الثنائي الشيعي اتقن صنع الثوب الذي يكسوهما معا بعلاقة صيغت بميزان الذهب
الانتخابات والتعيينات: كثير من الماء في نبيذ العلاقة الملتبسة!

اللواء 2010/01/28

كتب المحلل السياسي: تثير العلاقة الملتبسة بين الثنائية الشيعية الكثير من الحبر·· والخيال الرومنسي· وكثيرا ما تحضر هذه العلاقة ومرفقاتها التاريخية والآنية، في جلسات التسامر السياسي· لكن ثمة اجماع نادر على ان هذه العلاقة صيغت بميزان الذهب وبأيد حريريّ (صانع الحرير وبائعه، منعا للالتباس) مميّز، يتقن صنعته، فيدرك متى يفتق الثوب ليصنّع عروة، ومتى يدخل الابرة ليشبك قطبة، ومتى يقلب القماش ليخفي قطبة!

في الاصل، مرّت علاقة الزعامة النيابية الشيعية بالزعامة السياسية الشيعية، بفترات مدّ وجزر، من العداء الدموي المطلق (بين الاب وابنه وبين الاخ واخيه) ابّان حرب اقليم التفاح ابّان الاختلاف السوري ? الايراني في لبنان، الى المساكنة الاضطرارية يوم قررت دمشق وطهران تطبيع علاقتهما اللبنانية، انتهاء بتحالف الضرورة المصلحية· في كل هذا المد والجزر كانت لدمشق اليد الطولى في تنظيمه وتسييره، من دون اسقاط رغبة جامحة لدى قيادة <حزب الله> بتطبيع العلاقة مع الحليف اللدود لضرورات الانصراف والتفرّغ الى المقاومة ولوجستياتها من دون الاضطرار الى الانشغال بمعالجة تحسس شارعي من هنا، وصراع ديوك حيّ من هناك· ولأن لكل حاجة ثمن، ارتضت قيادة <حزب الله> ان يكون ثمن هذا التطبيع حصصا ادارية او سياسية او حتى مالية·

ايقنت الادارة السورية للبنان، بفرعيها في عنجر وبيروت، هذه الحاجة الحزبية، فأجادت واحسنت ادارة العلاقة بين الحليفين اللدودين· هي عادة ما مالت الى ترجيح كفة <حزب الله> في كل ما يتعلق بإستراتيجيا الصراع وفي تثبيت عقيدة <حزب الله> شعبيا وسياسيا، لكنها كانت تستحسن نزعة قيادة حركة <امل> ونبيه بري شخصيا، الى خوض غمار البازارات في كل ما لا يتصل بمتطلبات المقاومة وحاجياتها السياسية والشعبية· استطرادا، كانت المغانم في الادارة والاقتصاد وارتباطاتها ومندرجاتهما، تُصاغ مع الحركة، في حين كانت ضرورات تثبيت العقيدة المقاومة تديرها قيادة <حزب الله> بتنسيق كامل مع الادارة السورية في عنجر· ومن لا يذكر المعركة القاسية والقاصمة التي خاضها الحزبان الحليفان في الانتخابات البلدية والاختيارية الاخيرة في العام 1998، يوم حقق الحزب على الحركة انتصارا موجعا وكاسحا اكسبه غالبية مطلقة في البلدات الشيعية، برعاية سورية ? عنجرية مباشرة جعلت الحليف الحركي، في حينه، يحرد فيعتكف ثم يبادر الى طرح هواجسه وهواجس قواعده·

استوعبت قيادة <حزب الله> الهواجس، واحتضنت الحاجة، وإختّطت ما لزم من تفاهمات تبرر الضرورات· لكنها في الوقت عينه نصبت الخيمة التي تسع للحزبين وللقاعدتين على حد سواء· فعاد الحديث الى <حلف الدم> الذي لا يفرّقه انسان، لكن النار ظلت تحت رماد الشك· ماذا عن الحاضر؟

كثيرة هي الاستحقاقات التي تجعل علاقة الحليفين على محك الاسئلة، بدءا من استحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية وليس انتهاء بملف التعيينات الادارية والامنية والعسكرية والديبلوماسية·

اقنع بري نفسه بالتقاسم السابق للحصص وللمواقع، فسلّم بالضرورات التي تبيح محظورات التسابق الانتخابي المحموم على المجالبس البلدية والاختيارية، لكنه كان يعزّي النفس بإحتفاظه بغالبية ما للشيعة من مراكز في التعيينات، يوزعها يمنة ويسرة على ما يناسبه في السياسة وفي غيرها من الاحكام المباحة·

الحال هذه لا تبدو راهنا انها ستستقيم على ما كانت عليه سابقا· فالحزب يتوسع عموديا وافقيا، وجسمه الواسع والفضفاض يعوزه الكثير من الاقمشة والرداءات لكي يكتسي ويزيد· بعض هذا الكساء يؤمنه بالاستنفار المستمر، وبعضها الآخر بالعطاءات الاجتماعية التي بلغت بعد العام 2006 اكثر من 50 الف عائلة بموازنات هائلة، ويبقى البعض الثالث الذي (قد) يكون يحتاج الى الثوب الاداري المؤسسي، في تجربة ستكون الاولى من نوعها (في حال تحققت) منذ ان افتى له الامام الخميني جواز الاشتراك في الحياة السياسية اللبنانية من باب الانتخابات النيابية في العام 1992، والتي كانت مدخلا له للولوج الى الجسم الحكومي في تموز العام 2006·

تدرك قيادة حركة <امل> ان لا خبز لها في الاستحقاق الانتخابي الآتي من دون التفاهم مع <حزب الله> على الحصص القليلة التي له، لكنها هل تسلّم للحزب بحصة - وربما تكون الغالبة- في التعيينات؟

لا يبدو الجواب يسيرا بقدر السؤال، ذلك ان القاعدة الحركية الآخذة بالضمور لمصلحة قاعدة الحزب طاغية كما ونوعا، اكتسبت غذاءها من فتات التحاصص، وإكتست من ثوب التقاسم والتشاطر· فأي بقاء لها او مصير، في حال ضمر هذا الفتات واحتاج الحزب بعضه في سبيل ضرورات تثبيت العقيدة المقاومة؟ اليوم مدير من هنا، وادارة من هناك؟ غدا، ماذا يبقى؟

السؤال بحجم الالتباسات، وما اكثرها! فهل يكون اول الاجوبة الهروب الى تطيير الانتخابات البلدية من بوابة الاستفاقة الى خفض سن الاقتراع الى 18 عاما، والتلويح بالهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية من باب تطبيق المادة 95 من الدستور وانسجاما مع البند <ح> من مقدمته، وتعليق التحاصص في التعيينات الادارية من نافذة الهيئة القضائية المخالفة للدستور ولصلاحيات وزير ما بعد الطائف؟

يتبع: عن العلاقة بين بري وعون

| More