ميشال عون من الأسد الأب الى الأسد الابن 5
"حافظ على علاقة جيدة بجميل السيّد .. وكرم فتح له أبواب واشنطن من نافذة "اللوبي الصهيوني
الجنرال في "الهوت ميزون": لا تتفاجأوا عندما نعود إذا رأيتم من كانوا يعتقلونكم معي

المستقبل 2011/10/23

ميشال عون من الاسد الأب الى الأسد الابن"، ملف جديد يسلّط الضوء على خفايا مرحلة غير عادية في تاريخ لبنان الحديث، وسلوك غير عادي لشخص امتهن السياسة من باب العسكر، فحارب الجميع من أجل نفسه ولا شيء غيرها.
صال وجال في ساحات التحالفات الداخلية والخارجية، أكثر منها في ساحات القتال، ولم يربح أياً من "معارك" الساحتين، لكن الجنرال ظلّ ثابتاً في حلمه، لا يتزحزح، لا بالبزّة العسكرية ولا المدنية. حنين قاتلٌ إلى "الكرسي الرئاسية"، وأحلام نهارية ومسائية جعلت حياة الجنرال ليلاً طويلاً طويلاً طويلا.
لم يجد حرجاً في نقل بندقيته من كتف الى أخرى. راهن بداية على الرئيس السوري حافظ الأسد، ثم على الأميركيين، وعاد الى الأسد نفسه، قبل أن يلجأ الى الرئيس الفلسطيني "أبو عمّار" وبعده الى الرئيس العراقي صدام حسين ومعهما طبعاً فرنسا، ليأوي أخيراً الى الرئيس بشار الأسد، حيث لا يزال يتموضع حتى الآن ومن أجل الهدف نفسه والحلم نفسه.. كرسي بعبدا.
هذه المحطات واكبها اللبنانيون من بُعد ومن قرب، لكن بقيت وراءها وفي كواليسها وقائع لم يُكشف النقاب عنها حتى اليوم، ولم يكن ليحصل ذلك لولا انقلاب بعض المقربين من الجنرال عليه بعد أن انقلب على نفسه، فكشف بعضهم باسمه الصريح، لـ"المستقبل" أسراراً غير معروفة، فيما آخرون فضّلوا عدم ذكر أسمائهم، لتكون هذه الشهادات في متناول اللبنانيين.
هذا الملف الذي تنشره "المستقبل" على حلقات، يتضمن روايات من شهود سابقين وآخرين مخضرمين، عن أحداث ووقائع تعكس عطش الجنرال المستديم لكرسي بعبدا التي هنأ بها لعام ونيّف من دون أن يهنأ بلقبها الأصلي، فلم ينل أكثر من رئاسة حكومة انتقالية، دفعته الى تبني سياسات "انتقالية" علّه ينتقل الى الكرسي الحلم.
في الحلقة الخامسة اليوم، بدأ الجنرال يستعيد خطوط التواصل مع السوريين وإن عبر أشخاص جدد كانوا معه في باريس مثل العميد فايز كرم. لكنه لم يهنأ طويلاً بهذه العلاقة المتجددة، بسبب قرار السلطات الفرنسية سحب الحراسة الأمنية من أمام منزله بعد أن تبين لها أن من كان يتخوّف منهم كانوا يزورونه.
لكن الاتصال لم ينقطع، فقد تلقى الجنرال عرضاً سورياً عبر الوزير السابق ميشال سماحة للمشاركة في الانتخابات النيابية عام 1996، تكون حصته فيها 20 نائباً. لكنه رفض العرض طالما أنه لا يسمح له بالعودة الى بيروت.
كما تلقى الجنرال رسالة من الرئيس اميل لحود بعد دعوته من الرئيس رفيق الحريري للعودة الى لبنان، من أجل تعطيل العودة.
وبقي الجنرال محاصراً في باريس، مقطوعاً عن العالم، الى أن جاء زلزال 11 أيلول حيث فُتحت له بعد حين أبواب واشنطن، بواسطة العميد فايز كرم نفسه، الذي شق الطريق الى الكونغرس تحت عنوان "قانون محاسبة سوريا". فراهن الجنرال من جديد على الأميركيين علّ زلزال 11 أيلول يُحدث موازين قوى جديدة في المنطقة عموماً وفي لبنان خصوصاً، تقوده الى قصر بعبدا.
