كتب خليل فليحان:
عشية انعقاد طاولة الحوار رقم 2 في القصر الجمهوري المخصصة لمناقشة السياسة الاستراتيجية الدفاعية التي ينبغي اعتمادها في ظل تهديدات اسرائيل للبنان والتي تركّز على الترسانة الصاروخية لـ"حزب الله" والاسلحة الحديثة الاخرى التي يمتلكها، تجهد الدوائر الاسرائيلية الرسمية من معاهد ابحاث ودراسات استراتيجية، في نشر تفاصيل عنها وما تشكّله من اخطار على امنها. وفي ظل خلافات نشأت بين قيادات وفاعليات سياسية محلية، بين مطالب بضم هذا السلاح الى المؤسسة الشرعية وعدم التفرد بقرار الحرب من اي طرف سياسي، وبين رفض الحزب وفاعليات أخرى تؤيده في ذلك والاصرار على إبقائه بإمرته، إنخفض مستوى المخاوف التي كانت لدى رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الوزراء سعد الحريري من شن اسرائيل اعتداء جديدا على لبنان بعد تلقيهما تطمينات من دول كبرى ومؤثرة تربطها علاقة جيدة بها. وإقترنت تلك التطمينات باستمرار التنبه وعدم إعطاء اي ذريعة لها لتنفيذ تهديداتها.
الاخطار لا تزال قائمة، غير ان تنفيذ التهديدات مؤجل لاكثر من سبب، منها اعطاء الفرصة لمعاودة المفاوضات على المسار الفلسطيني – الاسرائيلي في وقت قريب بعد قبول لجنة متابعة " مبادرة السلام العربية "اقتراح الرئيس الاميركي باراك اوباما والذي نقله اليها رئيس السلطة محمود عباس. وكذلك الاستمرار في السعي الاميركي مع دول اخرى، الى فرض عقوبات على ايران بعد تعثر المفاوضات معها حول الملف النووي.
وأفادت معلومات ديبلوماسية وردت الى بيروت ان "التطمينات"الدولية التي اعطيت لسليمان والحريري، لا تعني ان تخوف القيادتين السياسية والعسكرية في تل ابيب قد زال من الترسانة الصاروخية للحزب، وانهما لن تقدما في اي وقت تريانه مؤاتيا على مهاجمة لبنان مجددا دون تمييز بين اهداف للحزب من عسكرية ومقار ومنازل سكن، والبنى التحتية والمؤسسات الحيوية والعسكرية من محطات توليد الكهرباء والمياه والمطار والموانىء ومبان رسمية.
ونبهت دوائر ديبلوماسية في بيروت الى ان على لبنان ان يتحسب دوما لاسرائيل التي تتهيأ باستمرار لشن اعتداءات جديدة عليه، لانها قلقة من الخطر الذي يتهدّدها والجاثم قرب حدودها، والمتمثل بصواريخ الحزب التي اثبتت فاعليتها في عدوان تموز 2006، وان هذا السلاح لم يعد لبنانيا فحسب، بل ُأدخل بعد القمة التي ضمت الرئيسين السوري بشّار الاسد والايراني محمود أحمدي نجاد والامين العام للحزب السيد حسن نصرالله المعادلة الاقليمية وصراع طهران مع المجتمع الدولي حول ملفها النووي. السيناريوات التي تطرح لاندلاع الحرب كثيرة ومتعددة وتتصدر وسائل الاعلام والمواقع الالكترونية الاخبارية.
وحضت على مزيد من اليقظة وعدم النوم على حرير "التطمينات"، لان ما تقوم به تل ابيب في حملتها الدعائية ضد لبنان، وعدم تمكن حكومته من تنفيذ قرارات مجلس الامن وعلى الاخص القرار 1701، يشير الى ان تلك الحملة لن تقتصر فقط خلال على التهديدات اللفظية فحسب بل هي تحضير للرأي العام العالمي لما سترتكبه خلال حربها على لبنان. والتهديدات ليس الغرض منها مجرد توجيه رسائل تهويل او حض الدول ومجلس الامن على منع ايران من مدّ الحزب بمزيد من السلاح، وسوريا بإمراره عبر اراضيها، ولبنان بمطالبة المنظمة الدولية بضبط حدوده، على رغم انه يؤكد لها ان جيشه المنتشر على الحدود مع سوريا لم يضبط مرة اي كمية سلاح آتية من الاراضي السورية الى أراضيه.
وأعربت عن أملها في ان يتحمل اهل الحوار غدا الواقع الذي يواجه لبنان مع اسرائيل من جوانبه المختلفة، ومناقشته من دون انفعال وكيل التهم لبعضهم البعض، بين متحالف مع دول كبرى حليفة لاسرائيل او تحالف مع ايران وسوريا واستعمال السلاح الذي بحوزته في نزاعات إقليمية وليس لتحرير الاراضي التي لا تزال محتلة من اسرائيل. وشدّدت على أهمية انتهاج لبنان سياسة الحياد او على الاقل الابتعاد عن سياسة المحاور الاقليمية لصون وحدته وسلامته وحمايته من شرّ اي حرب يمكن ان تندلع في المنطقة ولا علاقة له بها. ولفتت الى ان إتباع سياسة تجنب اسقاط مزيد من الضحايا من مواطني لبنان وتدمير منشآته على اختلافها وتنوعها يجب ان يكون من صلب استراتيجيته الدفاعية وخصوصا ان السلاح المتوافر على اهميته غير مكتمل، فيما تمتنع الولايات المتحدة ودول اخرى من تزويد سلاح الجو اللبناني اسرابا من المقاتلات الحديثة، لانه يشكل خطرا على امن اسرائيل المعتدية على لبنان منذ قرابة النصف قرن.
ولفتت الى أهمية إدراك المتحاورين أنه يجب إنجاح الجلسات والتفاهم على استراتيجية دفاعية تحمي البلاد من عدوان اسرائيلي جديد، عبر صيغة تضمن ترجمة تنفيذ ما التزمه لبنان لجهة السلاح غير الموجود لدى جيشه، وفي الوقت نفسه الابقاء على سلاح الحزب لمقاومة اي عدوان يمكن ان تشنّه اسرائيل على لبنان. وشدّدت على ضرورة ان تكون الجلسات الآتية صريحة وبنيات صادقة ومسؤولة، وبعيدا عن عرض العضلات وتبادل التهم، لان الوضع الاقليمي متوتر وستكون له انعكاسات سلبية في لبنان، لذا على اهل الحوار عدم إبقائه مكشوفا بالفعل وليس فقط بالقول.