ميشال عون من الأسد الأب الى الأسد الابن 2
الجنرال يرفض عرضاً من الحسيني: تطلبون مني تأمين انتخاب غيري!

المستقبل 2011/10/19

ميشال عون من الأسد الأب الى الأسد الابن"، ملف جديد يسلّط الضوء على خفايا مرحلة غير عادية في تاريخ لبنان الحديث، وسلوك غير عادي لشخص امتهن السياسة من باب العسكر، فحارب الجميع من أجل نفسه ولا شيء غيرها.
صال وجال في ساحات التحالفات الداخلية والخارجية، أكثر منها في ساحات القتال، ولم يربح أياً من "معارك" الساحتين، لكن الجنرال ظلّ ثابتاً في حلمه، لا يتزحزح، لا بالبزّة العسكرية ولا المدنية. حنين قاتلٌ إلى "الكرسي الرئاسية"، وأحلام نهارية ومسائية جعلت حياة الجنرال ليلاً طويلاً طويلاً طويلا.
لم يجد حرجاً في نقل بندقيته من كتف الى آخر. راهن بداية على الرئيس السوري حافظ الأسد، ثم على الأميركيين، وعاد الى الأسد نفسه، قبل أن يلجأ الى الرئيس الفلسطيني "أبو عمّار" وبعده الى الرئيس العراقي صدام حسين ومعهما طبعاً فرنسا، ليأوي أخيراً الى الرئيس بشار الأسد، حيث لا يزال يتموضع حتى الآن ومن أجل الهدف نفسه والحلم نفسه.. كرسي بعبدا.
هذه المحطات واكبها اللبنانيون من بُعد ومن قرب، لكن بقيت وراءها وفي كواليسها وقائع لم يُكشف النقاب عنها حتى اليوم، ولم يكن ليحصل ذلك لولا انقلاب بعض المقربين من الجنرال عليه بعد أن انقلب على نفسه، فكشف بعضهم باسمه الصريح، لـ"المستقبل" أسراراً غير معروفة، فيما فعل آخرون فضّلوا عدم ذكر أسمائهم، لتكون هذه الشهادات في متناول اللبنانيين.
هذا الملف الذي تنشره "المستقبل" على حلقات، يتضمن روايات من شهود سابقين وآخرين مخضرمين، عن أحداث ووقائع تعكس عطش الجنرال المستديم لكرسي بعبدا التي هنأ بها لعام ونيّف من دون أن يهنأ بلقبها الأصلي، فلم ينل أكثر من رئاسة حكومة انتقالية، دفعته الى تبني سياسات "انتقالية" علّه ينتقل الى الكرسي الحلم.
في الحلقة الثانية، تسلّط "المستقبل" الضوء على خفايا مرحلة المفاوضات التي كان يقوم بها الجنرال عون للوصول الى رئاسة الجمهورية عشية انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل، لا سيما وأن الجو خلال العام 1988 كان يوحي له بأن السوريين يؤيدون وصوله الى قصر بعبدا "إذا نفّذ أجندة معينة". لكن تلك الإيحاءات "تبخّرت" كلها مع طلب الرئيس الأسد من النائب ميشال المر اقتراح اسم لرئاسة الجمهورية "لأن عون غير مناسب للرئاسة"، فاقترح عليه اسم مخايل الضاهر.
والواقع أن الجنرال أجهض أكثر من محاولة لانتخاب رئيس للجمهورية، إذ يروي القيادي في "التيار الوطني الحر" انطون الخوري حرب أن الرئيس حسين الحسيني كان يحاول تمرير انتخاب الرئيس فرنجية وناقش الأمر مع عون، فاتفق مع قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع على تعطيل الانتخابات.
كما منع بكل الأساليب وصول مدني لرئاسة الحكومة الانتقالية حتى ولو ورد اسمه وزيراً فيها، وظل يناور للوصول الى بعبدا بأي ثمن، الى درجة أنه هدّد بانقلاب عسكري في حال تعيين غيره، كما يؤكد الناشط السياسي فايز قزي، وأن الجنرال أعدّ خطة لاحتلال القصر الجمهوري مع قائد اللواء الثامن العميد سليم كلاس حملت اسم "عملية صفر"، وطلب منه تنفيذها ليل 22 أيلول في حال تم تعيين غيره. وفي تلك الليلة، أعلن الرئيس الجميل تأليف حكومة عسكرية برئاسة الجنرال، لتتحقق له بذلك أول خطوة في رحلة "الألف حلم"... الى رئاسة الجمهورية.
