تقرير غربي يعرض ستراتيجيتها السياسية والعسكرية في مواجهة إسرائيل
سورية تستدعي الاحتياط وتهيئ جبهتي لبنان وغزة تحسباً لـ"الحرب الشاملة"السياسة 2010/02/05
غالباً ما تأتي الردود السورية على التهديدات الإسرائيلية باردة وخالية من الجدية, لأن دمشق تعتبر منذ سنوات طويلة أنها بمنأى عن خطر مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل, طالما أن اللعبة الإقليمية المدعومة دولياً, حددت لكل من الطرفين خطوطه الحمر, وتركت لهما ساحة للقتال وتسجيل النقاط أو لتبادل الرسائل وهي ساحة لبنان.
ولكن التهديدات الجديدة لاقت هذه المرة رداً سياسياً سورياً أكثر "حرارة", فانتقلت دمشق من الرد الدفاعي إلى نوع من الهجوم النفسي باعتبار أن وراء هذه التهديدات ارتباك لدى القيادة الإسرائيلية ناجم عن عدم هضم الفشلين في حربي غزة ضد "حماس" العام الماضي, وحرب يوليو ضد "حزب الله" في العام 2006.
وعلمت "السياسة" من مصادر موثوقة, أن الجيش السوري بدأ منذ أسابيع عدة باستدعاء الاحتياط على دفعات لتدريبه وإعداده للحرب.
فما الذي تغير في اللعبة الإقليمية, وعلام تستند كل من تل أبيب ودمشق, للنفخ في أبواق الحرب الشاملة?القواعد الجديدة
نشرت "السياسة" في عددها الصادر يوم الثلاثاء 2 فبراير الجاري خلاصة تقرير إسرائيلي سري يتحدث عن أسباب موجبة لضرب سورية في أي حرب مقبلة ضد "حزب الله", ويشير إلى أن الحزب لم يعد في المنظور الإسرائيلي تنظيماً أو جيشاً لبنانياً مستقلاً, بل تحول إلى جزء من الستراتيجية السورية العسكرية والسياسية, بحيث لا يمكن سحقه إلا بتوجيه ضربة قاصمة لمصدر حياته ووجوده. ولا يمكن لعملية السلام في الشرق الأوسط, من المنظور الإسرائيلي من النجاح, إلا بإزالة هذا الحزب ومعه حركة "حماس" من الوجود.
المفارقة أن دمشق قد ترغب بالتورط في الحرب المقبلة للسبب نفسه, إذ لا يمكن للرئيس بشار الأسد أن يكون لاعبا أساسياً في المنطقة إلا باستمرار وباستخدام "حزب الله" و"حماس", ولأن مصيرهما قد لا يكون مضمونا في المواجهات المقبلة, مع كل الانعكاسات السلبية لذلك على النظام السوري نفسه, فإن دمشق ستجد نفسها مضطرة لمؤازرتهما فعليا, وخصوصاً "حزب الله" لأنه يقع على رأس اللائحة الإسرائيلية.
هذا ما نقله مصدر ديبلوماسي غربي في دمشق إلى المسؤولين في بلده, وقد وصلت خلاصة تقريره الخاص عن احتمالات الحرب في المنطقة إلى سفارات بلده في كل دول المنطقة ومنها لبنان.حسابات سورية
وقال المصدر في تقريره إنه في الحسابات السياسية لا يمكن للأسد أن يخسر "حزب الله" أيا تكن الظروف, وهو يعلم أن أية تسوية ستجري بعد الحرب المقبلة ستكون على حسابه, وخصوصاً على حساب نفوذه في لبنان, إذا لم يكن شريكاً كاملاً في هذه الحرب, فيكون له دور في إشعالها, ويكون جالساً على رأس طاولة المفاوضات لإخمادها, ولو على حساب حلفائه الإقليميين (إيران وحزب الله وحماس). وهكذا يستعد الأسد لرد "التحية الإسرائيلية بأحسن منها", وفي الوقت التي تتوالى التهديدات الإسرائيلية يستمر النظام السوري في إرسال العتاد والسلاح والمقاتلين إلى لبنان.