وفي الحلقة أيضاً "بورتريه" للزميل عمر حرقوص بعنوان "التيار يأكل أبناءه!".

غداً
"سيناريو العودة" رسالة ود ّمن
"أبو عبدو" واستعداد من لحود للتفاهم

غادر الجنرال ميشال عون على مغادرة لبنان إلى المنفى بعد حرب "تحرير" عبثية خاضها ضد الجيش السوري، لكنها قادت إلى تكريس الوصاية السورية على لبنان، أو ما كان يسمّيه الجنرال "الإحتلال السوري".
وصل الى منفاه متأبطاً حلمه الرئاسي طبعاً، وحاملاً معه أموالاً طائلة جناها من العراق، بصفته رئيساً للحكومة الانتقالية، عدا عن "أموال التبرعات" التي قدمها المناصرون "خدمة للقضية" التي لم تكن يوماً شغل جنرالهم الشاغل، بقدر ما يجنيه من ورائها، ولطالما ردد الرئيس السابق إميل لحود، الذي كان خليفة عون في قيادة الجيش، أمام من يلتقيهم من شخصيات ان "ميشال عون سحب معه أكثر من 15 مليون دولار من أموال الناس"، ثم سحب 15 مليوناً ثانية بعد مغادرته الى باريس".
والواقع أن لحود لم يفترِ على عون باتهامه بسحب أموال الناس، فقد فند بعده عضو كتلة "المستقبل" النائب عمار حوري بالوثائق والمستندات كيف قام الجنرال بـ"تحويلات مالية" عبر "البنك اللبناني للتجارة" إلى حساب رقمي في باريس (دون اسم) تحركه عقيلة العماد عون السيدة ناديا الشامي، كاشفاً ان "عون طلب فتح حساب دائن، في كتاب وجهه والسيدة عقيلته الى ادارة البنك اللبناني للتجارة فرع الحازمية، ليكون الحساب باسم الاثنين (وأو)، ويصبح مصدر الحركة من وإلى في تحويل الأموال". فتم تحويل 5 ملايين دولار بتاريخ 17/8/1989، وكذلك مبلغ 5 ملايين دولار بتاريخ 9/11/1989.
فالجنرال الذي لم يحصل على الرئاسة، جنى أموالاً طائلة جعلت منفاه الباريسي "مخملياً" كما يصفه الناشط السياسي الياس الزغبي. وهناك، في المنفى، كان العميد فايز كرم (الذي أُدين مؤخراً بجرم التعامل مع العدو الإسرائيلي) "دينامو عون" الأساسي، أو "رجل الثقة الأول" على حد تعبير رئيس "حزب السلام" روجيه إده.
وما لا يعرفه كثيرون، أن والدة العميد كرم تنتمي إلى الطائفة السنية، وأن أحد أقاربه كان عميداً في الجيش السوري، وابنة هذا العميد كانت على علاقة بكرم، فكان الأخير قادراً من خلال علاقته العائلية أن يعيد تركيب "puzzle" العلاقة بالسوريين بإشراف مباشر من عون الذي يَعتبر رئيس حركة "التغيير" إيلي محفوض أنه "في الموضوع السوري أخطر مما نعتقد". ويضيف: "عودته إلى بيروت، كانت صفقة مستمرة ولم تكن صفقة وليدة ساعتها. وكنا نسأله دائماً: يا جنرال، يُقال ان هناك مقربين من مسؤولين سوريين يزورونك؟ لكنه كان يرد دائماً : "أحتفظ بهذا الأمر لنفسي".