وفي الحلقة أيضاً بورتريه للزميلة كارلا خطار عن "العواونة".

غداً
لجأ الى أبو عمّار فطلب منه وقف "حرب الإلغاء"

إعداد: جورج بكاسيني وعبد السلام موسى

كان الجو خلال العام 1988 يوحي بأن السوريين يؤيدون وصول العماد ميشال عون إلى قصر بعبدا، لكن الإيحاءات لم تُترجم على أرض الواقع كما دلّت الوقائع التي يؤكدها كثيرون كانوا مقربين من الجنرال في تلك الفترة، وفقاً لـ"تبادل العروض" الذي يتحدث عنه الناشط السياسي فايز قزي "بين عون والسوريين، والذي كان قوامه تنفيذ الجنرال أجندة معينة مقابل أن يحظى بمساندة سورية لما يريد الوصول إليه".
في تلك المرحلة، كان الجنرال يسرّ للياس الزغبي أنه سيصل إلى موقع معين لا يعرف ما هو، إما وزير دفاع أو رئيس حكومة انتقالية أو رئيس جمهورية. يقول الزغبي "إن السوريين كانوا يعدونه بهذه المكافأة قبل الأميركيين. كان يوحي لنا أن الورقة السورية بيده، لكن السوريين كانوا يمارسون معه لعبة ذكية. وهو كان يعتقد أن موقعه كقائد مؤسسة عسكرية خضعت للتدريب على يد الأميركيين، وأن تاريخه ضد الارهاب وضد الفلسطينيين ومشاركته الفاعلة في معركة تل الزعتر كفيلان بأن يجعلا ملفه أولاً عند الأميركيين، تماماً كما كان يعتقد أن ملفه هو الأول عند السوريين أيضاً. كان الجنرال يقول للجميع إنه المفضل لدى الأميركيين، وأن السوريين لا يحبونه، لكنهم يحترمون الأشخاص الذين يكونون مثله".
طبعاً، كان تبادل العروض يتم عبر موفدي عون على خطين: الخط العلوي وعلى رأسه "أبو وائل" (اللواء محمد ناصيف) الذي كان رياض رعد مكلفاً الاتصال به. وخط العماد حكمت الشهابي عبد الحليم خدام والمخابرات السورية الذي كان ينسق مع قزي والنائبين السابقين ألبير منصور ومحسن دلول. بيدَ أن اللافت، إشارة قزي إلى أن الضابط جميل السيد كان يلعب دوراً آخر، "أحياناً لوحده، وفي بعض المرات كان ينسّق معنا".
إعداد: جورج بكاسيني وعبد السلام موسى

السوريون لعون: كيف نقبل بك رئيساً
و"القوّات" تسيطر على "الشرقية"؟

الزغبي: الجنرال أسرّ لي أنه سيحظى بموقع لا يعرفه
إما وزيراً أو رئيس حكومة أو رئيساً للجمهورية

جهّز خطة انقلاب عسكري تشمل السيطرة
على القصر الجمهوري في حال عدم تعيينه

تتقاطع الروايات على أن رئيس مجلس النواب السابق حسين الحسيني لعب دوراً بارزاً في تلك المرحلة، قبل حصول الفراغ الرئاسي. كان يروّج لاتفاق هندسه السوريون لتمرير الانتخابات الرئاسية، لكن هذا الإتفاق لم يّمر على عون عندما رأى أنه لا يؤمّن وصوله إلى قصر بعبدا، فاعتبره "لعبة سورية"، لأن "السوري" كان أذكى من أن يعطي عون وعداً واضحاً ورسمياً، ولكن الإشادة به بأنك "المنقذ الوحيد" كانت كافية لدغدغة مشاعره وحلمه الرئاسي.
في التفاصيل التي يسردها القيادي في "التيار الوطني الحر" انطون الخوري حرب "أن الحسيني حمل الاتفاق وذهب إلى قصر منصور (مقر مجلس النواب سابقاً)، وأرسل بطلب عون لمناقشة التفاصيل. قال له: أمّن الانتخابات بدايةً، فإذا حصلت، سيكون هناك رئيس جمهورية، وستلعب دوراً وطنياً مهماً، أما إذا لم تحصل الانتخابات وذهبنا إلى الفراغ، فما عليك إلا تأمين استمرارية حكومة الرئيس سليم الحص كحكومة مهمتها انتخاب رئيس جمهورية وعند ذاك يتم انتخابك"، أي انتخاب عون رئيساً.
