الحريري يهدّئ ولا يساوم ونصر الله هادئ و... يحذّر
لبنان: مواعيد افتراضية للقرار الظني من سبتمبر إلى... ديسمبر

الراي 2010/08/25

|بيروت - من وسام أبو حرفوش|

... لأن السياسة «خبزهم اليومي»، فإن اللبنانيين الذين لم يصوموا عن الصراخ السياسي، تأخذهم «الموائد» متعددة الجنسية الى طبَق رئيسي اسمه «القلق الكبير»، وهو مصنوع من المجهول المعلوم الذي يدهمهم كـ «القدَر» من بوابة الملف القضائي المتمثل بالقرار الاتهامي في جريمة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري المرتقب صدوره عن المحكمة الدولية في «وقت ما» من هذه السنة «الكبيسة».
فاللبنانيون، في الشارع المصاب بحرّ غير مسبوق، وعلى ارصفة الانتظار، في الغرف المقفلة على نقاشات مفتوحة، وداخل المقاهي المسكونة بالنراجيل والاسئلة الكبيرة، في البيوتات المتضوّرة قلقاً وعلى كل شفة ولسان... يشعرون كأنهم «رهائن» في وطن مخطوف، يرتبط الافراج «المستحيل» عنه بـ «دفتر شروط» اقليمي وبأشياء اخرى، رأس جبل الجليد الداهم منها هو القرار الاتهامي في اغتيال الحريري الاب.
وفي اي جولة بـ «السرفيس» في الشارع السياسي لبيروت وعلى صالوناتها، تسمع كلاماً عن «انفجار ما» في الافق فـ «خاتمة هذه السنة لن تكون خاتمة الاحزان»، ربما تكون الاحزان بعينها... كلام اوّله في العديسة، الشرارة الجنوبية التي لم تنطفئ، وآخره لا آخر له... انه يمر في لاهاي ويعرّج على بوشهر، يصل الى رام الله ويحوم حول بغداد، يدور حول دمشق ويتجه الى الرياض ويعود الى بيروت.
ثمة اسئلة، الاجابات عنها مجرّد علامات استفهام... ما صلة معاودة المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية في 2 سبتمبر المقبل بالقرار الظني المرتقب بجريمة اغتيال رفيق الحريري؟ اي علاقة بين الاندفاعة النووية الايرانية و«الكلام الكبير» لـ «حزب الله» في لبنان؟ هل للتفاهم الاقليمي السعودي - السوري نتائج حاسمة في بيروت؟ ما العلاقة بين «لبننة» الازمة السياسية في العراق والتهويل الدائم بالخشية من «عرْقنة» لبنان؟ كل تلك الاسئلة سرعان ما تصبح سؤالاً واحداً وملحاً... ما مصير المحكمة الدولية وقرارها الظني؟ سؤال يؤشر الجواب عنه الى ما سيكون عليه لبنان على مرمى اسابيع من الان مع تزايد الحديث تارة عن امكان تقريب موعد صدور القرار الظني الى سبتمبر، وتارة عن تأخيره الى ديسمبر.
وفي ملاقاة «كرة النار»، بدا من الواضح ان رئيس الحكومة «ولي الدم» سعد الحريري يسعى الى «شراء الوقت» عبر دعوته المتكررة الى «التهدئة»، التي يرى فيها «حزب الله» مجرد وسيلة لـ «الافلات» من خطوات لا بد منها، وتالياً فإن الطرفين ذاهبان الى مواجهة، من المتوقع ان تبدأ بـ «المفرّق» قبل ان تصل الامور الى «الخيارات الاسوأ» التي غالباً ما يلوّح بها «حزب الله» في اطار ما يعتقده بمثابة «الدفاع عن النفس».
الحريري، الذي يطلّ مع «غروب» كل يوم يقول جملة من عبارتين: نعم للتهدئة لا للتفريط بالمحكمة الدولية، والامين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله لطالما قال في اطلالاته الستّ (آخرها امس الثلاثاء) جملة من عبارتين: لا بأس بالتهدئة ولا للتحقيق الدولي، وتالياً فإن ساعة انفراط «الهدنة» السعودية - السورية تدنو مع «الحروب الصغيرة» الدائرة يومياً حول ما يسمى «شهود زور»، ومع العدّ التنازلي للموعد «الغامض» لصدور القرار الظني. وفي حمأة هذا المناخ تشتعل التكهنات حول أدوار دمشق والرياض وباريس وواشنطن وطهران، وتُنسج روايات كثيرة عن تعهدات وتدخلات... وآخر تلك «التسريبات» جاءت على شكل رواية عن دور سعودي لـ «ارجاء» القرار الظني لم تتلقفه باريس وأوصدت الابواب بوجهه واشنطن وكانت نتيجته ان القرار الاتهامي سيصدر في ديسمبر المقبل.
