بيروت - من محمد بركات|
ما زال اللبنانيون مذهولين بما حدث فجر الاثنين: طائرة تقل 90 راكبا، 54 منهم لبنانيون، سقطت في البحر بعد أقلّ من ثلاث دقائق من إقلاعها من مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت.
كانوا يعدّون العدّة لأيام مزدهرة بعد انطلاقة عمل حكومة الوحدة الوطنية، وبعضهم يحضر لمعاركه السياسية، بين خفض سنّ الاقتراع إلى 18 عاما وإقرار حقّ المغتربين بالتصويت في الإنتخابات، وبين إجراء الانتخابات البلدية او تأجيلها. وفيما كان البلد يغرق في الحوارات والنقاشات الكلامية، جاء تحطّم الطائرة ليوحّدهم في الحزن.
قيل إنّ نصاب جلسة مجلس النواب الذي لم يكن سيكتمل في ساحة النجمة، بسبب اتفاق النواب المسيحيين على رفض خفض سنّ الاقتراع، اكتمل في مطار بيروت حيث جمعت المصيبة الجميع، ودفعتهم إلى التعزية في الضحايا الذين ما زالت جثث معظمهم في البحر وبعضهم في براد مستشفى رفيق الحريري الحكومي في بيروت، في انتظار مطابقة فحوص الحمض النووي «دي ان ايه».
في بيروت سرت إشاعات كثيرة عن أسباب سقوط الطائرة، لكنّ أحداً لم يتأكّد من أيّ شيء بعد في انتظار نتائج التحقيقات. ولعل الاشاعة الأكثر طرافة هي أنّ «صاروخا ضرب الطائرة»، لأنّه «لا يمكن أن تقع طائرة بسبب العاصفة».
في المقابل، أكّد وزير الدفاع الياس المرّ أنّ «سبب سقوط الطائرة المبدئي هو سوء الأحوال الجوية»، واوضح وزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي ان «السائق لم يلتزم تعليمات المطار، لكن لا نعرف لماذا؟ ولا يمكن أن نحمّله المسؤولية قبل انجلاء التحقيقات».
التعويضات: وقت طويل
بعد دفن الضحايا وكفكفة الدموع، سيلتفت الأهالي إلى مسألة التعويضات، خصوصا أن القسم الأكبر من اللبنانيين الذين كانوا في الطائرة هم من المغتربين الذين يعيلون عائلاتهم الصغيرة، وأحيانا الكبيرة، أي تلك التي تشمل الأم والأب وليست الزوجة والأولاد فقط، وفي احيان كثيرة الأشقّاء ايضا.
هذا يعني أنّ اليتم لن يطاول طفلاً أو طفلة فقط، وأنّ الترمّل لن يصيب الزوجة وحدها، بل سيصيب عائلات كثيرة، خصوصا تلك التي تعتاش على ما كان يرسله الراحلون من مغترباتهم لسدّ الرمق.
من هنا، فإنّ ملف التعويضات سيكون الأبرز في الأسابيع والاشهر، وربما السنوات المقبلة. وفي هذا الشأن، تحدثت «الراي» الى النائب السابق المحامي حسن علوية، وهو وكيل الجزء الأكبر من ضحايا حادث تحطّم طائرة كوتونو الشهيرة في العام 2004. ذلك الحادث الذي بات يعرف في الإعلام اللبناني والعربي بأنّه «قضية طائرة كوتونو»، والذي راح ضحيته عشرات اللبنانيين ممن كانوا في الطائرة مغادرين مطار كوتونو الافريقي إلى لبنان.
يقول علوية انطلاقا من خبرته التي عمرها ستّ سنوات إنّ البداية يجب أن تكون «انتظار نتائج التحقيق»، ويعتبر أنّ «تدخل اللجنة الفرنسية دليل خير يشكل ضمانا لأهالي الضحايا، لأنّ الفرنسيين هم الذين أعطونا حقوقنا في التحقيقات، وهم الأكثر جدّية».
لكنه يحذر اهالي الضحايا من «المماطلة، لأننا حتى اليوم، وبعد ستّ سنوات في المحاكم، لم نحصل على أيّ تعويض»، ويضيف: «في البدء، عرض علينا أن نقبل بـ26 ألف دولار عن كلّ ضحية، كما تنص معاهدة وارسو، لكننا رفضنا».
ويؤكّد في هذا الاطار أنّ «المعركة القانونية التي خضناها طوال سنوات مكّنتنا من رفع مبلغ التعويض إلى 40 ألف دولار عن كلّ ضحية عبر تسويات مع شركات التأمين. لكننا حتى اليوم لم نقبض هذه المبالغ».
ويتابع أن «الأمر يحتاج إلى الوقت، وربما إلى وقت طويل، ريثما يكشف التحقيق مدى مسؤولية القبطان والمطار وشركات الصيانة، ومدى مسؤولية الشركة المصنّعة والأحوال الجوية وغيرها».
ويختم «على أهالي الضحايا الان ان يصبروا ويطلعوا على القانون الاثيوبي ومضمون أوراق شركة التأمين في اثيوبيا واتفاقاتها الدولية مع لبنان».
نقيب الطيارين
«الأحوال الجوية السيئة لا تسقط طائرة من دون ظروف سيئة أخرى»، هذا ما يؤكده لـ «الراي» نقيب الطيارين في لبنان الكابتن محمود حوماني مضيفا «هناك أسباب أخرى جعلت الطائرة تسقط».