عون لجعجع: طلبت
حاجزاً لا خطف الوزير
لكن الجنرال سأل، وكان في نظر حرب محّقاً: "تطلبون مني أن أحمي جلستين لانتخاب رئيس الجمهورية، وهناك مرشحون للرئاسة مثل سليمان فرنجية، كيف ذلك؟" ولذلك رفض عون لاحقاً تعيين مخايل الضاهر رئيساً للجمهوريّة، علماً أن رئيس "حزب السلام" روجيه إده يرى "أن الأسد رشّح فرنجية تكتيكياً، لكن الجنرال تصرّف بشكل غير عقلاني، وخرّب علاقته بالسوريين لأنه ساهم مع "القوات اللبنانية" في حينه بالحؤول دون حضور النواب للانتخاب، وهذا لم يزعج السوريين لأنه شكّل براءة ذمة لهم ازاء فرنجية، وأنا متأكد أنه لو تصرّف بعقلانية لكان بقي هو مرشح السوريين لرئاسة الجمهورية، لأنه كان مرشحّهم فعلاً".
اعتبر عون أن الاتفاق الذي حمله الحسيني مجرّد "لعبة سورية"، ما قاده إلى التعاون مع قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع لتعطيل الانتخابات الرئاسية. حينها، اجتمع مسؤول الأمن في "القوّات" غسان توما مع مدير المخابرات في الجيش اللبناني عامر شهاب، واتفقا على أن تنصب "القوات" حاجزاً قبل المتحف، مهمته منع النواب من الوصول إلى المجلس النيابي، في موازاة العمل على ابلاغ النواب مسبقاً أن هناك حاجزاً لـ"القوات" قبل أن يصلوا إليه، سيما وأن جعجع سيستبق الجلسة بتسجيل موقف ضد الانتخابات، ناهيك عن تكليف ضباط من الجيش الاتصال بنواب في المنطقة "الشرقية" لإبلاغهم رسالة مفادها أن الجيش سيتولى أمنهم، بمعنى أن يبقى النواب في منازلهم".
ويُضيف حرب :"وُجد هذا الجو لتعطيل جلسة انتخاب سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية، لكن التعاون بين عون وجعجع سرعان ما تهاوى، بفعل اختطاف "القوات" في ذلك اليوم وزير الدفاع عادل عسيران الذي كان متوجهاً من مكتبه في الوزارة إلى المجلس النيابي، فقامت قيامة عون، واتصل بجعجع قائلاً :"طلبت أن تقيموا حاجزاً على المتحف، لا أن تخطفوا وزير الدفاع". على الفور، وقع الصدام بين "القوات" والشرطة العسكرية التابعة للجيش اللبناني.
بعد هذه الدوامة، يكشف حرب "أن منصور ودلول استمرا على خط الاتصال بالسوريين بغية الإبقاء على همزة وصل بينهم وبين عون، وكان شرط الجنرال عدم السماح للرئيس الجميل بتأليف حكومة ثانية إذا حصل الفراغ الرئاسي، فأبلغه السوريون عبر منصور ودلول أنهم يتفهّمون موقفه".
لكن قبل خروج الجميل من الحكم بأسابيع قليلة، حصل ما سمّي اتفاق "مورفي الأسد" بين الرئيس السوري حافظ الأسد والديبلوماسي الأميركي ريتشارد مورفي للاتيان بمخايل الضاهر رئيساً للجمهورية، وقد زار مورفي بكركي إثر هذا الإتفاق، وأعلن من هناك بعد لقائه البطريرك مار نصر الله بطرس صفير :"إما الضاهر أو الفوضى".
