ميشال عون من الأسد الأب الى الأسد الابن 4
الجنرال للعراقيين: السياسة تُبحث مع فؤاد عون.. والمال معي

المستقبل 2011/10/22

ميشال عون من الاسد الأب الى الأسد الابن"، ملف جديد يسلّط الضوء على خفايا مرحلة غير عادية في تاريخ لبنان الحديث، وسلوك غير عادي لشخص امتهن السياسة من باب العسكر، فحارب الجميع من أجل نفسه ولا شيء غيرها.
صال وجال في ساحات التحالفات الداخلية والخارجية، أكثر منها في ساحات القتال، ولم يربح أياً من "معارك" الساحتين، لكن الجنرال ظلّ ثابتاً في حلمه، لا يتزحزح، لا بالبزّة العسكرية ولا المدنية. حنين قاتلٌ إلى "الكرسي الرئاسية"، وأحلام نهارية ومسائية جعلت حياة الجنرال ليلاً طويلاً طويلاً طويلا.
لم يجد حرجاً في نقل بندقيته من كتف الى أخرى. راهن بداية على الرئيس السوري حافظ الأسد، ثم على الأميركيين، وعاد الى الأسد نفسه، قبل أن يلجأ الى الرئيس الفلسطيني "أبو عمّار" وبعده الى الرئيس العراقي صدام حسين ومعهما طبعاً فرنسا، ليأوي أخيراً الى الرئيس بشار الأسد، حيث لا يزال يتموضع حتى الآن ومن أجل الهدف نفسه والحلم نفسه.. كرسي بعبدا.
هذه المحطات واكبها اللبنانيون من بُعد ومن قرب، لكن بقيت وراءها وفي كواليسها وقائع لم يُكشف النقاب عنها حتى اليوم، ولم يكن ليحصل ذلك لولا انقلاب بعض المقربين من الجنرال عليه بعد أن انقلب على نفسه، فكشف بعضهم باسمه الصريح، لـ"المستقبل" أسراراً غير معروفة، فيما آخرون فضّلوا عدم ذكر أسمائهم، لتكون هذه الشهادات في متناول اللبنانيين.
هذا الملف الذي تنشره "المستقبل" على حلقات، يتضمن روايات من شهود سابقين وآخرين مخضرمين، عن أحداث ووقائع تعكس عطش الجنرال المستديم لكرسي بعبدا التي هنأ بها لعام ونيّف من دون أن يهنأ بلقبها الأصلي، فلم ينل أكثر من رئاسة حكومة انتقالية، دفعته الى تبني سياسات "انتقالية" علّه ينتقل الى الكرسي الحلم.
في الحلقة الرابعة اليوم، يقرر الجنرال الانتقال الى ضفة سياسية جديدة هي العراق، مستعيناً بماله وسلاحه، من أجل غايتين: مظلة عربية جديدة في مواجهة النظام السوري، وفرصة جديدة لتحقيق "الحلم الرئاسي" من بوابة الرهان على انتصار صدّام حسين على حافظ الأسد بعد انتصاره على إيران.
كانت الخطة المعدّة لـ 14 آذار 1989 الانقضاض على "القوات اللبنانية" في صباح ذلك اليوم، إلا أن زيارة قام بها موفدان من صدّام وأبو عمار فجر ذلك اليوم إلى قصر بعبدا غيّرت وجهة المعركة في اتجاه السوريين.
تقدمت العلاقة بين بعبدا وبغداد بسرعة استثنائية تُوّجت بلقاءات كثيفة في العراق، كان يشارك فيها أحياناً صدّام وأبو عمّار شخصياً إضافة الى ممثّلين عن عون و"القوات اللبنانية"، حيث كانت تُدرس سيناريوات المواجهة مع النظام السوري سياسياً وعسكرياً. بينما تولى ادارة الاتصالات مع عون رئيس المخابرات العراقية فاضل برّاق ونائبه لشؤون لبنان وسوريا وفلسطين فاروق حجازي، فيما مثّل الجنرال في هذه الاتصالات العميد فؤاد عون الذي تولّى متابعة الرسائل السياسية والعسكرية، بينما أبلغ عون حجازي "ان العلاقات المالية تُبحث معي أنا مباشرة".
وفي الحلقة بورتريه للزميل فادي ريحان بعنوان "عون على... صراخ".

