بيروت - من وسام ابو حرفوش |
المدهش في بيروت المصابة بـ «الحيرة» في لحظة تحولات تبدو وكأنها «كبيرة»، هو ان السؤال لم يعد: هل يزور الرئيس الملكف تأليف الحكومة سعد الحريري سورية، بل صار هل يزورها قبل تشكيل الحكومة ام بعد تأليفها؟
شيء ما «غامض» في لوحة داخلية - اقليمية معقدة، ما يجعل الجواب اشبه بـ «لعم» يرتبط مصيرها بمجريات الحوار الناشط على طريق دمشق - الرياض، الذي من المتوقع ان تتضح نتائجه اليوم.
من المنتظر ان يصل الى بيروت اليوم، وزير الاعلام السعودي عبد العزيز خوجة، لوضع الحريري وفريقه في اجواء «الاجوبة السورية» التي في ضوئها يتحدد مصير الزيارة التي قيل ان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز ينوي القيام بها لسورية، الاثنين.
وثمة معلومات في بيروت، تحدثت عن ان خوجة رافق الموفد الشخصي للملك، نجله الامير عبد العزيز، في زيارة لسورية للاطلاع على اجوبة دمشق عن اسئلة محددة كانت طرحتها الرياض وتتعلق حصراً بالعلاقة اللبنانية - السورية.
ورغم ان وسائل اعلام فريق الاكثرية، تلقفت بـ «اهتمام حذر» خبر «وكالة الشرق الاوسط المصرية للانباء»، عن زيارة الملك عبدالله لسورية، بعد غد، فانها حرصت على الايحاء بان مصير هذا التطور يرتبط بالاستعداد السوري او عدمه في تسهيل تشكيل الحكومة في بيروت.
وفجأة، ومن دون مقدمات، انتقلت «التسريبات» من الكلام عن امكان انضمام الحريري، بعد تشكيل الحكومة الى قمة ثلاثية سورية - سعودية - لبنانية تعقد في دمشق او في شرم الشيخ، الى كلام «مفاجئ» عن احتمال قيام الحريري، وقبل تشكيل الحكومة، بزيارة لسورية خلال وجود الملك عبدالله فيها.
بدت هذه المعلومة وللوهلة الاولى اشبه بـ «تسريبة سورية» توحي برفع دمشق لسقف شروطها من اجل الاضطلاع بدور مسهل في تشكيل الحكومة، كالضغط على حلفائها من اجل التراجع عن المطالبة بـ «الثلث المعطل» وما شابه، غير ان ايحاءات كثيرة، وسط التكتم الذي يمارسه الحريري، لم تسقط من الحسبان مثل هذا الاحتمال.
وعلمت «الراي» ان امكان انضمام الحريري الى القمة السعودية - السورية، اذا انعقدت في دمشق «امر مرجح»، رغم الاجواء التي توحي باستبعاده نتيجة «محاذيره الداخلية»، وهو يخضع لتقويم حثيث، رغم ان اللقاء اذا حصل فانه سيتم على «ارض سعودية» في سورية، اي في قصر الملك في دمشق.
هذا التطور، الذي قد يتحول من نوع «المفاجأة غير المفاجئة» ستكون نتيجته المباشرة تمكين الحريري من تشكيل حكومة من دون «ثلث معطل» لحلفاء سورية، اما نتائجه البعيدة المدى، فمن الصعب توقعها في ضوء ملامح جديدة توحي بعودة ما للنفوذ السوري الى لبنان في اطار «اجندة» عربية ـ دولية متعددة المحاور في المنطقة ستكون سورية جزءاً منها.
وفي انتظار المخارج الشكلية لتظهير الاكثرية هذا التحول الذي قد يضع وحدتها على المحك، فان المناقشات التي شهدتها بيروت على مدى اليومين الماضيين، تدور حول «الاثمان» المعجلة والمؤجلة لمثل هذا التحول من سورية والسعودية، ومن الاكثرية والمعارضة، وحول ما تطالب به الرياض وما تريده دمشق.
اوساط واسعة الاطلاع قالت لـ «الراي»، ان الرياض ومع فوز الاكثرية في الانتخابات وتكليف الحريري تشكيل الحكومة، تحركت في اتجاه دمشق من اجل ترتيب العلاقات على نحو يمكن الحريري من تشكيل حكومة «مريحة» ترسي علاقة طبيعية مع دمشق بعد الازمات العاصفة التي اعقبت اغتيال رفيق الحريري وانسحاب الجيش السوري من لبنان.