إعداد: جورج بكاسيني وعبدالسلام موسى
تلقى عرضاً سورياً عام 1996 للمشاركة
في الانتخابات والحصول على 20 نائباً
الفرنسيون سحبوا الحراسة من أمام منزله لما تأكدوا أن من كان يقول إنه يخاف منهم يأتون إليه
كلما سألوه هناك مقرّبون من سوريا "يزورونك" كان يقول "أحتفظ بهذا الأمر لنفسي"

الزغبي: أحداث 7 آب كانت بالاتفاق مع اللواء السيد لاستنهاض شعبية عون
وزعزعة المصالحة في الجبل

أعاد كرم التواصل مع السوريين، لكن سرعان ما اكتشف الفرنسيون ذلك، فضغطوا على عون إلى أن نجحوا في قطع هذه العلاقة عام 1996، خصوصاً بعد أن قررت السلطات الفرنسية سحب الحراسة الأمنية من أمام منزله، بعدما كانت مشدّدة جداً، لاعتبارهم أن الذين يقول الجنرال إنه يخاف منهم، أي السوريين، يأتون إلى منزله في باريس، فلماذا الحراسة إذاً؟
سبقت ذلك في أيلول 1992 زيارة غير معلنة لوفد من التيار "الوطني الحرّ" إلى الولايات المتحدة الأميركية في محاولة للتأثير على القرار الأميركي ولتسويق عون لرئاسة الجمهورية. كان في عداد الوفد الوزير السابق يوسف سلامة واللواء نديم لطيف، لكنه عاد خالي الوفاض بعد لقائه مسؤولين أميركيين ليسوا ذي تأثير في القرار، كرئيس مكتب لبنان في وزارة الخارجية.
وفي العام 1994، سمحت السلطات الفرنسية لعون بتنظيم مؤتمر لتأطير صفوفه. قام روجيه إده بتنظيم المؤتمر بالتنسيق مع الجنرال ورئيس حزب "الوطنيين الأحرار" (النائب) دوري شمعون وحزب "الكتائب". كان عبارة عن نواة تأسيس للتيار الوطني الحر، لكن عون لم يحضر المؤتمر، إذ ألقى اللواء عصام أبو جمرا كلمة بالنيابة عنه أمام جمع لم يكن مقتصراً على المسيحيين بل شارك فيه مسلمون ايضاً توافدوا من استراليا وأميركا أيضاً".
يروي محفوض أنه في العام 1994، عنونت صحيفة "نداء الوطن" رئيسيتها بالآتي :"بري يلتقي عون في "haute maison"، وأوردت محضر الجلسة كاملاً ونسبته إلى مصدر عوني. فاتصل به مدير مخابرات الجيش آنذاك العميد ميشال الرحباني قائلاً له "شّرف لعّنا". ما إن وصل إلى مقرّ المخابرات، دخلا إلى غرفة الإجتماعات. أعطاه الرحباني الصحيفة سائلاً إياه: "ما هذا الخبر؟" ردّ محفوض: "ما هي علاقتي بالأمر؟" فقال العميد: "ان الصحافية التي كتبت الخبر تقول إنك مصدر المعلومات".
أثناء التحقيق رنّ جرس الهاتف مرتين. في المرة الأولى كان على الخط قائد الجيش السابق اميل لحود، وفي الثانية رئيس الجمهورية الياس الهراوي. ثم بعد أربع ساعات من الأسئلة والاجوبة، لاحظ محفوض "أن أحداً موجوداً معنا في الغرفة، فعرفّني الرحباني به أنه المقّدم جميل السيد، فقلت بعفوية: "أهلاً". قال لي: "هل تعرفني؟" قلت: "لا، لكن نسمع عنك". فقال: "ماذا تعرف عني؟" تدخّل الرحباني قائلاً: "ماذا تقولون؟ إنه هو المدير وأنا مساعده؟".
بعد أن تعرّف محفوض إلى جميل السيد شخصياً قال: "سألني الرحباني هل تواجه الصحافية التي كتبت الخبر؟" قلت: "أواجهها". كانت تدعى ناديا شريم، فسألتها إن كانت تعرفني، وإن كنت أنا مصدر الخبر، فقالت: "نعم أنت أعطيتني الخبر"، فقلت: "أنا شخصياً أعطيتك المعلومات؟" فقالت بعد أن تعرّضت للتعذيب والإهانة: "لا ليس أنت بل أشخاص من مكتبك". فقلت: "اي مكتب وأنا أتدرب في مكتب رضا الخازن الذي لا علاقة له بالسياسة!".
