رغم المعلومات التي تحدثت امس، عن قمة سورية - سعودية ستعقد في دمشق مطلع الاسبوع المقبل، فإن الرهانات على تطورات ايجابية وشيكة من شأنها ان تعجل ولادة الحكومة الجديدة في لبنان، بدت مغالية ومتسرعة او «مقصودة»، بهدف توجيه رسائل ضاغطة لخدمة بعض الاطراف الخارجية والمحلية.
ووفق مصادر واسعة الاطلاع، فان المسار الحقيقي لعملية تشكيل الحكومة لم يقلع بعد في اتجاه مسهل، لا على المسار الداخلي - الداخلي ولا على المسار المتصل بالوساطة السعودية مع سورية، رغم كل ما قيل وسرب.
وتشير الى انه في انتظار معرفة ما ستتكشف عنه زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز لدمشق، بدا واضحاً ان لعبة طرح الشروط التي حفلت بها الايام الاخيرة، لم تفض الى شق الطريق امام عملية تشكيل الحكومة على نحو مسهل، بل ان ثمة مفعولاً عكسياً ترتّب على هذه اللعبة يخشى ان يزيد تعقيد الامور.
ونقلت المصادر عن جهات سياسية في فريق الغالبية، ان عملية رمي «بالونات الاختبار» التي حصلت في الاسبوع الاخير اخضعت لتحليل دقيق وتقاطع في المعطيات وأدت الى خلاصة واضحة، لا ترى فيها هذه الجهات سوى محاولة متقدمة لاقحام شروط سورية ضمنية في الاستحقاق الحكومي لن يكون ممكناً قبولها تحت اي وطأة. واضافت ان ما تردد عن قمة ثلاثية سورية - سعودية - لبنانية في دمشق، جرت قراءته بمثابة رسالة سورية الى فريق الغالبية والرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري وكذلك السعودية، مع ان اي معطى حقيقي لا يثبت ان هذا الاحتمال جرى تناوله في الاتصالات السعودية - السورية.
وتخشى الجهات المعنية في الغالبية، ان يكون الهدف من امرار هذه الرسالة، متصلاً باهداف بعيدة المدى لها علاقة بموضوع المحكمة الدولية، ما يدخل هذا الملف في «بازار» تشكيل الحكومة، علماً ان محاولة كهذه يستحيل تمريرها على يد الرئيس المكلف او فريق الغالبية مهما كان الثمن.
وفي ضوء هذه المعطيات، تقول الاوساط واسعة الاطلاع ان الايام الثلاثة المقبلة قد تكون كفيلة بتظهير الاطار الواضح لعملية تشكيل الحكومة، سواء في النقاط المعقدة او المسهلة وعلى المسارين الداخلي والخارجي. لكنها بدت واثقة من ان اي تطور عاجل لا يبدو متاحاً الان، وعلى الاقل قبل منتصف الاسبوع المقبل، ما يعكس ضمناً ان كفة التعقيدات لا تزال راجحة على كفة التسهيلات. ولعل مجموعة لقاءات ستعقد في اليومين المقبلين بين الرئيس المكلف وعدد من المعنيين بينهم رئيس الجمهورية ستساهم في تظهير اوضح للصورة العامة التي غلب عليها التشويش المقصود في الايام الاخيرة.
في موازاة ذلك، نقل تلفزيون «أخبار المستقبل» عن مصدر ديبلوماسي فرنسي مسؤول، أن الرئيس نيكولا ساركوزي يدعم الرئيس ميشال سليمان ورئيس الحكومة المكلف، مشيداً بمسيرة الحريري السياسية.
ولفت الى أن الاهتمام الدولي والفرنسي ينصب على تشكيل الحكومة، «وان تكون حكومة وحدة وطنية وفق خيار اللبنانيين، لكن من دون الثلث المعطل، لأن الظروف التي فرضت هذا الثلث للمعارضة في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة تغيرت».
ونقل المصدر عن الوفد الفرنسي برئاسة الامين العام للرئاسة كلود غيان الذي التقى بشار الأسد قبل ايام، أن الرئيس السوري «كان متجاوباً في شأن كل القضايا، وان الوفد لمس في دمشق ذهنية منفتحة على لبنان، وان السوريين استخدموا عبارات إيجابية جداً في حديثهم عن لبنان وسليمان والحريري»، مشيراً الى «ان هذه الأجواء تعكس المناخ الجيد الذي بدأ يتبلور بين السعودية وسورية، وانه بداية انكسار الجليد ما يعطي ثماراً على الساحة اللبنانية».
ونقل مصدر فرنسي آخر ان الرئيس السوري عبّر عن «استعداده لاستقبال رئيس الحكومة المكلف، وهي تشجع مشاركة الحريري في أي قمة تنعقد لاحقاً» (على هامش مؤتمر دول عدم الانحياز)، موضحاً أن موضوع القمة لم يبحث نهائياً، «لكن من الواضح ان الرئيس الأسد يرحب بمشاركة الحريري في أي قمة مرتقبة».
واعتبر ان «قمة من هذا النوع لا تزال مبكرة، وإن يكن توقع ان تنعكس مرحلة الانفراج السعودي - السوري إيجابياً على لبنان».
من ناحيته، ابدى السفير السعودي علي عوض عسيري تفاؤله بالمرحلة المقبلة في لبنان. كما أبدى تفاؤله في نجاح الحريري بتشكيل الحكومة. ورأى أن «أي تقارب سعودي مع الاخوة في سورية، من شأنه ان ينعكس ايجاباً على الوضع في لبنان، وهناك حرص على تعزيز أمن واستقرار هذا البلد وهذا ما يتم العمل عليه».
وفي المواقف اللبنانية، انتقد رئيس الهيئة التنفيذية في حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، «من ينادي بضرورة ارضاء بعض حلفاء دمشق او غيرهم»، مذكراً بـ «أننا منذ 30 عاماً وأكثر ونحن نناضل كي يصبح لدينا وطن مستقل ودولة قائمة ذات كيان»، مؤكداً «التمسك بهذا المبدأ». وسأل «لماذا عند كل حدث في لبنان نراهم يزورون الشام ذهاباً وإياباً»؟ مضيفاً: «بعد كل التضحيات التي بذلت عبر التاريخ وحديثاً، وبعد نجاة الكثيرين من الاغتيال بأعجوبة، ثمة سؤال يطرح: أين اصبحت التضحيات التي بذلت من اجل لبنان كي يدعو البعض الى ضرورة التحاور مع سورية في استحقاق لبناني داخلي ضاربين عرض الحائط بكل تضحيات شهدائنا، هذا الى جانب اننا سنفقد المواطن اللبناني امله بوطن مستقل على المدى القريب»؟
تابع: «البعض يتصرف وكأنه لم تحصل انتخابات في لبنان الى جانب وكأن 14 مارس لم تفز (...) وقوى 14 مارس غير مستعدة للتفريط بنتائج الاستحقاق النيابي»، مذكراً بـ «ان الفريق الآخر استمر طوال الأعوام الاربعة الماضية يطالب بإجراء انتخابات مبكرة لا تعتمد قانون غازي كنعان، وقالوا آنذاك ان بعد الانتخابات فليحكم الفائز، استجبنا لمطلبهم وفزنا لكنهم تجاهلوا كل وعودهم السابقة وبدأوا يطالبون بالشراكة الوطنية والوحدة الوطنية، فاذا كنا سنسير بهذا المنطق فلماذا اجرينا الانتخابات»؟