غداً

لا تتفاجأوا عندما نعود إذا رأيتم
من كانوا
يعتقلونكم معي

إعداد: جورج بكاسيني وعبدالسلام موسى

انحصرت علاقة النظام العراقي بلبنان بين 1988 و1990 بـ"القوات اللبنانية"، في موازاة تحييد لقائد الجيش العماد ميشال عون. لكن لم يمر وقت طويل، قبل أن يصبح عون حليفاً قوياً لصدام حسين برعاية فلسطينية قادها الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات شخصياً. أما جذور هذه العلاقة فتعود بحسب رواية القيادي في "التيار الوطني الحر" انطون الخوري حرب إلى بيار رزق، مسؤول الأمن الخارجي في "القوات"، الملقب بأكرم، الذي "كان على علاقة ممتازة بسهى عرفات، فنصح العراقيين بنسج علاقة مباشرة بالجنرال قائلاً: "أنا أعرف ميشال عون، هو مأزوم الآن، وكشف خداع السوريين حياله، وكي لا يكون عرضة للبيع والشراء مرة أخرى، افتحوا عليه مباشرةً"، لكن العراقيين تأخروا بفتح العلاقة بعض الوقت.
أما الجنرال فقد وضع مشروع علاقته بالنظام العراقي على لائحة الانتظار، لأن الأولوية كانت لعلاقته بالنظام السوري الذي كان في نظره "المعبر السريع" إلى رئاسة الجمهورية، ولكن بعد انقطاع العلاقات إثر تأليفه الحكومة العسكرية، دخل الرئيس العراقي صدام حسين على الخط، وأوفد رئيس مجلس الشعب العراقي سعدون حمادي بزيارة سرية إلى الجنرال حاملاً رسالة مفادها "إننا مستعدون للاعتراف علناً بشرعية حكومتك إذا كان ذلك لا يزعجك"، فوافق عون شرط أن يُعلن العراقيون ذلك علناً. وكان سبق صدام إلى الاعتراف بشرعية عون الزعيم الليبي معمر القذافي.
كان الجنرال دائم التفتيش عمّن يحقّق رغباته ونزواته. بمعنى آخر كان يبحث عن "حلفاء الضرورة" الذين يستطيع من خلالهم تأمين مصالحه، ولو كان يعمل من خلال موفدين آخرين على خط معاكس. المهم أن يحصل على ما يريد، وتحديداً كرسي الرئاسة.
يروي مقربون منه أن علاقته بعراق صدام بدأت عندما كان قائداً للجيش، وتحديداً في الربع الأخير من ولاية الرئيس أمين الجميل الذي كان و"القوات اللبنانية" على علاقة متينة بالعراق، في وقت كان صدام على خلاف مع الرئيس السوري حافظ الأسد ويريد ضرب نفوذه حيث يستطيع، بينما كان لبنان يمثّل منطقة متقدمة من مناطق النفوذ السوري. دخل عون في ملعب الصراع الفلسطيني - السوري والصراع العراقي السوري، ظناً منه أنه بذلك سيضطر الأسد إلى القبول به رئيساً للجمهورية، لكنه بحسب الياس الزغبي "كان مخطئاً في تقديره أنه في اللحظة التي يشعر فيها الرئيس السوري أن عون أصبح حليفاً لصدام حسين وياسر عرفات، فسيأتي به رئيساً، بدليل أن الجنرال راح دهساً بين أرجل الكبار، كما هي حاله اليوم".
إعداد: جورج بكاسيني وعبدالسلام موسى