واللافت ان اطلالة السيد نصرالله غروب امس لم تخرج عن هذا المزاج العام، فتحدّث عن المحكمة وقرارها و«الشهود الزور» وملابسات المعاهدة مع الامم المتحدة، وزاوج في كلامه بين مقتضيات التهدئة من جهة والاصرار على المضي قدماً في تحطيم صدقية التحقيق الدولي وعدم نزاهته.
وقبيل إطلالة نصر الله، انهمكت بيروت باول موقف من نوعه يصدر عن الرئيس ميشال سليمان في موضوع المحكمة الدولية اعلن فيه في شكل حاسم «أنا رئيس للبلاد ولا علم لي بقرار ظني أو موعد صدوره وما قد يتضمّنه، ولم يأتني أحد ليحدّثني بهذا الموضوع، لذلك يستحيل عليّ تناول أمر لا أعرف عنه شيئاً، كما أن هذه المسألة قانونية بحتة وتدخل في عمل القضاء».
واذ ابدى خلال استقباله مجلس نقابة محرري الصحافة وعشية الافطار الذي يقيمه غروب اليوم في قصر بعبدا والذي ينتظر ان يكون جامعاً لكل المكونات السياسية والدينية والاجتماعية ترحيبه بمساعدات الدول «التي تزوّدنا بسلاح للجيش اللبناني لكن من دون شروط»، قال رداً على ما يثار حول استعداد طهران لتزويد الجيش بالسلاح وتردُّد بيروت في قبول هذا الطلب، انه سبق ان زار طهران وفاتح كبار المسؤولين الايرانيين برغبة لبنان في الحصول على اسلحة منها، لافتاً في الوقت نفسه الى وضع الخزانة اللبنانية الصعب الذي لا يسمح لها بشراء الأسلحة بالمبالغ المطلوبة «وقد ابدى الجانب الايراني تفهماً لهذا الطرح لكنه وعد بدراسة الأمر وإبلاغنا بالنتيجة التي لم تصلنا حتى الساعة».
كما لفت موقف للحريري الذي اعلن «ان حجم الحملات وحجم الكلام الذي قيل في المحكمة الدولية وحجم البرامج والحملات والخطب، يكاد ان يجعلنا نتصور ان قضية الرئيس الشهيد انتهت، والحقيقة ان هذه القضية لا تزال حية في وجدان اللبنانيين، كما لو أنها بنت البارحة».
وأكّد في افطار أقامه في قريطم على شرف عائلات بيروتية وشخصيات قضائية، «سأبقى مصرِّا على أنه مهما كانت الأصوات مرتفعة ومهما استهدفت الحملات هذا البيت أو الرئيس الشهيد رفيق الحريري أو الرئيس فؤاد السنيورة أو المحكمة الدولية، لن أنجرَّ إلى الدخول في سجالات مع أي شخص كان في هذه الأمور (...)».
كما استوقفت الدوائر المراقبة دعوة رئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط إلى الاستفادة القصوى من المحور السوري - السعودي في الصمود والتضامن والاستقرار من أجل وأد الفتنة في لبنان «عبر التمييز الواضح بين القرار الظني وأبعاده التخريبية، وبين المحكمة الدولية وضرورة ابقائها فوق التسييس والتلاعب»، معلناً «يكفي هذا القدر من التنظير والتحريض في بعض الأندية والمواقع في موضوع القرار الظني، وليُترك لصاحب الحق الذي هو حريص على العدالة والاستقرار قبل كل شيء معالجة هذا الموضوع على قاعدة أن تكون المحكمة خارج الاعتبارات السياسية أو التلاعب».
في موازاة ذلك، لم تمرّ «عادية» في الأوساط السياسية التقارير القريبة من فريق المعارضة التي اشارت الى ان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز أوفد رئيس الاستخبارات الأمير مقرن بن عبد العزيز الى باريس، حيث التقى الرئيس نيكولا ساركوزي، ومعه رسالة ملكية تطلب من العاصمة الفرنسية استخدام نفوذها من أجل إيجاد مخرج لموضوع القرار الظني، فكان جواب الجانب الفرنسي «أن القرار ليس في يدنا بل في يد الأميركيين». علماً ان معلومات أخرى نقلت عن رئيس اوروبي توقُّعه ان يصدر القرار الظني بحلول ديسمبر، آملاً في عدم صدور ردود فعل سلبية من أي طرف «لأن في وسع المتهم أن يدافع عن نفسه بواسطة محام يوكله».

| More