تبيّن لاحقاً، كما يضيف محفوض، أن الأمين العام للشؤون الخارجية في مجلس النواب حالياً بلال شرارة، المقرب من الرئيس نبيه بري "هو من سرّب الخبر للصحافية. خرجتُ عند الحادية عشرة ليلاً من التحقيق، وعلى الفور تحدثت مع الجنرال عون عبر الهاتف. ضحك كثيراً عندما سألته عن صحة حصول اللقاء، وقال: "لا أجيب بنعم أو لا إذا كان مثل هذا اللقاء قد حصل عندي".
["لن أشارك في الانتخابات
وأنا في باريس"

في العام 1996، يكشف أنطون الخوري حرب أن عون تلقى عرضاً سورياً عبر الوزير السابق ميشال سماحة للمشاركة في الانتخابات النيابية آنذاك، على أن تكون حصته 20 نائباً، شرط الاعتراف باتفاق الطائف. لكن عون لم يهضم العرض، ولم يعتبره جدياً. ظنّ أنه يهدف إلى تمييع حركته السياسية، خصوصاً بعد أن شاع خبر استقباله ضباطاً من "الموساد" في منزله في باريس.
قال عون لسماحة بعد أن درس قانون الانتخابات المقترح: "كيف يمكن أن أشارك بـ20 نائباً، والقانون الانتخابي لا يخوّلني الحصول على نائب واحد؟ كما أنني لن أشارك في الانتخابات طالما أنني موجود في باريس، فإذا قرّرت المشاركة يجب أن أعود إلى بيروت". فكان الجواب السوري واضحاً لعون بأنه لا يمكنه العودة الآن، وبرّروا ذلك بأن عودته إلى بيروت تمرّ بالموافقة على العرض الذي يؤمّن له قوة نيابية وسياسية تعمل على تأمين الظروف الملائمة لعودته، من خلال طرح تعديل قانون العفو في مجلس النواب".
ويضيف حرب "لم تكتب الحياة لهذا العرض. لكن بعد خمس سنوات في المنفى الباريسي، أصبح عون منفتحاً على أي أفق سياسي آخر يفك عزلته التي اشتدت مع انتخاب اميل لحود رئيساً للجمهورية في العام 1998".
فقد زاره آنذاك، بحسب ما يروي الياس الزغبي، الأب (س. ع) من كندا برفقة شخص كان مسؤولاً في "الموساد"، بهدف أن يفتح عون علاقة معه، فكان جواب الجنرال أنه "مستعد لذلك إذا كان هناك أفق سياسي، وليس أفقاً أمنياً فقط".
[عندما دعاه الحريري إلى العودة
كان عون في منفاه يستغرب موقف الرئيس رفيق الحريري حياله، منذ أن تولى رئاسة الحكومة العسكرية. وكان يسأل لماذا لا يتعاطى معه، سيما وأن الجنرال لاحظ أن الحريري بات اللاعب الأكبر على الساحة اللبنانية، وأنه يحظى بتأثير على أركان في النظام السوري، لدرجة أنه قال لبعض المقربين منه "إنه في تاريخ لبنان، الحريري هو الرجل الوحيد الذي استطاع أن يؤثر في القرار السوري، يجب أن أفتح علاقة معه".
حاول الجنرال أن يجد قناة تواصل مع الحريري، فاستعان بمستشاره للشؤون الأوروبية المحامي باسيل يارد وبسيمون ابي رميا (النائب الحالي) لكن الحريري لم يتجاوب، إلى أن تم إخراجه من الحكم عام 1998 قبل أن ينتصر في انتخابات العام 2000، ويدعو الجنرال عون عبر "تلفزيون لبنان" للعودة إلى لبنان.
