لندن - كتب حميد غريافي:
يبدو ان الاقتراح الذي طرحته "السياسة" على بارونات الطوائف المتصارعين في لبنان قبل شهرين باجراء "تبادل الودائع" بين قوى "14 آذار" و"8 آذار" بحيث تستعيد الأولى العماد ميشال عون الى صفوفها في "ثورة الارز" وتسترد الثانية وديعتها وليد جنبلاط الى الصفين السوري والايراني, يسير قدما نحو التطبيق الطبيعي من دون تدخل أحد من الفريقين, بعدما "ذهب سيد المختارة يسارا ولم يعد" الى احضان حسن نصر الله ونبيه بري ووئام وهاب ومنها الى "جيبي" بشار الاسد ومحمود احمدي نجاد, غير مأسوف على رحيله, وانقلاب عون المفاجئ على حلفائه "الممانعين" عبر تصديه المستمر لطروحات ومواقف رئيس مجلس النواب و"حركة أمل" نبيه بري بدءا من انتخابات منطقة جزين النيابية التي تناحر فيها الطرفان حتى العظم وصولا الى رفض جنرال الرابية" فكرة "استاذ عين التينة" (بري) تشكيل هيئة الغاء الطائفية السياسية واخيرا "فكرته" الثانية الاصرار على تمرير مشروع خفض سن الاقتراع من 21 عاما الى 18 عاما في مجلس النواب بطريقة مسلوقة وملحة ما لم يعبر معه تمرير مشروع تمكين المغتربين من الاقتراع لفرض توازن طائفي مسلم ومسيحي بين الكثافة المسلمة للشباب في لبنان والاقلية المضنية المسيحية لهم اذ ان غالبية الهجرة المسيحية الجديدة الى الخارج هي من هؤلاء الشباب.
وهذه المحطات الخلافية الثلاث بين عون وبري (الطائفية السياسية وخفض سن الاقتراع وحق الانتخاب للمغتربين) قد تدفع تداعياتها الى فك ارتباط عون شيئا فشيئا ب¯ "جبهة الممانعة والمقاومة" برمتها في المحطتين الباقيتين الاكثر تعقيدا وخطورة اذا ما استمر رئيس مجلس النواب ووليد جنبلاط في هجمتهما ذات الابعاد الطائفية الكيدية, وهما "سلاح حزب الله" و"السلاح الفلسطيني خارج المخيمات", اذ يبدو ان زعيم "التيار الوطني الحر" الذي مازال متمسكا حتى اشعار اخر ب¯ "المقاومة وسلاحها "حفاظا على مكاسبه الايرانية والسورية, سيقفز مرة رابعة فوق المحطات الاولى الثلاث الى صفوف "14 اذار" في المطالبة الصارمة باقفال ملف "العصابات" الفلسطينية خارج المخيمات التابعة لفصيلي أحمد جبريل وابوموسى المدعومين من حليفه الجديد بشار الاسد والمغطيين من حليفه الاخر حسن نصر الله وبذلك تنتقل ثلاثة ارباع العونية الى الضفة الاخرى وبقاء رأسها المنازع فقط في الضاحية الجنوبية من بيروت.
ف¯ "المسيحيون الحقيقيون" الذين تظللهم البطريركية المارونية بوارف جناحيها والذين يمثلهم شارع سمير جعجع (القوات اللبنانية) وامين الجميل (الكتائب) ودوري شمعون (الاحرار) وكارلوس اده (الكتلة الوطنية) ومجموعات أكبر منهم من المستقلين الذين يكونون هذه الكتلة الهائلة من "ثورة الارز" رحبوا بعودة "الابن الشاطر" ميشال عون الى طروحاتهم الرافضة كل اقتراحات بري, حصان طروادة الاقليمي لسورية وايران في لبنان, ممهدين السبيل امامه لنزوح سلس ومريح الى صفوفهم عبر وقف الحملات الاعلامية عليه وعلى مواقفه النزقة المتقلبة مثل رقاص الساعة منذ نحو خمس سنوات, معربين عن اعتقادهم, بل آمالهم, ان من يحارب معهم على اربع جبهات و"يعتنق" عقيدتهم في التصدي لها, قد يسهل عليه قريبا خوض الجبهة الخاصة وهي نزع سلاح "حزب الله" الى جانبهم في حال استمرار حلفائه الراهنين امثال بري وجنبلاط وتوابعهما في غلوهم الطائفي لتقليم ما تبقى من اظافر مسيحية قادرة حتى الان على التمسك الجيد بالبقاء في محاولة حاسمة منهما لقلب الاوضاع رأسا على عقب لصالح الدويلة الشيعية.. المسخ التي يرأس سدتها العليا (رئاسة الجمهورية) نعيم قاسم او محمد رعد أو الشيخ نبيل قاووق او احد خريجي "جامعة" قم الايرانية, فيما رأسها الاخر الاقل "رجاحة" وسلطة (مجلس الشيوخ) تعقد ناصيته لوليد جنبلاط او احد اقاربه او قادة حزبه.
وميشال عون المنزلق بقوة من فوق سنمة جمل "حزب الله" الى صهوة جواد "14 اذار" المطواع سلس القيادة والاقناع, لا يأخذ في حسابات تحوله الجديد "ذكريات" فوزه في انتخابات جزين وبعبدا والمتن الشمالي وجبيل بالاصوات الشيعية, كما لم يأخذ في تحوله السابق نحو "الممانعة والتصدي للمشروع الاميركي - الصهيوني في لبنان". "ذكريات" رفع شعارات "ثورة الارز" و"حرب التحرير" و"طرد السوري من لبنان باذلال" واستعادة السيادة والقرار الحر", حين ونفض ذيله من كل هذه الشعارات الرنانة التي تبين انها من "عدة الشغل" للوصول الى هدف لم يتحقق, هو التربع على كرسي الرئاسة الاول غصبا عن مالكيه واصحابه في بكركي و"المربع" المسيحي الواسع, فقام الان بهذه الردة الى اصله وفصله "لعله يصل الى هذا الهدف المشابه لامل ابليس بدخول الجنة على صهوة ذلك الجواد الذي عنانه في يد البطريرك نصر الله صفير والعاملين تحت ثوبه وارشاداته.
ويعتقد زعماء الموارنة في لبنان وشارعهم المستقل في تفكيره ان استمرار بري في طروحاته شديدة التحدي والغرور للمسيحيين الذين يحاول عون ادعاء تمثيل غالبيتهم بالقوة والتهديد والوعيد من جهة, واستمرار سعد الحريري في تقديم الاغراءات له وقادة "14 اذار" المسيحيين بالنفخ في "بطولاته وزعامته وتوجهاته الوطنية الصادقة" في المقابل قد يؤديان الى سحب شعرته الملطخة من عجين "حزب الله" ولو بعد حين اذا شبه له ان "مستقبله" سيكون مضمونا ومستقبل صهره جبران باسيل سيكون "لامعا ومصونا" بينما العامل الخارجي السعودي - الاميركي - الفرنسي يمكن ان يلعب دورا حاسما اذا عاد فامتص هذا العون واستوعبه ضاربا على وتره الحساس في سلخه كليا عن توأمه الهجين "حزب الله" حتى من دون اجراء عملية فصل مبضعية لان الالتحام تم اصلا بعملية اصطناعية ولم يكن التحاما لا بالولادة ولا بالوراثة.