قبل أن تنشأ العلاقة بين عون والعراق، عرض العراقيون على الرئيس أمين الجميل تسليح الجيش اللبناني في سياق الاستقطاب ضد النظام السوري، رغم أنه كان يملك حزباً نخبوياً في لبنان، هو حزب "البعث" العراقي، لكنه كان مقيّد الحركة وقليل الانتشار ومحاصراً أمنياً، فكان لزاماً على "العراقي" تأمين قناة أخرى وجدها في نسج العلاقات بالجميل و"القوات"، وفي وقت لاحق مع عون بعد انتهاء ولاية الجميل.
كان النظام العراقي في حينه "كريماً جداً" على حلفائه اللبنانيين، سلاحاً ومالاً. جاء عون على رأس حكومة عسكرية، كما لو أن العراقيين كانوا ينتظرونه. لم يفتح الأبواب أمامهم في بداية الأمر، مراهناً على نجاح المفاوضات مع الجانب السوري، لكنه بعد فشل هذا الرهان ومنع السوريين الضباط المسلمين من المشاركة في حكومته قرّر الرهان على العراق، ونقل البندقية من كتف إلى آخر.

يفاجئ الجميع
بـ "حرب التحرير"

بدأ عون يتصل بالعراقيين، في موازاة اتصالهم بـ"القوات" أيضاً، عبر سفيرهم في لبنان. تطورت هذه العلاقة بسرعة إلى أن تُوّجت بـ"حرب التحرير" التي شنّها الجنرال ضد السوريين بضوء أخضر عراقي في 14 آذار 1989.
قبل أن يطّل صباح 14 آذار، كان الجميع في أجواء أن عون يستعدّ لخوض معركة ضد "القوات اللبنانية"، وإذ بالجنرال يفاجئ الجميع بأنه أدار مدافعه صوب بيروت "الغربية" ومواقع الجيش السوري في لبنان معلناً "حرب التحرير"، من دون أن تتضح بداية أسباب تحوله من خوض المعركة ضد "القوات" إلى خوضها ضد الجيش السوري.
كيف وُجّهت مدافع الجنرال نحو السوريين بعد أن كانت موجّهة ضد "القوات"؟
أول المصدومين كان الوزير السابق ميشال المر الذي كان يقوم بمسعى مع الرئيس السوري حافظ الأسد لتلطيف أجواء العلاقة بالجنرال، قبل 14 آذار 1989، فإذ به، كما كثيرون، يفاجأ صبيحة ذلك اليوم بأن عون أعلن "حرب التحرير" ضد السوريين.
كان المر حينها في باريس، لكنه عاد في اليوم التالي، أي في 15 آذار، إلى بتغرين عن طريق دمشق. لدى عودته استقبل سفير الولايات المتحدة الأميركية في لبنان في ذلك الحين جون مكارثي، فروى له أنه بقي طوال الليلة الماضية (13-14 آذار) في قصر بعبدا يسعى إلى إقناع عون بأن لا يضرب "القوات"، لكن الأخير كان مصراً، فغادر السفير الأميركي القصر، عند الرابعة صباحاً، على أساس أن عون سيفتح المعركة صباحاً ضد "القوات".
لكن السفير الأميركي، وبينما كان يغادر القصر فوجئ بدخول القائم بالأعمال العراقي في لبنان صبار الحديثي يرافقه ممثل أبو عمار في لبنان في ذلك الحين "أبو أيمن"، وهذا ما دفعه إلى سؤال المر: "هل أقنعا عون برأيك لتوجيه المعركة ضد السوريين؟" مضيفاً أنه لاحظ أن الرجلين "كانا يحملان حقائب كبيرة"، رجح أن تكون "أموالاً عراقية" جعلت عون يدير مدافعه ضد السوريين بدلاً من "القوّات".
من هنا بدأت علاقة عون بالعراق تأخذ منحى عملياً عبر نائب رئيس الأركان للتجهيز في الجيش اللبناني العميد فؤاد عون الذي كان مكلّفاً من قبل الجميل دراسة احتياجات الجيش لتأمينها من العراق الذي عرض المساعدة، علماً أن اختيار الجنرال لفؤاد عون كـ"قناة اتصال" بينه وبين العراقيين لم يأتِ من عدم، بل انطلاقاً من أن العميد عون يحمل صفة رسمية وعسكرية، ولا طموحات سياسية أو مالية لديه، ولا يمكن أن "يدوبل" عليه، فكان في نظره الشخص المناسب لهذه المهمّة.