قبل اتمام الاتفاق بأسبوعين، اجتمع الأسد مع النائب ميشال المر في لقاء غير علني، وقال له :"ميشال عون يراسلنا راغباً بأن نوافق عليه رئيساً لجمهورية لبنان، لكن الظروف غير مؤاتية لذلك، فبمن تنصحنا يا أبو إلياس، خصوصاً وأنني سأستقبل بعد أسبوعين مورفي لنتباحث معاً في اسم الرئيس المقبل؟ المهم أننا نريد مارونياً نظيفاً و"قبضاي" لا يكون محسوباً علينا، ولكن ليس ضدنا، كي نحّل المشكلة". أجابه المرّ على الفور :" مخايل الضاهر". قال الأسد :"لا أعرفه. إشرح لي أكثر عن مواصفاته". فرّد المر :"الضاهر كان صديقاً لريمون إده، وهو صديق أيضاً لمالك جريدة "النهار" غسان تويني ونجله جبران، بصفته الوكيل القانوني للجريدة، لكنه شخصية معتدلة ومحترمة ويصلح لهذا الموقع". أجاب الأسد :"ناقش الأمر مع اللواء غازي كنعان، وليعد لي ملفاً كاملاً عن الضاهر، وأنتظرك الأحد المقبل لنتابع النقاش".
التقى المر بكنعان، وأخبره بما دار بينه وبين الأسد، فقال كنعان :"مخايل آدمي، لكنه غير مضمون سياسياً"، فسارع المر إلى الرد :"انا أضمنه".
على الأثر، اتفق المر مع عبد الحليم خدام على أن يلتقيا معاً بالضاهر يوم الثلاثاء المقبل، بعد أن طلب خدام أن يُعد الضاهر برنامجاً رئاسياً مكتوباً. فقام المر بإعداد البرنامج بنفسه قبل أن يتصل بالضاهر ويدعوه إلى منزله حيث أبلغه للمرة الأولى أنه اتفق مع الأسد على اسمه، وأن الرئيس السوري سيلتقي مورفي الأسبوع المقبل، وسيسعى معه إلى التوافق على إسمه. ثم أبلغه أن خدام ينتظرهما إلى مائدة الغداء يوم الثلاثاء، لافتاً إنتباهه إلى أنه يفترض أن يناقش معه برنامجه الرئاسي، وأنه أعد له مسودة، فإذا وافق عليها، يطبعها على أوراق تحمل اسمه.
قرأ الضاهر المسودة فأعجبته. حملها معه إلى مأدبة الغداء مع أبو جمال الذي ما إن قرأ صفحتها الأولى حتى قال :"ممتاز"، من دون أن يكمل قراءة الصفحات الستّ المتبقية، لكنه توجّه إلى المر قائلاً :" هل اطلعت عليها"، فرد "طبعاً". قال خدام :"إذاً، البرنامج ممتاز". ورمق الضاهر بنظرة، وقال له:"عيّن خير".
المر للضاهر: أنت الرئيس
بعد إنتهاء لقاء الأسد مورفي، استدعى الرئيس السوري أبو الياس إلى القصر الرئاسي، وقال له :"اتفقنا على مخايل الضاهر. أرجو منك أن تّتوجه إلى لبنان لتبلغه أنت شخصياً بالنتيجة. لن أدع أحداً غيرك يبلغه هذا القرار". كانت الساعة الحادية عشرة ليلاً، فقرر المر أن يتوجه فجراً إلى القبيات مقر إقامة الضاهر، ومن دون موعد مسبق. وصل في السابعة صباحاً ليجد مخايل برفقة مسؤول المخابرات السورية في عكار آنذاك العقيد محمد مفلح يشربان العرق ويأكلان القصبة النية.
فوجئ الضاهر بزيارة المر الصباحية:" في وجهك خبر .. خير؟" رد المرّ : "نعم، ولكن أريد أن أكلمك على إنفراد". ثم أبلغه باتفاق الأسد مورفي، وبأن الأخير سيزور بكركي وسيعلن موقفاً من هناك مفاده "إما الضاهر أو الفوضى". ثم أضاف المر قائلاً :"لكن نريد أن تضمن زعيماً مارونياً مؤيداً لك من ثلاثة، إما ميشال عون، أو أمين الجميل أو سمير جعجع، أو زعيم روحي هو البطريرك (مار نصرالله بطرس) صفير". فقال الضاهر: "سأستعين بغسان تويني ونجله جبران علّهما يقنعان الرئيس الجميل".
غادر المر القبيات. أطلق مورفي من بكركي شعار "إما الضاهر أو الفوضى"، فطارت الانتخابات، وطارت الجمهورية.
