خطاب 14 آذار يدوّي في 14 شباط.. وما بعده

المستقبل 2010/02/05

عبد السلام موسى

مذ بدأ الحديث عن نية "14 آذار" إحياء ذكرى الرئيس الشهيد رفيق الحريري في ساحة الحرية، كما جرت العادة في كل عام، كثر الحديث عن الخطاب السياسي الذي ستطل به قيادات "14 آذار" على اللبنانيين، باعتبار الذكرى محطة مفصلية من شأنها أن ترسم آفاق المرحلة المقبلة، وتؤسس لمستقبل العلاقات اللبنانية اللبنانية، في ضوء المتغيرات السياسية الحاصلة في لبنان والمنطقة ككل.
أولى ملامح هذا الخطاب تجلت بوضوح في "بيان البريستول"، الذي تميز بالانفتاح، و بدا للمراقبين مزيجاً من التكيف مع المتغيرات، واعادة تثبيت المبادئ الاساسية، ولا سيما أنه انطوى على رسالة لا لبس فيها الى الشركاء في الوطن، تؤكد "على التمسّك بوحدتنا الوطنية وتوسيع نطاقها، لأنها أساسُ إستقلالنا، وضمانةُ أسلوب عيشنا، ومصدرُ قدرتنا على مواجهة التحديات المقبلة. غير أن وحدتنا هذه، على غنى تنوعنا المشروع والمرغوب، لا تقوم ولا تستقيم بشروط فئة من بيننا، ولا طبعاً بشروط الخارج، وإنما بشروط الدولة الجامعة".
أتى "بيان البريستول" بدعوته "شعبَ الحرية والسيادة والإستقلال ورسالةِ العيش المشترك" ليكون على الموعد في 14 شباط، بالتزامن مع مطالبة البعض بأن تكون الذكرى مناسبة وطنية جامعة، وكأنها لم تكن كذلك في السنوات الخمس الماضية.
أمام هذه المطالبة لهذا البعض التي تعكس بطبيعة الحال "إدراكاً متأخراً"، للبعد الوطني والتأسيسي لذكرى استشهاد الرئيس الحريري، يؤكد عضو كتلة "المستقبل" النائب محمد الحجار "أن لذكرى 14 شباط بعدها الوطني، الذي يفرض على الاخرين ملاقاة قوى 14 آذار في خطابها الذي تركز فيه على أهمية الوحدة الوطنية لمواجهة كل التحديات التي تنتظر لبنان"، لا سيما وأن المحلل السياسي الياس الزغبي يرى "بأن المرحلة المقبلة ستكشف أن ما راكمته 14 آذار من إنجازات في السنوات الخمس الماضية، هو لمصلحة كل اللبنانيين، وأن من يعتبرون أنفسهم خارج ذكرى 14 شباط، معنيون شاؤوا أم أبوا بسياقاتها السياسية والوطنية، ذلك أن ذكرى الرئيس الشهيد لهذا العام تبلغ مستوى الرسالة، ولم تعد مجرد وكالة، بمعنى أن إنقاذ من يظن نفسه على طرف نقيض مع 14 آذار، هو هدف بحد ذاته".
وسط هذه الصورة، برز بحسب المتابعين أن "14 آذار"، ومنذ "تسوية الدوحة"، لم توفر جهداً في سبيل تطبيق "ثقافة الوصل"، فكان أن قدمت التنازل تلو الاخر، من منطلق الحرص على الوحدة الوطنية، والسلم الاهلي، والعيش المشترك، وصولاً الى انتخابات 7 حزيران، التي انتصر فيها اللبنانيون لمشروعها.
ويرون ان "14 آذار" سرعان ما أعطت انتصارها بعده الوطني الجامع، ووضعته في خدمة المصلحة الوطنية، فما كان من سعد رفيق الحريري إلا أن أطل في ليلة الانتصار بخطاب مد فيه اليد، لفتح صفحة جديدة في الكتاب اللبناني، تُوجت بإصراره، رغم كل العراقيل على تشكيل حكومة وحدة وطنية، أتت على صورة لبنان، جامعة ومتنوعة.
