لبنان اولاً>.... بين الخاص الديني والخاص المجتمعي>

اللواء 2009/07/04

ادهم شراباتي

من لبنان الكبير، دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ ضمن حدوده المعترف له بها رسمياً من قبل حكومة الجمهورية الفـــــــــــرنسوية المنتدبة ومن لدن جمعية الأمم ، كما ورد في المادة الاولى من دستور 1926، الى لبنان الطائف، العربي الهوية والانتماء، كما جاء في مقدمة دستور 1990، جدل وصراع سياسي وازمات حدود وجولات عنفٍ القت على عاتقها التزام كل القضايا التحررية والعمالية من اميركا اللاتينية حتى اوروبا بمعسكريها الرأسمالي والشيوعي وصولاً الى افريقيا والشرق الأوسط.

عبر هذا الصراع المرير الذي خبى ولم ينتهِ مرّت هوية الوطن الصغير بتحولات، من دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ وسيادة تامة وفقاً للتعديل الذي طرأ على هذه المادة في العام 1943، الى لبنان المستقل ذو الوجه العربي الذي اوجبته متغيرات ثورة الضباط الأحرار في مصر وما تلاها، من العدوان الثلاثي على مصر الى احداث 1958 واسقاط حلف بغداد الى هزيمة 1967 وقيام منظمة التحرير الفلسطينية. لم تروِ هذه التحولات نزق اللبنانيين المتعطشين دائماً الى دور يفوق حجمهم الديموغرافي والاقتصادي والاقليمي كما لم تحد من توقهم المستمر للانتحار ولتقديم الوطن قرباناً على مذبح كل استحقاق اقليمي، طبعاً لم يكن هذا النزق او هذا التوق ليعبّر عن تماهي اللبنانيين في أيّ من تلك الاستحقاقات بل ليعزّز دور جماعة او طائفة لبنانية على ما عداها في المعادلة السياسية المحلية بالاستناد الى ظهير اقليمي او دولي.

لقد تراءى لنا ان اشهار عروبة لبنان في الطائف امام الدول المركزية في المحور العروبي وبرعاية دول الثقل الدولي سيخرج الوطن الهجين من آخر الحلقات الداروينية في النشؤ والارتقاء فيمسي وطناً عربياً على صورتهم ومثالهم، ولكن ذلك لم يتحقق فقد وضعت معايير للعروبة غب الطلب، وكان اهمها التخلي عن الادارة السياسية للوطن لجهة تشكيل الحكومات وقانون الانتخاب وتركيب التحالفات الانتخابية، وتغييب اي دور وطني في السياسة الخارجية حتى في شقها الاقتصادي، واقصاء الجيش عن حق الدفاع عن الحدود الجنوبية تحت عناوين محاصرة المقاومة وعدم وجود الجاهزية الكافية، وفي نهاية المطاف اتهام اركان الطائف وفي مقدمهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورئيس اللقاء الديمقراطي وليد جنبلاط والوزير مروان حمادة بالارتباط بمحاور غربية والمساهمة باستصدار مجموعة من القرارات الدولية الهادفة الى تقليص الدور السوري <الممانع < في لبنان لصالح المشروع الاميركي الاسرائيلي.

اعادت الهوية اللبنانية محاولة انتاج نفسها منذ انسحاب الجيش السوري من لبنان وانطلاق ثورة الارز على يد حركة 14 اذار التي اطلقت مفاهيم الحرية والسيادة والاستقلال كعناوين اساسية لمشروعها السياسي وحاولت اعادة الاعتبار لدور الدولة والاجهزة الرسمية في الشأن الامني كما حاولت الانفتاح غير المشروط على العالم العربي وفي مقدمته مصر والسعودية وعلى الدول الغربية وفي مقدمها الولايات المتحدة وفرنسا، وحظيت بعناية واضحة من المؤسسات الدولية وفي طليعتها مجلس الأمن الدولي، ولكنها عجزت عن اطلاق المؤسسات الرسمية للاطلاع بموجبات الحرية والسيادة والاستقلال فتقاعس المجلس النيابي عن اقرار القانون المتعلق بالمحكمة الدولية، وذهب الجيش الى الجنوب بموجب قرار دولي، وانتخب رئيس الجمهورية باتفاق اقليمي، وبالتالي فان مقومات الهوية المتوخاة التي ولدت في ساحة الحرية وفي كنف اكثر من مليون لبناني لم تقوَ على الاستمرار الا في الحاضنتان الدولية والاقليمية.