غير ان سورية، وحسب هذه الاوساط، وضعت جانباً ملف العلاقات الثنائية لتبحث عن دور يعيدها كرقم صعب في ترتيب العلاقات اللبنانية - اللبنانية، وقدمت نفسها «ضمانة» في هذا الاتجاه من خلال ما هو ابعد من تشكيل الحكومة.
وكشفت مصادر قريبة من «حزب الله» لـ «الراي»، عن ان سورية اقترحت على السعودية انعقاد لقاء مصالحة لبنانية - لبنانية في دمشق برعاية سورية - سعودية، غير ان قوى الاكثرية، رفضت هذا الاقتراح.
واذ اكدت مصادر في الاكثرية، اقتراح سورية لمثل هذا اللقاء، ورفضه من قبلها، اشارت الى ان اعلان قطر انتهاء مفعول اتفاق الدوحة، كان برغبة من دمشق التي ارادت قيام «دوحة سوري» يعيدها كـ «مرجعية» في مقاربة العلاقات اللبنانية - اللبنانية.
ازاء هذا الواقع، فان بيروت تبدو كأنها تدور فوق «طوفان» من التحليلات التي تراوح بين اعتبار «الايجابية» السورية مجرد مناورات «تشاطرية» تحاول من خلالها تحقيق مكاسب في لبنان بلا اثمان لعدم رغبتها او لعجزها عن الضغط على حلفائها، وبين الكلام عن ارادة سورية بالاستجابة للانفتاح الاميركي - الاوروبي عليها وبسعي معسكر الاعتدال العربي على احتضانها.
واشارت مصادر مطلعة على اجواء 14 مارس، الى ان المعلومات التي جرى التداول في شأنها خلال الساعات الماضية، عن زيارة ينوي الحريري القيام بها لدمشق، لم تفاجئ مسيحيي 14 مارس على الاطلاق، وهي التي كانت منذ ايام، على علم بحجم الضغوط التي تمارسها المعارضة ومن خلفها سورية على الرئيس المكلف.
وقالت ان الطرح الذي نقله خوجة بعد زيارة موفد الامير عبد العزيز لدمشق، حملت شرطاً سورياً جديداً يقول بزيارة الحريري لدمشق قبل التأليف ليسهل عليه تشكيل الحكومة الجديدة.
ولفتت الى اجواء من «الصدمة» تعيشها معظم قوى 14 مارس، لا سيما الاقطاب المسيحيون، ازاء كل الصيغ المطروحة لزيارة الحريري لدمشق، سواء بمعية خادم الحرمين او وحده، وان كان بالامكان القيام بهذه الخطوة بعد التأليف وبرعاية كاملة لرئيس الجمهورية، تحديداً.
واكدت مصادر في الامانة العامة لقوى 14 مارس، وجود عراقيل كبيرة تواجه عملية تشكيل الحكومة من الجانب السوري الذي لا يكف عن التدخل في شؤون لبنان، معتبرة ان انتصار «14 مارس» الانتخابي الذي تحقق في 7 يونيو، ساهم في ايصال رمزها الحريري الى سدة رئاسة الحكومة، ومؤكدة «التزام دعم الحريري بكل قواها من اجل ان يساهم في عملية العبور الى الدولة من موقعه الجديد».
واكدت «ان ما صدر عن النائب السابق فارس سعيْد وعن الدكتور سمير جعجع ليس موجهاً ضد النائب الحريري، انما ضد الشروط السورية التي تحاول العودة عبر النافذة الحكومية لبسط نفوذها على لبنان»، لافتة الى «ان على قوى 14 مارس اعطاء الحجج والمشاريع والافكار من اجل تسليح النائب الحريري لانتاج حكومة تضم الجميع بعيدا عن منطق التعطيل الواضح او المقنّع»
في موازاة ذلك، واكب الرئيس ميشال سليمان الاتصالات السياسية الجارية لتشكيل الحكومة الجديدة، مركزاً في الوقت نفسه على الشأن الخدماتي خصوصاً السياحي. وطمأن الى «أن استقرار الاوضاع السياسية والامنية التي أثبت إنجاز الانتخابات النيابية الاخيرة متانتها، يشكل عاملاً مهماً في انجاح موسم السياحة والاصطياف الواعد هذا العام».