بهذا المعنى، لطالما كانت "14 آذار" السباقة الى كل ما يلم شمل اللبنانيين ولا يفرقهم. فالرئيس سعد الحريري، المعني الاول بالذكرى، أكد في "لقاء البريستول" على ضرورة المشاركة الشعبية في إحياء ذكرى الرئيس الشهيد، باعتبارها مناسبة وطنية لتدعيم الاستقرار العام في البلد وبالتالي يجب ان تكون جامعة للبنانيين وليست للتفرقة خصوصاً"، مشدداً على "أن هذه المناسبة ليست موجهة ضد احد ولن تكون خارج التوجه العام لتدعيم الوحدة الوطنية وتثبيت الاستقرار والحفاظ على التهدئة".
ثم أتى كلام رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع منسجماً مع كلام "حليفه"، فأكد "ان أي تقارب في البلد يكون من مصلحة الجميع، وأي صورة جامعة وشاملة هي أفضل من أي صورة أخرى"، مع الأخذ في الاعتبار أن ذكرى 14 شباط "ليست لقراءة الفاتحة فقط عن روح الشهيد رفيق الحريري والشهداء الآخرين. بل هي تحمل معاني سياسية كبرى لست أنا من حددها، ولا الرئيس سعد الحريري ولا أي قيادي آخر، بل الناس الذين نزلوا إلى ساحة 14 آذار سنة 2005".
لا شك في أن هذا المسار الثابت لقوى "14 آذار" منذ الانتخابات النيابية في 7 حزيران، يضاعف من مسؤولية الفريق الاخر في ملاقاته بخطاب يؤسس للانطلاق نحو المستقبل، لا بخطاب ينطوي على شروط للمشاركة في ذكرى رجل كان لـ"كل لبنان" أو بالمطالبة بكلمات تكون على "هواهم السياسي"، ومن هنا، يرى النائب الحجار، "أنه من المفيد جداً أن يلاقي الفريق الاخر خطاب 14 آذار، الذي يشدد على الوحدة وأهمية استعادة الدولة لدورها وهيبتها، أن يلاقيه بخطاب مماثل، وليس بمحاولات تهدف الى تحقيق بعض المكاسب الآنية أو الخاصة".
بهذا السياق، يؤكد الحجار"أن ذكرى الرئيس الشهيد تشكل محطة للتأكيد على أن المسيرة الاستقلالية مستمرة، وأن الانجازات التي تحققت يجب الحفاظ عليها، واعتمادها كركيزة للانطلاق نحو المستقبل، وأهم ركيزة في هذه الاطار، تبقى تلك الصورة الجامعة للبنانيين، مسلمين ومسيحيين، في ساحة الحرية"، مشيراً الى أن "أن الشعارات والعناوين التي رفعها شعب 14 آذار في السنوات الخمس الماضية، لا تزال بحاجة الى تحصين، وصولاً الى تنفيذها".
أما الزغبي، فلا شك لديه في "أن ذكرى 14 شباط 2010 تشكل مفصلاً مهماً في مسيرة 14 آذار كجسم سياسي وطني متنوع، طالما أن مسؤولية الذكرى مزدوجة لهذا العام، فهي من جهة مناسبة لحماية ما تم إنجازه، ومن جهة ثانية مناسبة لإطلاق مسيرة بناء جديدة لما لم يتم إنجازه بعد، ذلك أن للذكرى هذا العام مفعولا رجعيا للتأكيد على كل الخطوات التي تم إنجازها، والتمسك بشروط وظروف صيانتها".
وإذ يرى أن "العنوان التأسيسي الابرز هو بناء الدولة"، يشير الى أن "الذكرى هذا العام تبدو متعددة المهمات، وكل تهاون أو تراخ في النظرة إليها، أو في كيفية التعامل معها، يشكل نوعاً من إضعاف العزيمة، وتأخير عملية بناء الدولة".
ويعتبر "أنه للوهلة الاولى، فإن ما حصل من انفتاح في الداخل، ومن انفتاح في العلاقة مع سوريا، وكذلك في المشهد السياسي الذي حصل من خلال تشكيل الحكومة، قد يظنه البعض تراجعاً عن روحية 14 شباط ومفاهيم 14 آذار، إلا أن القراءة الشاملة لما حصل، ويحصل، يؤكد أن الانجاز الاساسي لشهادة رفيق الحريري يتجه بشكل واثق نحو التحقق، في الطريق لبناء الدولة بمواصفات جدية بصفتي السيادة والاستقلال، وبذهنية الحداثة".

| More