في ذلك الوقت كان الياس الزغبي في منزل عون:" قال له العميد سيمون قسيس (مدير المخابرات آنذاك) إن مورفي أتى من سوريا وسيذهب الى بكركي ليعلن اسم الضاهر، وسمير جعجع أدلى ببيان رفض فيه هذا الخيار، لذا من المفروض أن تدلي أنت ببيان رفض أيضاً. كنا في الصالون، أنا ومرافقه حبيب فارس والأب جورج رحمة، فطلب عون من فارس ورحمة أن يتوجها على الفور الى بكركي لمقابلة صفير وإبلاغه رفض الجنرال لما يجري. فقلت له هذا لا يكفي، يجب أن تدلي ببيان، وتقول فيه اننا نرفض تعيين رئيس جمهورية بهذا الشكل. المهم، أرسلهما الى البطريرك وعادا بعد حوالى ساعة ونصف الساعة، وأبلغاه ان فارس قال للبطريرك صفير "يجب أن تهز العصا، فعصاك تحمي". فقال صفير: "عصاي تحمي لكن أريد ما يحمي العصا".
أدار مدافعه باتجاه "القوّات"
كان توافق الأقطاب الموارنة كفيلاً بإجهاض اتفاق الأسد مورفي، فعادت الأمور إلى نقطة الصفر، فيما عادت "اللعبة السورية" إلى الواجهة أيضاً. كان فايز قزي في عنجر مجتمعاً بغازي كنعان عندما اتصل بعون، وأبلغه أن لا مجال لمحاربة "الاتفاق" القديم بأن يؤمّن استمرارية حكومة الحص، على أن ينضم إليها الجنرال نفسه وجورج سعادة وداني شمعون. لكن عون لم يوافق، لأنه كان لا يزال يراهن على ورقة أخرى هي وصوله إلى بعبدا من بوابة حكومة إنتقالية. وهذا ما حصل، حيث أعلن الرئيس الجميل تأليف حكومة عسكرية ليل 22 أيلول 1988، برئاسة عون، لتتحقق بذلك خطوة على طريق الألف ميل، بعد أن هدد الجنرال بانقلاب عسكري في حال تعيين غيره رئيساً للحكومة، كما يؤكد قزي الذي "أبلغ نية عون بالانقلاب إلى الرئيس الحسيني قائلاً: "إذا تجرّأ الجميل وعيّن حكومة أخرى، سيعتمد عون اسلوب الانقلاب العملاني، وسينتشر الجيش على الأرض لمنع الحكومة الجديدة من التحرّك".
والواقع أن عون أعّد خطة انقلاب لمس الرئيس الجميل ملامح منها من خلال الأميركيين عندما حضر مورفي إلى بيروت لإبلاغه بالاتفاق مع الأسد على الضاهر، حيث قال مورفي للجميل: "إن معاونين لي اجتمعوا بعون وأبلغوه بالاتفاق على الضاهر، لكنه لم يكن مرتاحاً على الإطلاق، وأبدى عصبية واضحة تجاه هذا الاقتراح".
جاء ذلك بعد أن كان عون يتوقع دعماً أميركياً له لا للضاهر، في موازاة رسائل سورية كانت تصله عبر رعد ومنصور ودلول مفادها أن سوريا تؤيده في معركة الرئاسة" ولكن كيف نقبل بك رئيساً للجمهورية و"القوات" تسيطر على المنطقة الشرقية"؟ فما كان من عون إلا أن أدار مدافعه باتجاه "القوات" لإثبات حسن نيته تجاه السوريين.
كان ذلك قبل نهاية عهد الجميل الذي اضطر فور معرفته بنوايا عون إلى التوجه إلى وزارة الدفاع حيث اجتمع بحوالى 600 ضابط وأبلغهم رسالة حازمة مفادها التحذير من الإنجرار إلى أي حركة تضّر بمصلحة البلد. وقال لهم: "أريد أن تكونوا حماةً للاستحقاق (الرئاسي) وليس ضحية له".
