ميشال عون من الأسد الأب الى الأسد الابن 6
بقرادوني لممثّل عون: إذا لم نتّفق جميعاً فسنذهب دهساً تحت محدلة الحريري
سيناريو العودة": رسالة ودّ من "أبو عبدو" واستعداد من لحود للتفاهم
"

المستقبل 2011/10/24

ميشال عون من الاسد الأب الى الأسد الابن"، ملف جديد يسلّط الضوء على خفايا مرحلة غير عادية في تاريخ لبنان الحديث، وسلوك غير عادي لشخص امتهن السياسة من باب العسكر، فحارب الجميع من أجل نفسه ولا شيء غيرها.
صال وجال في ساحات التحالفات الداخلية والخارجية، أكثر منها في ساحات القتال، ولم يربح أياً من "معارك" الساحتين، لكن الجنرال ظلّ ثابتاً في حلمه، لا يتزحزح، لا بالبزّة العسكرية ولا المدنية. حنين قاتلٌ إلى "الكرسي الرئاسية"، وأحلام نهارية ومسائية جعلت حياة الجنرال ليلاً طويلاً طويلاً طويلا.
لم يجد حرجاً في نقل بندقيته من كتف الى أخرى. راهن بداية على الرئيس السوري حافظ الأسد، ثم على الأميركيين، وعاد الى الأسد نفسه، قبل أن يلجأ الى الرئيس الفلسطيني "أبو عمّار" وبعده الى الرئيس العراقي صدام حسين ومعهما طبعاً فرنسا، ليأوي أخيراً الى الرئيس بشار الأسد، حيث لا يزال يتموضع حتى الآن ومن أجل الهدف نفسه والحلم نفسه.. كرسي بعبدا.
هذه المحطات واكبها اللبنانيون من بُعد ومن قرب، لكن بقيت وراءها وفي كواليسها وقائع لم يُكشف النقاب عنها حتى اليوم، ولم يكن ليحصل ذلك لولا انقلاب بعض المقربين من الجنرال عليه بعد أن انقلب على نفسه، فكشف بعضهم باسمه الصريح، لـ"المستقبل" أسراراً غير معروفة، فيما آخرون فضّلوا عدم ذكر أسمائهم، لتكون هذه الشهادات في متناول اللبنانيين.
هذا الملف الذي تنشره "المستقبل" على حلقات، يتضمن روايات من شهود سابقين وآخرين مخضرمين، عن أحداث ووقائع تعكس عطش الجنرال المستديم لكرسي بعبدا التي هنأ بها لعام ونيّف من دون أن يهنأ بلقبها الأصلي، فلم ينل أكثر من رئاسة حكومة انتقالية، دفعته الى تبني سياسات "انتقالية" علّه ينتقل الى الكرسي الحلم.
في الحلقة السادسة اليوم، بدأ سيناريو العودة من المنفى، والتي كانت في السابق مطلب الجنرال، وأصبحت اليوم مطلب النظام السوري والرئيس اميل لحود.
تحركت ماكينات الاثنين: رستم غزالي "يتحرش" بفايز قزي ليبلغ الجنرال رسالة ودّ.
وكريم بقرادوني ومعه اميل اميل لحود، يفتتحان قناة مع انطوان الخوري حرب، بدعم من رئيس الجمهورية، لغاية صريحة هي عودة عون الى لبنان من أجل توسيع جبهة "الوصاية" في مواجهة رفيق الحريري ووليد جنبلاط في انتخابات 2005.
لقاءات واتصالات ومبادرات مكتوبة "طبخها" بقرادوني وسوّقها لدى عون، فشلت قبل اغتيال الحريري لكنها عادت وانتعشت بعد الاغتيال بمبادرة من لحود أيضاً الذي استغلّ عدم اهتمام 14 آذار بممثلي عون في ساحة الشهداء.
وانطلقت رحلة العودة مع زيارة بقرادوني وإميل الابن الى باريس حيث تم الاتفاق على كل ترتيبات العودة بعد نيل "بركة" الموافقة المسبقة من ماهر الأسد شقيق الرئيس السوري.
وفي الحلقة بورتريه للزميلة كارلا خطار بعنوان "من قاموس الجنرال".