يروي حوماني كطيّار أمضى آلاف الساعات في الجوّ، أنّه صادف ظروفا جوية «أكثر صعوبة بعشرات المرّات مما كان سائدا فجر الاثنين، فهذا المطر وتلك العواصف لا تسقط طائرة إطلاقا». وحين نسأله عن عدم التزام القبطان الاثيوبي تعليمات المطار وبرج المراقبة»، يجيب: «دائما يخالف الطيارون تعليمات البرج والمطار، لأنّ القبطان يكون وحده في الميدان ويعرف الظروف المباشرة لوضع الطائرة أكثر من الجالسين في البرج، لكن هذا لا يعني أن تقع الطائرة».
ويتابع «بالطبع، قد تكون هناك ظروف وأسباب تقنية خارجة عن إرادة الطيار منعته من التزام التوجيهات، وربما الطائرة نفسها لم تساعده».
في اي حال، فقد تبيّن أنّ «القبطان قام بدورة غريبة قرب المطار قبل أن يختفي عن شاشة الرادار»، بحسب معلومات المطار، الأمر الذي لن يستطيع أحد تفسيره إلا بعد ظهور نتائج التحقيقات.
وفي رأي حوماني أنّه «يجب انتظار نتيجة التحقيقات بعد العثور على الصندوق الأسود، لنعرف حقيقة ما جرى في الدقائق الأولى بعد الإقلاع. ولكن بالتأكيد لا يمكن أحد أن يلوم القبطان أو أن يتكهّن حقيقة ما حدث».
ويلفت الى ان «العثور على الصندوق الأسود لن يكون صعبا لأنّ الطائرة على عمق لا يتجاوز مئة متر، وهو قليل نسبيا. وقد يتم العثور عليه خلال 48 ساعة».
وكان العريضي اعلن أنّه تمّ تحديد البقعة الجغرافية التي يرجح ان حطام الطائرة يرقد فيها، علما ان الجهود لسحبه ستتم بالتعاون بين فرقة غطاسين من الأسطول السادس الأميركي وفرق بحث لبنانية وفرنسية ومن قوة «اليونيفيل».
ويوضح حوماني ان «نتائج التحقيقات لن تظهر بسهولة، وقد تحتاج إلى ما يزيد على 6 أشهر».
ويختم بالدعوة إلى «عدم الخوف من السفر في الأيام الماطرة والعاصفة»، مؤكدا أنّ «حركة الملاحة لم تتأثر وكذلك الحجوز في المطار، لأنّ اللبنانيين يملكون وعيا كافيا ليعرفوا أن الطقس لم يكن السبب».
الناجون... لم يكونوا في الطائرة
لم ينج أحد، حتى الساعة، من الحادث. هذا ما تؤكده فرق البحث والإغاثة الدولية، التي وصلت من فرنسا وبريطانيا وقبرص اضافة الى الأسطول الأميركي السادس الذي أرسل فرق غطاسين لانتشال الجثث.
اما الناجون الفعليون فهم ثلاثة لم يستقلوا الطائرة في الساعات الأخيرة لأسباب مختلفة. ومن هؤلاء الشاب العشريني باسل الهندي، الذي قرر فجأة عدم السفر ولم يصدّق أنّه نجا من الموت حين سمع خبر الحادث عبر التلفزيون. وفورا، اتصل بأحد التلفزيونات المحلية وطلب الظهور على الشاشة لعرض روايته.
لكنه سرعان ما قرر التوقف عن الحديث الى وسائل الاعلام بعدما انهالت الاتصالات عليه يمينا وشمالا واصيب بما يشبه انهيارا عصبيا.
«الراي» التقت صديق الهندي احمد صبيدين، الذي قال ان باسل «أتاه إلهام من السماء ألا يركب الطائرة عند التاسعة والنصف من مساء الأحد، فاتصل بشركة الطيران وطلب تأجيل السفر، فطلبت الموظفة بعض الوقت لترى ما إذا كان ذلك ممكنا، وبعد ساعة اتصلت وقالت إن السفر تأجّل».
واضاف صبّيدين: «أرجأ باسل سفره ونام، وما هي إلا ساعات حتى عرف أن الطائرة تحطمت في البحر، فراح يصلّي للرب الذي نجّاه وحزن على الذين ماتوا».
القبطان لم يلتزم
مصادر في مطار بيروت، أكدت أن الطائرة الاثيوبية لم يكن قد مضى على وجودها على المدرج أكثر من ساعة حين أقلعت ثم تحطمت، مؤكدة ان المطار لم يكن ملزما اجراء صيانة لها، «فهل يجب صيانة كلّ طيارة تحطّ في المطار لساعة؟».
واضافت أنّ «برج المراقبة نبّه قبطان الطائرة إلى ضرورة عدم سلوك اتجاه العاصفة، وذلك لاكثر من مرة، إلا أنّه، لأسباب غير معروفة، وربما اضطرارية، واصل سيره إلى أن فقده رادار المطار».
ويشار الى أنّ الطائرة «ال
بوينغ 737» هي احدى الطائرات الأكثر استخداما في العالم، وقد صنع منها 6000 نموذج حتى نهاية العام 2009 وهناك 2000 قيد الصنع.
والمفارقة انها احدى الطائرات الأقلّ تعرضا لحوادث في تاريخ الطيران، إذ لم يتحطم منها سوى خمس منذ البدء بتصنيعها في العام 1967 وفقا لموقع شركة ال
بوينغ الالكتروني ومصلحة سلامة الطيران الدولية.
وبعد... رغم فداحة الحادث المأسوي وسوداوية المشهد، فقد أعطى اللبنانيين صورة عن طبقتهم السياسية لم يشاهدوها منذ ما قبل اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري. انها صورة التضامن والتكاتف التي علّق عليها وزير الاشغال غازي العريضي «تعلمنا درسا أننا نستطيع العمل والتعاون كوزارات وإدارات، بعيدا عن السياسة والمذهبية والطائفية والمناطقية، وهذا ما يجب أن نتعلم فعله في الأيام العادية وليس فقط في أيام الكوارث».