دعوة الحريري أربكت النظام السوري وحلفاءه في لبنان، فأرسل الرئيس إميل لحود مستشاره الإعلامي رفيق شلالا إلى باريس حاملاً رسالة الى عون بأن لا يعود، وبأن لا يستجيب لدعوة الرئيس الحريري. فاقتنع عون برسالة لحود التي قد تكون تضمّنت "اتفاقاً ما"، وبرّر ذلك بأن الحريري، ورغم دعوته العلنية، لم ينتدب أحداً للتواصل معه، بل أطلّ في اليوم التالي للدعوة وزير العدل سمير الجسر ووزير المال فؤاد السنيورة، أحدهما قال إن ملفاً مالياً يطال عون، وآخر أشار الى ان ملفاً قضائياً يطاله. فكيف يستجيب للحريري؟.
لا يستبعد البعض أن تكون أحداث 7 آب 2001 ترجمة فعلية لإتفاق لحود عون، سيما وأن الجنرال كان طوال فترة المنفى محافظاً على علاقة جيدة باللواء جميل السيد. فكثير من العونيين كانوا يستغربون كيف أن السوريين كانوا يسمحون لهم بإقامة نشاطات سياسية ويثيرون علامات استفهام حول ذلك. يقول إيلي محفوض :"كنا نقيم احتفالات في مطعم "القلعة" في بيت مري، وكان في مقابل المطعم حاجز للجيش السوري، لكنه لم يكن يتعاطى معنا، وكنا نعتبر أنفسنا أبطالاً ونقاوم الجيش السوري".
ويستذكر محفوض أنه في إحدى الجلسات مع الجنرال في باريس، اشتكى نائب زحلة السابق سليم عون من أن أحداً ما اعتدى عليه بالضرب من "جماعة سوريا"، فما كان من الجنرال إلا أن فاجأهم قائلاً :" يا شباب، عندما نذهب إلى بيروت، لا تتفاجأوا إذا رأيتم بعض الاشخاص الذين كانوا يعتقلونكم معي". للوهلة الأولى لم يستوعبوا ما قاله الجنرال إلى أن عادوا معه إلى بيروت ليروا بأم العين كيف أن معظم "الشبيحة" الذين نكّلوا بهم في 7 آب أمام العدلية باتوا من مرافقي عون.
في نظر الزغبي "أن 7 آب قام بها ميشال عون بالاتفاق مع اللواء جميل السيد في خطة تهدف إلى تحقيق غايتين: الأولى، زعزعة فكرة المصالحة في الجبل لضرب نتائج زيارة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير. والثانية إستنهاض شعبية عون". ويروي أنه "بعد 7 آب، كنت في باريس واشتكيت لعون من شخصين، هما رفيق شلالا وجميل السيد، فقال :"لا لا رفيق مسكين .. ويا الياس ما تغلط، جميل السيد يتصل بي كل أسبوع ويقول بأمرك سيدنا".
[أبواب واشنطن تفتح بعد 11 أيلول
مرات كثيرة حاول أن يطرق الجنرال الباب الأميركي، لكنه لم يفتح إلا بعد أحداث 11 أيلول العام 2001، التي أفرزت تداعياتها مدرستين في الولايات المتحدة الأميركية. الأولى تعتبر أن سوريا ضالعة في ما سماه الرئيس الأميركي جورج بوش "محور الشّر"، والثانية تعتبر أن لا بديل من سوريا، كحاجة وضرورة للسلام في منطقة الشرق الأوسط.
وجد عون الفرصة مؤاتية لتأمين رعاية أميركية لـ"قضيته" عبر تأييد إحدى المدرستين، فاختار، بحسب الزغبي، التحالف مع المدرسة التي رعت مشروع قانون محاسبة سوريا والمدعومة من اللوبي اليهودي، عبر مجموعة ناشطة في الداخل الأميركي قوامها وليد فارس وطومي حرب، بحيث لم يجد عون فرقاً بين مصالحه ومصالح الإسرائيليين.
يذكر أن الكونغرس الأميركي استضاف العماد عون ورفاقه لشهور عدة في قاعة ملحقة بمبنى الكونغرس مع مجموعة من أعضائه أطلق عليها لجنة إستماع، للتأكد من تجاوزات النظام السوري في حق سيادة لبنان واستقلاله، حيث قدم عون ملفاً كاملاً عن هذه التجاوزات.