تولّت المخابرات العراقية مباشرة ملف العلاقة مع لبنان، وتحديداً مع "القوات" وعون بشخص رئيسها فاضل براق، ولكن بإشراف مباشر من الرئيس العراقي صدام حسين ووزير خارجيته طارق عزيز، للدلالة على الأهمية التي كان النظام العراقي يوليها للملف من أجل ضرب النفوذ السوري في لبنان. كلّف براق نائبه لشؤون لبنان وسوريا وفلسطين (مدير محطة) فاروق حجازي بمتابعة الشؤون الإجرائية في العلاقة بعون، وهكذا كان.
كان الهدف المركزي للعلاقة بين العراق وعون هو تحرير لبنان من القبضة السورية، وبنتيجة ذلك يصبح عون رئيساً للجمهورية، كما كان يراهن. لكن حسابات الحقل لم تطابق حسابات البيدر، رغم أن الالتزام العراقي كان حاسماً بتولي عون الرئاسة في حال تم القضاء على النفوذ السوري.
إذاً، تولّى فؤاد عون نيابة عن الجنرال التواصل مع العراقيين. كانت الاجتماعات رباعية في بغداد وأحياناً بحضور الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات شخصياً ومعه فؤاد عون، بيار رزق عن "القوات"، والجانب العراقي بشخص رئيس مخابراته براق، ومرات بحضور صدام حسين شخصياً، سيما وأن الرئيس العراقي استقبل فؤاد عون مرتين في قصر الرئاسة من أصل 20 زيارة قام بها إلى بغداد، وكان السفير العراقي في لبنان يتدخل لدى "القوات" لتأمين سفره عبر مرفأ جونيه إلى قبرص ومنها إلى بغداد.
وللتاريخ، لا بد من الإشارة إلى مواعيد بعض هذه الاجتماعات في العاصمة العراقية:
23- 1 1989: قبل انعقاد اللجنة السداسية في تونس. وضم الاجتماع عزيز، براق، ومعاونه فاضل غزاوي الذي أصبح في ما بعد مديراً للمخابرات العراقية، إضافة إلى فؤاد عون وبيار رزق.
6- 4 1989: كانت قد بدأت حرب التحرير. وضم الاجتماع عزيز، غزاوي، فؤاد عون ورزق.
9 4 1989: اجتماع حضره صدام حسين، وزير الدفاع عدنان خير الله، عزيز غزاوي وبراق، إضافة إلى فؤاد عون وبيار رزق.
13 4 1989: لقاء بين أبو عمار وفؤاد عون في مقر منظمة التحرير الفلسطينية في بغداد، إثر لقاء للأخير مع ميشال عون والرئيسين سليم الحص وحسين الحسيني في تونس.
17 5- 1989: اجتماع عراقي فلسطيني لبناني كان هدفه تدعيم الموقف في "حرب التحرير" بدخول مقاتلين فلسطينيين في الحرب ضد الجيش السوري. وضمّ إلى أبو عمار ومعاونيه الحاج اسماعيل وعزام الأحمد، فؤاد عون ورزق عن الجانب اللبناني، وغزاوي والحجازي عن الجانب العراقي.
18 5 1989: اجتماع مماثل ضم الأشخاص أنفسهم، وانضم إليه طارق عزيز.
12 6 1989: اجتماعان. الأول في وزارة الخارجية العراقية مع عزيز وحجازي وغزاوي، بحضور فؤاد عون، حيث جرى تعريفه بالقائم بالأعمال العراقي الجديد في لبنان. والثاني في قصر الرئاسة، حيث حمل فؤاد عون رسالة خطية إلى صدام حسين من ميشال عون تتضمن مطالب سياسية وعسكرية.
غني عن القول، إن العلاقة بالعراق شكّلت بالنسبة إلى عون سنداً قوياً في معاركه السياسية ضد خصومه، فخاض من خلالها مناقشات "اللجنة السداسية" وعاد من تونس بـ"انتصار معنوي" على حكومة الحص المرعية من سوريا، وكذلك في قمة الرباط في المغرب، سيما وأن الأوروبيين كانوا في أجواء ما يقوم به الجانب العراقي لضرب النفوذ السوري في لبنان خلافاً للولايات المتحدة الأميركية، وتحديداً فرنسا التي كانت تبحث عن دور لها في المنطقة.