ولكن لماذا أتى الجميل بعون رئيساً للحكومة؟
يؤكد مطلعون أن الجميل حاول بداية إقناع الرئيس الراحل شارل حلو بترؤس حكومة إنتقالية لكنه لم يرض، ثم حاول مع النائب الراحل بيار حلو الذي لم يرضَ أيضاً، فاتصل هاتفياً بالرئيس سليم الحص، إلا أن الأخير وضع شروطاً أبرزها أن لا تضم الحكومة عون وجعجع، فرد الجميل: فليكن لكن على أساس أن لا تضم نبيه بري ووليد جنبلاط أيضاً. فرفض الحص ولم يعد أمام الجميل سوى خيار وحيد هو الإتيان بالمجلس العسكري الذي كانت عيّنته حكومة الرئيس رشيد كرامي باعتباره يمثل كل الطوائف، وقام شخصياً بالاتصال بالضباط المسلمين "الذين وافقوا قبل أن تعلن وسائل الإعلام المقربة من سوريا استقالتهم، وذلك بعد ساعات على إعلان الحكومة".
خطة الانقلاب: "عملية صفر"
أما خطة الانقلاب التي لم تُنفذ، فقد أطلق عليها الجنرال اسم "عملية صفر" (Operation zero). بدأت معالمها بالظهور قبل أسبوع تقريباً من موعد الاستحقاق كما يقول انطون الخوري حرب: "دخل عون إلى مكتب وزير الخارجية آنذاك ايلي سالم وقال له: قل لرئيسك اذا لم تحصل الانتخابات الرئاسية في 23 الشهر، سوف أسيطر على كل مؤسسات الدولة. وكان عون قد جهّز خطة تشمل السيطرة على القصر الجمهوري أيضاً بعد تنسيقها مع قائد اللواء الثامن سليم كلاس الذي كان المفضل لدى الجنرال، لأنه كان لواء مؤلّلاً ومجهّزاً. في ليل 23 أيلول، أرسل عون بطلب كلاس، وقال له :أنا ذاهب لمتابعة الأخبار وسأبقى على اتصال معك. في حال لم يصدر مرسوم تعييني، تباشر أنت بتنفيذ الخطة. وكان متفقاً أن يسيطر على القصر الجمهوري العميد ميشال أبو رزق الذي أصبح في ما بعد قائد لواء الحرس الجمهوري".
وعلى هذا الاساس، توجه عون إلى قصر بعبدا، وفي نيته رفض أي حكومة يرأسها مدني ولو كان هو مشاركاً فيها. عند الثانية عشرة إلا ربعاً، تحدث كلاس مع عون فطلب منه أن يتريث "لأنه يبدو أن المرسوم سيظهر. طوّل بالك". فرد كلاس :" اللواء الثامن جاهز، والضباط ينتظرون تنفيذ الأوامر".
فور تولّي عون مقاليد الحكومة الإنتقالية، قطع علاقته بالسوريين، وأبلغهم بحسب رواية قزي "ان العلاقة ستكون من الآن وصاعداً من دولة الى دولة عبر الأمين العام لوزارة الخارجية الأمير فاروق ابي اللمع ، بسبب ما اعتبره عون موقفاً سورياً عدائياً لدى منع الضباط المسلمين من المشاركة في حكومته، وبدأ منذ ذلك اليوم التحضير لصيغة تضمن استمرارية حكمه".
رغم أن عون قطع علاقاته بالنظام السوري، إلا أن قزي ومنصور ودلول تمسكوا بالحفاظ على شعرة معاوية بين الطرفين، وصولاً إلى تحسين هذه العلاقة قدر المستطاع قبل "حرب التحرير" كما يقول قزي.
كان لا يزال لدى الجنرال أمل بالسوريين، الى ما بعد تعيينه رئيس حكومة، وكان رهانه أن يسمحوا للضباط المسلمين بالالتحاق بالحكومة فينتهي من جعجع، لكن تبيّن أن لا جدوى من السوريين.
استمرت العلاقة مقطوعة معهم الى حين تدهور الوضع مع "القوات" أثناء "حرب الإلغاء" ، وتحديداً بعد سقوط كسروان وبيروت تحت سيطرة "القوات". حينها شعر عون بالإختناق، لدرجة أن إيلي حبيقة والقوميين بدأوا يمدونه بالمحروقات، ثم أرسل وفداً إلى العميد غازي كنعان الذي طلب إقامة علاقة بشخص يمثل رسمياً ميشال عون وليس مع جهة سياسية مؤيدة له، فاقترح بيار رفول، وتحدد موعد للأخير مع كنعان، لكنه لم يحصل، لأن الإجتياح السوري للقصر الجمهوري كان قد سبقه صباح 13 تشرين الأول 1990".

Bookmark and Share