قبل أن ينتهي مفعول المورفين
مايا كيروز = 18 جراحة في مئة يوم!

المسيرة 2009/09/26

نوال نصر

إذا قلنا هذا نصيبها، نظلمها! وإذا اعتبرنا ما حدث معها مجرد قضاء وقدر، نكذب! وإذا نقلنا قصتها كما هي، سيأتي من يقول أننا نرمي البنزين على نار الفتنة، وإذا سكتنا عن آلامها نكون مثلهم: مجرمين!
مايا كيروز، المشلوحة منذ أكثر من مئة وعشرة أيام على سرير أبيض بارد، مستيقظة جدا على حالها، تراقب أطرافها تُبتر قطعة بعد قطعة، قدم بعد أصابع، من غير أن تتخلى عن ابتسامة وإرادة مجبولتين بكثير من الصبر والصمود والمعاناة!

لم تخل مايا (23 عاما) أنها ستتحول في لحظة، في أقل من لحظة، شبه صنم مشلوح في سرير غير قادر على الحراك، وهي التي طالما نعتت بالمكوك المتحرك القادر على أن يكون هنا وهناك وهنالك في آن. كانت مليئة بالحياة، مسرورة دائما، لا تحمل ضغينة على أحد، وكانت أجندتها تتفتق من كثرة الأحلام والأمنيات والمواعيد المضروبة. يا الله كم أن الدنيا قادرة على أن تتغير بين ما كان وما صار، وكم أن الأحلام قادرة على أن تتقزم الى حدود الطموح الى أن تفعل إبرة المورفين فعلها ويتضاءل وجع قاتل يضرب جسد الفتاة!


مئة وعشرة أيام وأكثر، ولا تزال مايا تتلوى مثل نعجة مذبوحة... لماذا؟ من فعل بها ما فعل؟ هل سامحت؟ هل بقدرة من نُحر أساسا أن يسامح من نَحر؟ وهل هناك من سأل وحقق، ومن لا يزال يسأل ويحقق في جريمة حصلت في حق شابة تحت عين الشمس؟
بعد يوم أحد انتخابي شاق أتى نهار الاثنين هادئا شكلا وملتهبا مضمونا. صور وأعلام وشعارات كانت لا تزال تنتشر في كل مكان. استقلت مايا سيارة والدها مالك وهي من نوع رانج روفر، على زجاجها الخلفي صورة الدكتور سمير جعجع والشيخ سامي الجميل وقصدت رفيقتها في الفيدار. حاول شقيقها طوني (12 عاما) أن يصعد معها فدعته لأول مرة في حياتها الى النزول لأنها لن تتأخر. نصيبها كان أن تذهب ونصيبه كان أن ينجو. عبرت الدرب كما دائما بحرص وانتباه، لكن سيارة من نوع تويوتا أو نيسان، لا تتذكر كثيرا، لونها أحمر، شكت عليها، وقبل أن تعي ماذا يحصل دنت منها سيارة مرسيدس شبح سوداء لوحتها من أربعة أرقام بينها ثلاثة وستة، تضع علما أصفر ضخما جدا يرفرف بقوة وصار سائقها يكسر عليها في شكل يجعل القماشة الصفراء، قماشة حزب الله، تتطاير أمامها وتحجب عنها طريقها.

خافت؟ صرخت؟ بماذا شعرت في تلك اللحظات؟

تنظر مايا الى صورة يسوع مذيلة بعبارة: اليك رفعت رجائي يا ساكن السماء، تبلع ريقها، تتحسس بيدها السليمة ما تبقى من يد يمنى تبتر، وتتابع سرد تلك اللحظات: «اجتاحتني مشاعر كثيرة وأفكار جمة. فكرت بأهلي. بالانتصار الذي حققناه يوم الأحد (في السابع من حزيران). دعست بنزين كثيرا. تبعتني سيارة الشبح ورفع أحد ركابها مسدسه وأطلق منه عيارين ناريين في اتجاهي. خفت كثيرا. حاولت أن أقفز من الرانج وهو يمشي بسرعة فعلقت قدمي». تغمض عينيها وتردد: «كأنه فيلم أكشن. كان فيلما مرعبا. تدحرجت وانقلب الرانج واحترق وأنا تحته»...
لولا العناية الإلهية لقضت مايا حريقا تحت مركبتها، لكن أيادٍ بيضاء انتشلتها قبل فوات الأوان، بعدما كادت النيران تلتهم الجانب الأيمن من جسدها، من الرأس حتى أخمص القدمين. نجت لكنها تعاني.

والداها مالك ومريم لا يتركانها لحظة. شقيقتها ميشا تعمل لتساعد وتتعلم. أما هي، فما عادت قادرة حتى أجل غير معلوم على ان تساهم في مصروف البيت. كانت تعمل في شركة بيجو وترقّت قبل الحادث. وكانت تنوي (تتذكر للتوّ) ان تذهب في رحلة مع تيلي لوميير الى مديغورييه. يغص صوتها، لكنها لا تلبث ان تبلع ريقها من جديد واعدة بأن تفعل هذا في السنة المقبلة. عنيدة هي. طموحة. ويوم زارها الدكتور جعجع وكانت لا تزال تتلوى ألما كبيرا، فاجأته بالقول: «انتصرنا». ويومها قال لوالدها مالك: «قلت لي لديك ابنتين وصبي أم صبيين وبنت؟» تجلس والدتها مريم على الكرسي، تلقي رأسها الى الوراء، تدمع، تغص، تنظر الى ابنتها مليا وتردد: «لم تكن ابنة عادية. كانت مليئة حياة وحبًا.

ولدتها في الثالث والعشرين من نيسان، في عيد مار جريس. كان أملي فيها كبيرًا. ماذا فعلنا ليفعلوا بنا ما فعلوه؟ ما لهم ولنا؟ حرام والله العظيم حرام. لم تترك مريم ابنتها لحظة منذ جرى الحادث. تركت بيتها وسكنت في الطبقة الثانية من مستشفى الجعيتاوي. تبدلت كل حياة أسرتها. لم يعد للفرح مكان في حياتهم. البارحة أخذها زوجها ساعة الى سيتي مول لتشتري ما يحتاج اليه اهل البيت، فشعرت بضيق كبير وألحت عليه ان يعود بها الى حيث تركت مايا قلبها. كم كان الفعلة، المجرمون، قساة. لماذا كل هذا الحقد على صورتين وضعتا على زجاج سيارة خلال الانتخابات؟ لماذا يحق لهم ما لا يحق لغيرهم؟ انهم يضعون أعلاما وصورا صفراء وخضراء وسوداء عملاقة في كل مكان، ويؤنبون من يجرؤ على أن يرفع في عقر داره صور خصومهم! أسئلة وعلامات استفهام كثيرة تتردد ...

| More