العراقيون استعانوا بالمصريين والأتراك لدعم عون بالسلاح
عطاءات العراق لعون كانت بلا حدود، ولكن خطوط الإمداد لم تكن متوافرة، ما دفع العراقيين إلى الاستعانة بالأتراك والمصريين الذين لعبوا دوراً أساسياً، ضمن الأجواء الآنفة الذكر، لتأمين وصول الأسلحة لعون، والتي تنوعت من الدبابات وسلاح المدفعية إلى الصواريخ، وذلك في عزّ "حرب التحرير". كان عون دائم الخلاف مع "القوات" على تقاسم الحصة العراقية، وهو اشترط أن يحصر العراق المساعدات العسكرية به، لكن العراقيين رفضوا ذلك، وأصرّوا على أن تكون المساعدات مناصفة بينه وبين "القوات".
وعلى هذا الأساس كان العراقيون يمدّونه بالذخيرة. أرسلوا إليه سلاحاً عبر مرفأ "الأكوا مارينا". والعميد فؤاد عون كان على رأس مجموعة عسكرية أجرت دورة تدريبية في العراق على استخدام الصواريخ، وكذلك فعلت مجموعة من "القوات" بقيادة بيار رزق. ولكن عندما اصطدم الجيش بقيادة عون مع "القوات"، أوقف العراقيون إرسال السلاح.
طارق عزيز لعب دوراً محورياً في تعزيز مكانة عون لدى العراق، سيما وأن الاتصالات الهاتفية لم تنقطع بينهما، وخصوصاً بمبادرة من الجنرال الذي كان يعتبر أن تعزيز العلاقة مع العراق من شأنه تخفيف الالتزام العراقي بـ"القوات اللبنانية"، وبالتالي إخلاء الساحة له كي يلعب منفرداً.
في النتيجة كما يؤكد اكثر من مشارك في هذا الملف، كان الالتزام العراقي حاسماً: تنتهي المعركة بتحرير لبنان من القبضة السورية، وبترئيس عون. كان فؤاد عون يأتي بمحاضر الاجتماعات الموّقعة من صدام حسين وطارق عزيز إلى الجنرال ليقرأها ويتأكد بـ"أم العين" مّما كان يدور فيها، في موازاة الاتصالات الهاتفية التي كان يجريها عزيز معه بين الحين والآخر، والتي كانت بمثابة "ختم البحث" الذي يجري في بغداد.