وأضاف المصدر "ثمة حاجة ملحة لدى نظام الأسد لحرب ما مع إسرائيل, لسببين اثنين, الأول حاجته إلى المشروعية الشعبية التي يفتقدها, والثاني تكرار تجربة والده في حرب 1973 والتي جعلته لاعباً إقليمياً من الدرجة الأولى, ما مكنه لاحقاً (1976) من الاستيلاء على لبنان, ومن ثم الذهاب قوياً إلى طاولة المفاوضات. هذا الانجاز بدده نظام الأسد الابن, فلا هو اكتسب صفة "محارب إسرائيل" ولا هو استطاع الحفاظ على ورقة نفوذه في لبنان, عندما اضطر إلى الانسحاب مهزوما في العام 2005".استخدام الآخرين
وطرح التقرير الديبلوماسي الغربي سؤالاً عن مدى قدرة سورية على خوض حرب ضد إسرائيل, وأجاب بعرض بعض تفاصيل الاستعدادات السورية لهكذا احتمال, مشيرا إلى أنه "منذ أن تولى الأسد الابن الحكم في سورية وهو يستعد للحرب, وقد استغل حالة الهدنة مع تركيا اثر اتفاق أضنة في العام 1998 ليعيد تشكيل الجيش السوري منذ العام 2001, بعد سحب الوحدات المنتشرة على الحدود مع تركيا. وكذلك فعل مع الوحدات المنسحبة من لبنان في العام 2005, كما سارع إلى سد الثغرة اللبنانية بتقوية التواجد العسكري ل¯"حزب الله" في منطقة البقاع, وعمل في الأشهر القليلة الماضية على إحياء الخط الدفاعي عن دمشق من قوات الحزب والمنظمات الفلسطينية وأكثرية عناصرها من ضباط وجنود سابقين في الجيش السوري".
وأضاف ان "مهمة جبهة لبنان ليست دفاعية فقط, فقد استخلص السوريون من تجربة حرب يوليو 2006 الكثير من الدروس وأهمها, أن "حزب الله" وحده قادر على إشغال ربع الجيش الإسرائيلي لمدة تصل إلى الأربعين يوما. وتراهن دمشق أن الحزب سيفاجأ إسرائيل في الحرب المقبلة بثلاثة أمور على الأقل: صواريخ أرض جو للحد من فعالية الطيران الحربي الإسرائيلي, صواريخ أرض بحر لإبعاد البحرية الإسرائيلية عن المعركة, والأهم هو الاستعداد لشن هجوم بري على شمال إسرائيل لاحتلاله, وإشغال الجيش الإسرائيلي لأسابيع في استرجاعه (نشر سيناريو الهجوم موقع ديبكا الإسرائيلي والمعروف بأنه يستقي معلوماته من المخابرات الإسرائيلية).
ومن جهة ثانية, تراهن دمشق على أن إشعال حرب في غزة من جديد من شأنه أن يشغل قسماً هاماً من الجيش الإسرائيلي, وأياً تكن النتائج العسكرية المتوقعة للمواجهة, فإن هدف "حماس" هو الإلهاء والإزعاج, وربما أكثر.صواريخ وحرب عصابات
وتابع المصدر الديبلوماسي الغربي "على مستوى القدرات العسكرية الخاصة عملت دمشق طوال سنوات على تحديث ترسانتها من الصواريخ البالستية المتوسطة والبعيدة المدى, بهدف بناء ذراع هجومية طويلة, تمنحها قدرة معينة على تهديد العمق الإسرائيلي لتعويض الضعف البارز لسلاح الجو السوري, وبدل ضرب إسرائيل من الجو, يبني السوريون قوة نار هائلة بواسطة الصواريخ, ليستطيعوا قصف المدن الإسرائيلية عن بعد على نحو خطير, والجيش السوري يستفيد من تجربة القصف الصاروخي الذي مارسه "حزب الله" في حرب 2006, مع فارق جوهري, هو في نوعية وحجم الصواريخ السورية, ومن بينها صاروخ "سكاد دي" (ومداه 400 كلم) وصاروخ "إسكندر-إيه" (مداه 280 كلم), ويعتقد الخبراء الروس المصنعين لهما أن هذين الصاروخين دقيقين جداً في الإصابة وقادرين على حمل أنواع مختلفة من المتفجرات, والاهم أنهما قادرين على التملص من الصاروخ الإسرائيلي "حتس" (السهم) المضاد للصواريخ.
