| بيروت - من وسام أبوحرفوش |
استمر «التوتر العالي» على حاله في بيروت، المرشحة لـ «هبات ساخنة» وهبات اكثر سخونة، رغم المحاولات المتعددة الجهات لضبط ايقاع المواجهات السياسية على النحو الذي يودي بالاستقرار العام، او يعرضها لهزات دراماتيكية من النوع «الانقلابي»، السياسي او الامني «وحتى اشعار آخر».
ولم تكن كافية، في هذا السياق، الاشارات التي توحي في امكان «لملمة» ذيول الاحداث الامنية في منطقة برج ابي حيدر وتداعياتها السياسية، لرسم توقعات متفائلة حول معاودة سريان مفعول «هدنة رمضان»، لا سيما في ضوء الموجة «العارمة» من التصعيد التي انفجرت في الايام الاخيرة بين «حزب الله» ورئيس الحكومة سعد الحريري.
فمن اشارات التهدئة التي استجدت في الساعات الماضية يمكن التوقف عند الاتي:
• الخطاب «الهادئ» للحريري بعد عودته من «السحور الرمضاني» مع الرئيس السوري بشار الاسد، وميله الى «اطفاء محركات» الحملة التي أعقبت اشتباكات برج ابي حيدر، وطالبت بـ «بيروت منزوعة السلاح»، وهو الشعار الذي اعتبره «حزب الله» محاولة للتصويب على سلاحه.
• نقل ملف معالجة «تفشي السلاح في الشارع» من اللجنة الوزارية التي يترأسها الحريري وتضم وزيري الدفاع الياس المر والداخلية زياد بارود، الى مجلس الدفاع الاعلى برئاسة رئيس الجمهورية، والذي انعقد بعد ظهر امس للنظر في هذا الملف الشائك مع مرور «ذكرى اسبوع» على احداث برج ابي حيدر.
• امكان احتواء «الارتدادات السياسية» التي خلفتها تلك الاحداث، خلال جلسة مجلس الوزراء المقررة اليوم، اذ من المتوقع ان يطالب الرئيس ميشال سليمان بـ «وضع حد» للتوتير السياسي الناجم عن «حادث فردي»، وان يبادر الحريري الى اطلاع المجلس على نتائج زيارته الخامسة لسورية ولقائه الاسد.
غير ان تلك الخطوات لن تؤدي بطبيعة الحال للعودة الى النقطة التي كانت عليها الاوضاع عشية الاشتباكات التي وقعت الثلاثاء الماضي بين «حزب الله» وجمعية «الاحباش» في مناطق عدة من بيروت، اثر انفجارها في برج ابي حيدر، وهي التي اسفرت عن مصرع ثلاثة اشخاص.
ففي الجانب «التقني» ما زالت عمليات «التدقيق» جارية ومعها التحقيقات في ملابسات الاشتباك بين الحليفين «حزب الله»، و«الاحباش»، وهي تتركز على كيفية مقتل مسؤول «حزب الله» محمد فواز، ومحاولة حرق مسجد البسطا الفوقا.
ورغم ان اوساطاً في «حزب الله» تميل الى الاعتقاد بان مسؤوله قضى في «حادث فردي»، فان «روايات» عدة يتم تداولها في بيروت لا تخلو من الطابع الـ «هيتشكوكي»، كالقول ان فواز تعرض لـ «التصفية» كونه في مرمى التحقيق الدولي في اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، وكالقول انه تعرض للاغتيال من اجهزة مخابراتية معادية، حسب الوزير السابق ميشال سماحة على سبيل المثال.
اما في الجانب السياسي فإن الامر يبدو اكثر تعقيداً، خصوصاً ان حملة «حزب الله» على الحريري، لم تقتصر على ادائه حيال احداث برج ابي حيدر بل تركزت على موقفه المؤيد لمعاودة المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية المقررة ان تبدأ غداً في واشنطن، وهو ما كان محور هجوم عنيف شنه رئيس الكتلة البرلمانية للحزب النائب محمد رعد على رئيس الحكومة.
ومن غير المستبعد ان يخصص الامين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله حيزاً للموقف من تلك المفاوضات في اطلالته يوم الجمعة المقبل في مناسبة يوم القدس العالمي، اضافة الى تطرقه للمستجدات في لبنان والمنطقة.
وعلمت «الراي» ان نصرالله سيركز في تلك الاطلالة على ثلاثة ملفات هي:
• احداث برج ابي حيدر، في طابعها الفردي، والعلاقة مع «الاحباش» ومع سائر فصائل ما يعرف بـ «المعارضة السنية»، والخطوات التي ستجري لمحو اثار المعركة الاخيرة.
• مطلب «بيروت منزوعة السلاح» عبر مقاربته من زاويتين: استمرار الحملة على سلاح «حزب الله» والطابع التحريضي له، اضافة الى الانتقادات التي تعرض لها الجيش.
• مواصلة الضغط في اتجاه فتح ملف «شهود الزور»، كـ «نقطة ارتكاز» في الهجوم الاستباقي لـ «حزب الله» على القرار الظني للمحكمة الدولية.
وكان نصر الله تطرّق خلال حفل إفطار مغلق لعوائل الشهداء إلى حادثة برج أبي حيدر، التي وصفها بـ «الأليمة، ولكنها أظهرت أن هناك نيات مبيتة»، وأن هناك أطرافاً بدت أنها تتحيّن الفرص لمهاجمة المقاومة وسلاحها. وهاجم «الاستغلال الرخيص لما حصل»، وقال إنه سيعلن موقفاً في خطابه يوم الجمعة المقبل.