محاولة عراقية ـ فلسطينية فاشلة لترئيس عون
قبل انتهاء المعركة، أي في الفترة التي تلت "حرب التحرير" وسبقت اتفاق الطائف، حصلت محاولة عراقية - فلسطينية للإتيان بعون رئيساً للجمهورية، تولاّها أبو عمار لكنها باءت بالفشل. كانت تقوم على قاعدة إقناع النواب بانتخاب عون رئيساً، لكن ذلك كان مستحيلاً تحقيقه طالما أن النفوذ السوري في لبنان ما زال قوياً ولم يتداع، بل ازداد قوة بعد حرب الخليج إثر اجتياح صدام حسين لدولة الكويت.
ويكشف مطّلعون على كواليس علاقة عون بصدام، أن الجهد الفلسطيني العراقي المشترك لترئيس عون كان على أكثر من خط، ومنها الجامعة العربية، وكان مركّزاً على توسيع الحكومة التي يرأسها عون، والتي حال النظام السوري دون مشاركة الضباط المسلمين فيها، على أن يشكّل ذلك خطوة تمهيدية لترئيس عون بإعطائه الشرعية الوطنية والميثاقية.
وعلى هذا الأساس، يروي هؤلاء أن مفاوضات جرت مع إحدى الشخصيات السنّية الذي وافق على الانضمام لحكومة عون، وكان على وشك أن ينتقل إلى "المنطقة الشرقية"، لكنه تلقى تهديداً، فتم إحباط الجهد الفلسطيني العراقي الذي كان في الوقت نفسه يشهد مفاوضات مع شخصية شيعية وأخرى درزية للانضمام إلى الحكومة.
ثم جاءت حرب "الإلغاء" التي عطّلت كل الاتفاق. فيما تورّط صدام باجتياح الكويت، بعد أن خرج من حربه ضد إيران بأكثر من قنبلة: قنبلة الانتصار، قنبلة ذرية، قنبلة المليون جندي وقنبلة سنية، فتم توريطه في الكويت. فيما استعان الأميركيون بالنظام السوري كغطاء، فقبض الرئيس حافظ الاسد الثمن بتولي الملف اللبناني بمباركة أميركية، وتحوّلت أحلام عون ورغبات العراق في لبنان إلى أوهام.
في المحصّلة، كان "هّم" عون برأي متابعي هذا الملف منصبّاً على أمرين لا ثالث لهما، السلطة والمال. وفرّ له العراق المال الوفير، لكنه لم يستطع أن يوفر له رئاسة الجمهورية، بسبب ميزان القوى من جهة، ولأن عون من جهة ثانية لم يكن وفّياً كما يجب للعراق، ذلك أنه على الرغم من متانة تحالفه مع بغداد، ومترتباته السياسية والأمنية والمادية، لم يقفل النافذة مع النظام السوري، محاولاً على الدوام استئناف العلاقات معه، ويرسل إليه، في عز علاقته بالعراق، إشارات دائمة مفادها أنه مستعد للتضحية بهذه العلاقة لصالح الجانب السوري مقابل تحقيق مراده.
وللدلالة على ذلك، كان عون على وشك أن يقطع علاقته بالعراقيين بمجرد أن وصلته "إشارات" عن استعداد الجانب السوري للموافقة على انتخابه رئيساً للجمهورية قبيل "حرب التحرير"، لكن أبو عمار كبح جماح عون، وقال له: "لا تخطئ يا جنرال. حافظ الأسد يعدّ أيامه. حذارِ الاتفاق معه في وقت صار على حافة السقوط"، بمعنى أنه إذا انتصر صدام حسين على إيران، لن يبقى هناك نظام سوري، في تلميح إلى أن الجبهة العراقية السورية ستُفتح، ومن شأن ذلك أن يخفّف الضغط عن عون، فما كان من الجنرال إلا أن أطل في مؤتمر صحافي معلناً: "نحن لا نريد رئاسة جمهورية، بل نريد استعادة الجمهورية".
وما هي إلا أيام حتى تم استهداف مكتب عون في وزارة الدفاع، ليتضح أن الصاروخ الذي استهدف مكتبه (غراد) كان مصدره مربضاً سورياً. وكأن السوريين يريدون جرّه إلى الحرب.
آنذاك قال عون للعراقيين الذين كانوا في أوج "سكرة الانتصار" على إيران: "أريد أن أفتح جبهة ضد السوريين". قالوا له: "إذا أردت فتحها، فلا عودة إلى الوراء، عليك أن تمضي بها إلى النهاية، وأطلق عليها اسم حرب التحرير. نحن معك، والنظام السوري لن يدوم طويلاً، فالمجتمع الدولي يقف ضده".