يروي مقربون من الجنرال أنه "مع الإجتياح الأميركي للعراق وأفغانستان، شعر بأن الفرج يقترب. رفع شعار قانون محاسبة سوريا، سيما وأن السوريين كانوا يعملون على زعزعة الوجود الأميركي في العراق، وراح يستثمر في ورقة مطالب وزير الخارجية الأميركي كولن باول التي حملها إلى وزير الخارجية السوري فاروق الشرع، وتضمنت ست نقاط أبرزها مطالبة سوريا بإغلاق الحدود مع العراق ووقف دعم الإرهاب و"حزب الله" وسحب القوات السورية من لبنان دون قيد أو شرط (..) إلى أن صدر قانون محاسبة سوريا في العام 2003 كي يكون عنصراً من عناصر ردع السوريين في العراق.
يقول فايز قزّي ان المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأميركية "استغلّوا عون في العام 2003. والعميد فايز كرم هو من شق الطريق إلى الكونغرس تحت عنوان "العداء لسوريا"، فكان خطابه الشهير ضد سوريا وقانون محاسبتها. كان شديد الإرتياح إلى أن النظام السوري سيسقط آنذاك، وكنا دائماً ننصحه بأن يتمهّل وان لا يستعجل، لأن الأميركي يداعبه لكنه حين يقرر الزواج فسيختار السوري".
ويؤكد الزغبي، مثل كثيرين عايشوا مرحلة المنفى، أن العميد كرم "هو من فتح للجنرال عون الباب الى واشنطن من خلال اللوبي الصهيوني، إذ تولى طوني حداد وغابي عيسى داخل واشنطن التنسيق مع نائبين يهود. وكان عون مطلعاً على تنسيق كرم مع ضباط وديبلوماسيين إسرائيليين لتحقيق هذه الغاية".
["النمر المجروح
يؤذي كثيراً"
الملفت أنه عندما ذهب عون إلى الكونغرس داعياً إلى إقرار قانون محاسبة سوريا، كتب الزميل نقولا ناصيف في "النهار" أن عون لا يزال على علاقة قوية حتى اليوم بجميل السيد الذي لم يعجبه ما قاله في الكونغرس عندما أشار الى انه "إذا أقرّيتم هذا القانون، فسترون تحركات على الأرض في لبنان نوعاً وكمّاً غير السابق"، فأعطى السيد تعليماته للأجهزة الأمنية بالتضييق على الكوادر العونية، وتم استدعاء انطون الخوري حرب إلى مديرية المخابرات حيث أدار التحقيق معه العميد علي جابر لإبلاغه رسالة ينقلها إلى عون مفادها أن "النمر مجروح وإذا كان مجروحاً يؤذي كثيراً"، والمقصود بالنمر هو جميل السيد الذي تقصّد جابر أن يعرف حرب أنه يسير على خطاه حين قال له :" هل تعرف من كان يجلس على هذا المكتب؟" فرد حرب" لا". أجابه :" هذا مكتب جميل السيد".
قال جابر لحرب وهو يضع أمامه نسخة مما قاله عون في الكونغرس :" ماذا تريدون أن تفعلوا؟" أجاب: "مثل العادة"، فقال له : "لا هذه العادة انتهت، ميشال عون عندما يجلس في الكونغرس ويقر قانوناً بضغط من اللوبي اليهودي ضد العروبة والقضية، هذا يعني أنه أصبح يمسّ بأولادي، وكلنا لدينا هذا الشعور". فقال حرب ما كان اتفق مع عون على قوله قبل ذهابه إلى جابر: "نحن مع العرب ضد إسرائيل، ومع استعادة الأراضي العربية المحتلة وان قضية السيادة هي اساسية ونحن مع الموقف العربي". فطلب العميد جابر أن يظهر هذا الموقف في الإعلام، وفي اليوم التالي أرسل له أحد الصحافيين ليجري معه حديثاً صحافياً بصفته مسؤول الطلاب في "التيار الوطني الحر"، لكنه قبل ذلك، هدّد جابر حرب بأن ملف المتاجرة بالحشيشة.. ينتظره، وأن التقارير "تؤكد ذلك".

Bookmark and Share