وكان الرئيس اللبناني أبدى امام زواره تفاؤله بقرب إنجاز التشكيلة الحكومية، متحدثاً عن سقف زمني لا يتجاوز 15 يوماً.
وكرر سليمان انه لن يوقّع مرسوم تشكيل الحكومة الجديدة إذا لم تكن حكومة وحدة وطنية، لكنه رفض التعليق على ما يتردد من صيغ رقمية تعطيه حصصاً معينة وتتناول دوره كضامن لأي فريق، وقال: «فلتتّفق الموالاة والمعارضة وعندما أطلع على ما اتفقوا عليه سيكون لي رأي باختيار بعض الوزراء» من دون أن يحدد العدد الذي سيطالب به».
وأكد إمكان أن «تكلل الاتصالات العربية - العربية بعقد قمة ثلاثية أو حتى رباعية لبنانية - سورية - سعودية - مصرية»، كاشفاً عن استمرار الاتصالات المباشرة بينه وبين الرئيس السوري لمواكبة هذه المساعي.
ولفت موقف لرئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط، دعا فيه الى استعادة مناخ الثقة بين لبنان وسورية من خلال التركيز على ملف العلاقات الثنائية «وتأجيل ما عدا ذلك، من عناوين سواء أكانت خلافية، أم لم تكن كذلك، الى مراحل لاحقة»، معتبراً أن الحريري «يستطيع أن يحكم، لكن ليس ضد سورية ولا بالأحقاد أو النكايات».
وصرح لصحيفة «السفير»، بان «الحريري يحكم بالتوافق السوري ـ السعودي الذي نريده مدخلا لتوافق سعودي ــ ايراني، وذلك من أجل درء خطر الفتنة المذهبية، خصوصاً في لبنان».
ونصح الحريري بأن يكثف لقاءاته مع الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري.
في المقابل، اكد رئيس حزب الكتائب اللبنانية أمين الجميل، أنه مع تطبيع العلاقات مع سورية وفتح صفحة جديدة، لكنه شدد على «ضرورة وجود ضمانات وتطمينات وأن تكون العلاقة على أسس سليمة وواضحة وليس كما تريد سورية وفق قاعدة، عفا الله عما مضى».
وقال: «نريد مبادرة حسن نية، والتأكد أنه لم يعد هناك تعطيل وسلاح غير شرعي في يد ميليشيات»، لافتاً إلى «السلاح الفلسطيني خارج المخيمات الذي يأتمر بالمخابرات السورية، وقضية المفقودين اللبنانيين، وقضية مزارع شبعا».
واكد: «موقفنا واضح: لم نقدّم كل هذه التضحيات لنفرّط من جديد بهذا البلد، واذا أراد البعض أن يتصرف بشكل آخر فليتحمل مسؤوليته»، مؤكداً أن «كل 14 مارس على موقف واحد ولا يحاولنّ أحد الدخول بيننا».
وعن القمة السعودية - السورية، رأى أن «من الأفضل أن تكون القمة في الرياض اذا أراد لبنان أن يشارك فيها».
وتوقع النائب مروان حمادة، ان تتأخر ولادة الحكومة بعض الشيء «لأن المواكبة الإقليمية لها لن تصل إلى حد أن تفرض على 14 مارس تقديم تنازلات أكثر مما تريد، كما أنها لن تفرض على فريق 8 مارس تنازلات أكثر مما يريد».
وإذ استبعد انعقاد قمم عربية قبل ولادة الحكومة، أشار الى أن الملك عبدالله «يمكنه أن يزور دمشق في أي وقت وبمعزل عن الوضع الحكومي اللبناني».
كما استبعد النائب نهاد المشنوق (من كتلة الحريري) أن «يزور الرئيس المكلف تشكيل الحكومة دمشق قبل تأليف الحكومة، باعتبار أن هذا الامر يستهدف إنجاز التشكيل».
وعلى خط المعارضة، اعتبر نائب «حزب الله» حسن فضل الله ان مشاركة الحزب في الحكومة المقبلة رهن بموقف المعارضة مجتمعة من الصيغ التي نسعى للتوافق عليها، فـ «بناء على صيغة الحكومة وقرار المعارضة منها يكون قرار حزب الله».