واليوم تستعاد اشكالية الهوية عبر شعار> لبنان اولاً> رغم ان مطلقيه هم مؤيدو الطائف وحرّاسه ولبنان المقصود هو لبنان العربي هويةً وانتماءً، وما يجعل هذا النقاش يستنهض الحساسيات هي المبالغات التي اطلقت خلال الحملات الانتخابية والتي دعت الى توسيع اللامركزية الادارية حتى الكونفدرالية، الأمر الذي اعاد تغليب الخاص لدى الجماعات اللبنانية على العام وأعاد من جديد طرح مسألة علاقة لبنان بمحيطه العربي وحدود هذه العلاقة واطارها المفاهيمي، وربّ سائل لماذا تبقى مسألة الهوية في لبنان حاضرة باستمرار لتشكيل بؤرة الصراع السياسي ومن أين تتأتى قدرتها على التماهي مع كل الاشكاليات التي تعترض الحياة السياسية في لبنان ؟

ان جدلية العلاقــــة بين الفريقين المتقابلين في لبنان والتي اعادت انتاجها مسألة سلاح المقاومة وعلاقته بالدولة والاجهزة الرسمية والكلام هنا لا يعني وجود السلاح او عدمه فهذا معروف ومتفق على جوهره - انما الخلفيات السياسية والثقافية المرتبطة بهذا السلاح ودروه وارتباطه الاقليمي بايران، الامر الذي يجعل مسألة السلاح مشتبكة، وغير قادرة على تخطي، البعدين المكاني والديني للطائفة الشيعية، هذا بالاضافة الى ان طرح مسألة ولاية الفقيه كموضوع للنقاش السياسي لجهة ربط السلاح بالمرجعية الدينية والسياسية القائمة في ايران تم ادخاله في دائرة المقدس والقي الحرم على كل من يتناوله كونه من المعتقدات التي تشكل احد اركان المذهب الشيعي في لبنان.

ان توســــــيـــع دائـــــرة المقـــــــدس لتشمل اشكال السلــطة الســـــياسية للمؤسسة الدينية والمرجعيات على تنوعها والمدارس الدينية وطرق التقليد، والقاء الحرم على كل من يتناول امتدادات وتجليات هذا المقدس من سلاح وتنظيمات عسكرية وتجمعات ومؤسسات تحت مسميات دينية حتى الوصول الى اشكال التجمع والتعبير، والعلاقة مع القانون العام وانتهاءً بالمأكل والمشرب والملبس، يوسع الخصوصيات الدينية على حساب المجال العام المتاح للتعايش والاختلاط والتعبير والمشاركة السياسية والحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية مع الاخر المختلف ثقافياً وسياسياً ودينياً، ولا يدع له مجالاً للمواجهة سوى الارتقاء بالخاص المجتمعي لديه الى درجة المقدس ( نظراً لغياب الخاص الديني المرتبط بمرجعية سياسية-دينية بالنسبة للمسيحيين ولغياب التواصل مع المرجعية السلفية السنية) ثم توسيع هذا المقدس ليشمل الشأن السياسي والاجتماعي والثقافي ولتصبح الكونفدرالية احدى مسارحه، هذا من جهة، اما من جهة اخرى فان تطوير الخاص الديني نقله من وضعه الحمائي لمجموعته الدينية ووضعه الصدامي مع المجموعات الدينية الاخرى ليصطدم مع الحيزالمشترك مع باقي الجماعات، والمتعلق بالشأن العام والمؤسسات السياسية والامنية والخدماتية الرسمية، عن طريق الايحاء بأنّ ايّاً منها لا تؤمن الحماية والضمانة لهذه الجماعة الدينية وبالتالي فان تمثيلها في السلطات التنفيذية والتشريعية والامنية يجب ان ينحصر في الجماعة نفسها وهنا اشتبك ايضاً الشأن التقني، اياً كان نوعه، كما الشأن الخدماتي مع الديني بحده الحمائي او الصدامي فاضحت المؤسسات الامنية عاجزة عن لعب دورها الوطني في حماية المقاومة حتى لو اكتشفت عشرات الشبكات الاسرائيلية، وبقي الجيش عاجزاً عن التصدي للعدو الاسرائيلي حتى ولو بلغ عديده مئات الآلاف وارتفعت جاهزيته الى اعلى المستويات، وبقي الامن الاقتصادي غير محقق ومشكوكاً به نظراً لقدرة طائفة اخرى على ادارته وبقيت الانتخابات موضع شك نظراً لاختلاف الاكثرية النيابية عن الاكثرية العددية ولمسببات اخرى حقيقية او متصورة، وربما من هذا المنظار تتسع دائرة التناقض لتشمل كل جوانب الحياة ولتفرض طقساً من التمايز يتمظهر في كافة اشكال التواصل مع الآخر ومع قيم المجتمع السائدة والمألوفة والذي اضحى بالنسبة اليه مجتمعاً آخراً او مجتمعاً لجماعة اخرى.

ان العــــقلانــــــية الســياسية فـــــي مجتـمع تعددي ومعرّض للاختبار الدائم على صعيد الثوابت الوطنية يفرض على الجماعات الطائفية والمذهبية وضع اطارمفاهيمي للخاص الديني يلزم كلاً منها دون سواها بحيث يفقد كل مفهوم قدسيته خارج هذا الاطار ليصبح شأناً عاماً يمكن تناوله على مستوى المجتمع اللبناني.

| More