وأضاف المصدر كما حاولت دمشق تعزيز قواتها المدرعة ولكنها فشلت في تحديث ترسانتها من الدبابات, وتظل الفجوة هائلة بين ما تمتلكه من دبابات وبين ما تمتلكه إسرائيل كماً ونوعاً, لا سيما أن الأخيرة تصنع دباباتها بنفسها. لذا لجأ الجيش السوري مرة أخرى إلى دروس حرب 2006, وقرر التركيز على تعزيز وحدات السلاح المضاد للدبّابات, مثل صاروخ من طراز "كريزنتما"وهو خليفة صاروخ "كورنت" الذي استخدمه "حزب الله", ويصل مداه ستة كيلومترات, ويتلقى الأمر بشكل مزدوج, من خلال جهاز رادار متطور جداً, لا يملكه أي صاروخ مضاد للدروع في العالم, ومن جهاز الليزر القادر على تشويش أجهزة التصدي للصواريخ. وصاروخ "كريزنتما" قادر على اختراق تدريع كل أنواع الدبابات.
وهكذا يراهن السوريون على أن الحرب المقبلة لن تكون حرب دبابات بل حرب عصابات تواجه فيها وحدات خاصة سورية "كوماندوس" بأسلحة مضادة للدروع أي تقدم للدبابات الإسرائيلية. وقد عزز الجيش السوري أفواج القوات الخاصة التي تماثل بأسلوب قتالها أسلوب حرب العصابات. وتعتمد نظام تسلّح مناسب, يسهل إخفاؤه وتحريكه, وتركز القوات الخاصة على تنفيذ الغارات, وتنظيم الكمائن المخصصة للدروع والأفراد, والقتال الليلي, وإقامة العقد الدفاعية.
في الجهة المقابلة, استعد الإسرائيليون لسيناريو الحرب المقبلة من خلال إجراء مناورات مضادة للصواريخ التي ستنهمر على إسرائيل من سورية ولبنان وغزة, ونفذ الجيش العبري سلسلة مناورات كان أضخمها في الجولان السوري المحتل بحضور رئيس هيئة الأركان الجنرال غابي أشكنازي الذي خاطب جنوده مؤكدا أن المواجهة المقبلة مع سورية ستكون مختلفة عن سابقاتها لأننا سنرى جيشاً برياً سورياً مختلفاً عما عرفناه قبل اليوم.
جيش مختلف, من حيث تركيب هيكل القوات, ونظام التسلّح, وأساليب القتال, والأهم جيش يعتمد ستراتيجية دفاعية من نوع "مختلف".
أي ستراتيجية ستنجح في الحرب المقبلة? هل هي الستراتيجية الدفاعية السورية التي تعتمد على جبهتين إضافيتين في لبنان وغزة, في محاولة للصمود في حرب متوسطة الأمد (بين شهر وشهرين), باعتبار أن إسرائيل لا تمتلك الموارد البشرية لإبقاء جيشها الاحتياطي طويلا في أرض المعركة, أم ستراتيجية إسرائيل التي تعتمد على التفوق التكنولوجي في كل مجالات الحرب الجوية والبرية والبحرية, لتشن هجوماً شاملاً الجبهات الثلاث بكل القوة النارية التي يمتلكها جيشها وإنهاء الحرب سريعاًً?