في موازاة ذلك، بدا واضحاً ان ملف شهود الزور سيعود «الى الطاولة» بضغط من «حزب الله» الذي يسعى الى إعادة تصويب «البوصلة» نحو هذا العنوان المركزي بالنسبة اليه بعدما اعتبر ان احداث برج ابي حيدر استُغلت سياسياً للتعمية عن هذا الموضوع وتحوير الأنظار عنه.
وعُلم ان ملف شهود الزور سيثار في جلسة مجلس الوزراء من زاوية ما توصل اليه وزير العدل ابراهيم نجار الذي كان مجلس الوزراء كلفه وضع دراسة قانونية حول هذا الملف، وسط تأكيد وزير «حزب الله» حسين الحاج حسن «ان موضوع شهود الزور قيد المتابعة الحثيثة وقرارنا حاسم بمتابعته وصولا الى كشف كل الحقائق التي تتصل بكل من صنعوهم ومحاكمتهم».
ولفت ان مصادر قيادية في «حزب الله» ذهبت الى حد تأكيد رفض ما سمّته «استغلال الحريري لحادثة برج أبي حيدر ومحاولة ابتزاز الحزب لسحب ملف شهود الزور». وقالت إن هدف الحريري من حملته «لا يخص بيروت ولا الأحياء فيها، ولا ملف السلاح، بل يقصد حصراً ملف شهود الزور».
كما عبّرت المصادر عن جانب آخر من «جبل الجليد» الذي يتراكم في العلاقة مع رئيس الحكومة، معلنة «واهم جداً من يظن للحظة أن بإمكانه الرهان على فصل مسار المقاومة وسورية، علماً أن معلوماتنا تؤكد أنه حاول (أي الحريري) أكثر من مرة اللعب على هذا الوتر ولم يحصد إلا الخيبة، وواهم جداً من يظن أنه يستطيع أن يرحب بالمفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية وأن يصوّب على المقاومة وسلاحها وأن يرقص على الدماء وينفخ بنار الفتنة، ثم يذهب الى دمشق ليمسح هذه الأخطاء وكأن شيئاً لم يكن، ومن يظن أن الامور بهذه البساطة هو في هذه الحالة كمن يستجير من الرمضاء بالنار».
وقد عكس وزير «حزب الله» محمد فنيش هذا المناخ بسؤاله «ما معنى ان نتحدث عن نزع السلاح؟ هل بيروت ليست مستهدفة من العدو الاسرائيلي، فاذا حصل أي حادث في منطقة فهل المطلوب تجريد اهلها من السلاح»؟ مضيفاً: «اتفقنا من خلال حكومة الشراكة على معادلة الشعب والجيش والمقاومة، وهذه المعادلة لها مستلزمات ومفاعيل».
وعلى وقع هذا المناخ التأم مجلس الدفاع الأعلى برئاسة رئيس الجمهورية «لمناقشة الاجراءات ومستلزمات المهمة الدفاعية للجيش الى جانب مهمته في مؤازرة قوى الامن الداخلي لحفظ الامن في الداخل»، بعدما كانت اللجنة الوزارية المكلفة معالجة ظاهرة تفشي السلاح في بيروت والمناطق اللبنانية التي التأمت الاثنين برئاسة الحريري وعضوية وزيريْ الدفاع والداخلية ارتأت ان هذا الملف يستدعي اجتماعاً للمجلس الاعلى، عقب استعراضها سلسلة من الاقتراحات. وقد اتصل رئيس الحكومة لهذه الغاية بسليْمان مقترحاً عقد اجتماع للمجلس الاعلى للدفاع الذي اضيفت الى جدول أعماله البنود خطة تسليح الجيش التي كان رئيس الجمهورية تحدث عنها في الجلسة الأخيرة لطاولة الحوار، وفي إحدى جلسات مجلس الوزراء.
وكان الحريري ردّ «بهدوء» بعد اجتماع «لجنة السلاح» على الحملة عليه من «حزب الله»، فأشار الى «سعي الجميع لتأمين الإستقرار» لافتاً إلى أن «ما حصل في برج أبي حيدر يجب أن يأخذ حجمه الطبيعي». وأكد أنه شخصياً «لا يريد الفتنة، ولا الحزب يريدها، من المؤسف صدور مثل هذا الكلام عن البعض، وأنا أتمنى على الجميع إجراء مراجعة لكلامهم لأن ما يطفئ نار الفتنة هو عدم الكلام على هذا النحو علينا ان نعطي كل شيء حجمه».
وعن الجولة التي قام بها في منطقة برج أبي حيدر والمزرعة والنويري، لفت إلى «انها جولة لتفقد ما حصل، وأنا لا أريد الدخول في سجال مع أحد وأرى أن ما حصل كان معيبا، أنا أحاول وأد الفتنة، هل ما حصل كان طبيعيا؟ يجب أن نستوعب الموضوع لأن ما حصل كان خطأ». وبعد هذا الموقف، واصل رئيس الحكومة مواقف «التبريد» التي وُضعت في سياق ترجمة نتائج زيارته لسورية و«السحور الدمشقي»، اذ اعلن خلال رعايته حفل افطار جمعية المقاصد الإسلامية في «البيال»، أن بيروت يجب الا تكون في منأى عن تطبيق القانون، وعن قدرة الدولة على بسط سلطتها وتوفير متطلبات الامن والسلامة للمواطنين.
وقال: «نحن لا نفترض ان الدعوة الى تطبيق القانون ومعالجة الخلل الامني الناجم عن تفشي انتشار السلاح هي دعوة موجهة الى طرف بعينه او الى جهة سياسية لحساب جهة اخرى، واي تفكير من هذا النوع هو في غير مكانه ويخالف الوجهة التي اخترناها منذ الساعة الاولى لمقاربة موضوع الاشتباكات الاخيرة في بيروت».