي ودعم لاستقرار لبنان، وعليه تأمل أيضاً نجاح الجهود السعودية في إزالة <غيمة> سوداء غطت بسلبياتها العلاقة بين لبنان وسوريا.

ومن الأهمية الاشارة الى نهج التكتم الذي يسلكه الرئيس سعد الحريري حول تفاصيل تمهيد الطريق أمام تظهير التشكيلة الحكومية يشير الى حنكة سياسية كبيرة لدى الرئيس المكلف، وهذا النهج يساعد على النجاح وليس الفشل، وخاصة ان الشياطين كثر في التفاصيل.

فالرئيس المكلف يواجه اليوم الى جانب ضغوط الخصوم ضغوطاً كبيرة من حلفائه المحليين، ففي الوقت الذي يصر فيه سمير جعجع على استثمار كامل من قبل الأكثرية لنتائج الانتخابات، يؤكد وليد جنبلاط أن <الرئيس سعد الحريري يستطيع أن يحكم ولكن ليس ضد سوريا، ولا بالأحقاد أو النكايات، وبالتوافق السوري - السعودي، الذي نريده مدخلاً لتوافق سعودي - ايراني، وذلك لدرء خطر الفتنة المذهبية ... فكلما كانت تختل التسوية العربية - العربية كان لبنان يدفع الثمن..>.

الرئيس المكلف سعد الحريري يتعامل مع القضايا الوطنية وكذلك اليوم <كام الصبي>، فالرئاسة للحكومة ليست هدفاً، فهو قبل التكليف مارس موقعاً وتحمل مسؤوليات أكبر من الموقع الرئاسي.

التوافق العربي سينعكس إيجاباً على لبنان، والحريصون يأملون أن تتوسع مروحة التوافق هذه لتشمل الدول المؤثرة والوازنة عربياً واقليمياً لتتكون قاعدة التوافق هذا من سوريا - السعودية - مصر، فهؤلاء بالنسبة للقضايا العربية القلب والقاعدة والعقل.

| More