الدعم المالي العراقي "تبخّر"
من أرشيف وزارة الدفاع
باختصار، كان عون يلعب دور "القناص"، وهو يعتبر، وما زال، أن في ذلك "شطارة" وليس انتهازية.
وربما لهذا السبب تنكّر لماضي علاقته بالعراق، فلم يعلّق على الاحتلال الأميركي للعراق إطلاقاً، كما أنه بالكاد استقبل نجل طارق عزيز (المسيحي العراقي) حين زار لبنان أخيراً، قبل 3 أشهر، بناءً على طلب والده الذي أوعز إليه القيام بنشاط في لبنان مع الأصدقاء وصولاً إلى الفاتيكان لإطلاق سراحه من السجن وهو يعاني وضعاً صحياً حرجاً.
أصدقاء العراق رحّبوا بنجل عزيز، واستقبلوه أحسن استقبال، وقام برفقة القيادي السابق في حزب "البعث" العراقي رفيق أبي يونس بزيارة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير. لكن لقاءه بعون لم يحصل إلا بشّق الأنفس، وبعد أسبوع، حيث استقبله ورفض أن ينشر خبر استقباله في الإعلام كي لا يُغضب حلفاءه في "حزب الله" والإيرانيين.
يقول فايز قزي: " كنت أشعر من الياس الفرزلي الذي كان صديقاً عزيزاً أنه كان يشكو من أن الموفدين الذين كانوا يذهبون الى بغداد من قبل عون كانوا يحملون رسائل متناقضة في بعض المرات، ومنها في بعض القضايا التي لم يفهم العراقيون لماذا يتحدثون فيها، لأن فيها الكثير من الموقف العدائي تجاه الأطراف المسيحية الأخرى".
إلا أن القناة الوحيدة التي لم تكن تشهد أي تناقض أو اجتهاد والتي رفض الجنرال أن تكون عبر أي شخص سواه، فهي القناة المالية التي حصرها بنفسه فقط، عندما قال لفاروق حجازي، كما يقول أحد العالمين جداً بهذا الملف، إن "العلاقات السياسية تُبحث مع فؤاد عون، أما الموضوع المالي فيبحث معي أنا مباشرة"، وبالفعل كان حجازي يأتي لعون بحقائب تحتوي المال الذي يُقدر أحد العالمين بأنه بلغ 105 ملايين دولار خلال عام واحد تقريباً.
في العام 1990، فتحت حكومة الرئيس عمر كرامي عبر وزارة الدفاع تحقيقاً في دفتر حسابات قائد الجيش السابق ميشال عون. كان ميشال المر آنذاك وزيراً للدفاع. فتبيّن وجود أسماء لأشخاص تبرّعوا لصندوق الجيش في مرحلة عون، وهم بالعشرات، أبرزهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري (3 ملايين دولار) والمر (100 ألف دولار)، لكن المفاجأة كانت أن دفتر الحسابات كان خالياً من أي مستند يشير الى قيمة المساعدات العراقية للجيش، رغم وجود تأكيدات أنه تلقى أموالاً طائلة من العراق، ما فتح باب الشك أمام أهل السلطة في ذلك الحين بأن الأموال التي كانت مسجّلة باسم زوجته هي أموال عراقية وليست أموال التبرعات التي كان يقدمها المناصرون.
صباح 13 تشرين الأول 1990 أسدلت الستارة على هذه المرحلة من تاريخ عون، مع اجتياح الجيش السوري لقصر بعبدا، ليخرج منه الجنرال إلى السفارة الفرنسية ومنها إلى باريس حاملاً معه خيبة الهزيمة وحلماً بالرئاسة صار ولا يزال في عالم الأوهام.

Bookmark and Share