غداً
ماهر الأسد يدعو الجنرال كرئيس الى دمشق ويبارك تسليمه الرئاسة

لم يكن فايز قزي مواكباً من كثب لمرحلة المنفى الباريسي، فهو لم يكن عونياً بالمعنى السياسي التنظيمي، بل صديقاً للعماد ميشال عون. هذه الصداقة أعادته إلى الواجهة، أقلّه سورياً، ولا سيما أنه يقول "كنت مندوب عون لدى سوريا وليس العكس".
ورغم أن العلاقة بين قزي والسوريين انقطعت منذ العام 1990 حتى 2004، إلا أن أبو عبدو، أي العميد رستم غزالي، أعاد إحياءها، عندما قام بزيارة غداء له إلى مسبحه في الجية في أوائل حزيران 2004، يرافقه وئام وهاب ورياض رعد وناصر قنديل وآخرون.
كانت الجلسة خالية من "التكلّف" و"الرسميات"، وبمجرد أن "جلسنا على الطاولة"، يروي قزي، قال لي غزالي: "يا فايز كيف هي حال صديقك الجنرال عون؟" فأجبته: "أعدتني يا أبو عبدو 15 عاماً الى الوراء". قال: "شو يعني؟" فقلت: "عندما كنت أذهب الى سوريا حاملاً همّ عون، كنت أعرف النبض من طريقة استقبال عبد الحليم خدام، فعندما كان يسألني "كيف ميشلين؟" كنت أعرف أن العلاقات سيئة، وعندما كان يسألني "كيف ميشو؟" كنت أشعر أن العلاقة أفضل بعض الشيء (..) وعندما كان أبو جمال يسأل بوضوح عن حال الجنرال عون، كان يعني ذلك أن الوضع جيد".
كان قزي يلمّح لغزالي أنه بمجرد سؤاله "يا فايز كيف هي حال صديقك الجنرال عون؟" يعني أن الوضع جيد. وما إن انتهت مأدبة الغداء، حتى قام غزالي وقزي بجولة في المسبح: "خلالها سألني أبو عبدو عما إذا كنت أذهب الى باريس، فقلت: نعم سأذهب قريباً لإنهاء بعض الأعمال هناك. فعاد وسألني هل ترى الجنرال؟ فقلت: نعم أراه، فهو صديقي وأتصل به بين حين وآخر. فقال: "سلّم عليه". قلت له: "عون يفكر في العودة". أجاب: "ليس لدينا مشكلة".
إعداد: جورج بكاسيني وعبد السلام موسى

عودة فايز كرم قبله الى بيروت كانت
"بروفا" للتأكّدمن حسن النيات السورية

فيلتمان حذّره عبر إده من التواصل مع السوريين
فأجابه الجنرال: "غير صحيح أنا أنسّق مع الحريري"

إذاً، خطوط العودة فُتحت أمام الجنرال، ومن بينها خط تولاه المحامي كريم بقرادوني، رئيس حزب الكتائب سابقاً، من باب دعم رئاسة الجمهورية بعد التمديد، ومحاربة رفيق الحريري قبل اعتكافه، سيّما وأن الجهاز الأمني اللبناني السوري وضع كل ثقله لفصل عون عن لقاء "قرنة شهوان" الذي كان يمثلّه فيه الناشط السياسي سامي نادر، وحصل ذلك مع توسيع اللقاء وشعور عون بأن أقطاب "قرنة شهوان" وجلّهم من المرشحين المحتملين لرئاسة الجمهورية، يشكّلون خطراً على حلمه الرئاسي، خصوصاً مع انضمام الرئيس أمين الجميل، والنائب بطرس حرب، ورئيس حركة "التجدد الديموقراطي" النائب السابق نسيب لحود.
راح بقرادوني ينسّق مع أنطون الخوري حرب، مسؤول الطلاب في "التيار الوطني الحر". تم اللقاء الأول في منزل الأول في الأشرفية بحضور حرب ونائبه في مصلحة الطلاب ربيع معلولي. استهل بقرادوني اللقاء بالقول: "لم أعد وزيراً، لكن لا بد أن نحافظ على بعبدا كرمز وإلا ذهبنا جميعاً دهساً تحت محدلة الحريري. فقد ربح انتخابات الـ 2000 وهو يعدّ العدة كي يفوز في انتخابات الـ2005 ، ولا مكان للمسيحيين في حسابات الحريري، وإن وُجد أحدهم فسيكون على شاكلة بعض الموظفين، ولن يكون من القيادات المسيحية، لأن القيادات المسيحية الحقيقية ليست هنا، والجنرال عون أهم هذه القيادات، وبات لزاماً أن يلعب دوراً سياسياً في الداخل".
بقرادوني "يطبخ" العودة
لمواجهة الحريري وجبنلاط

لم يهضم حرب كلام بقرادوني، خصوصاً أن مدعي عام التمييز آنذاك عدنان عضوم كان قد تقدّم بادعاء جديد ضد الجنرال إثر خطابه في الكونغرس في 18 أيلول 2003. فبعد 3 أيام، أي في 21 أيلول 2003 أكد عضوم في تصريح نشرته "الوكالة الوطنية للإعلام" وجود ملف جزائي بحق عون بـ"جرم اغتصاب السلطة والتمرد والاعتداء على الجيش وغير ذلك من الجرائم"، وأضاف: "هذا الرجل (عون) أراد أن يكون خارج النظام ويقوم بدور العمالة وليس غيره كما يتهم الآخرين".
وفي 24 أيلول 2003 طلب عضوم الإدعاء على العماد عون بـ"جملة جرائم"، ولم ينقضِ شهران، قبل أن تصادق الهيئة الاتهامية في بيروت برئاسة القاضي جميل بيرم، في 13 تشرين الثاني 2003، على قرار قاضي التحقيق في بيروت حاتم ماضي، اتهام العماد المتقاعد ميشال عون القيام بأعمال وخطب لم تجزها الحكومة من شأنها تعكير صلات لبنان بدولة شقيقة والنيل من هيبتها، وإثارة النعرات الطائفية والحض على النزاع بين الطوائف وانتحال صفة رسمية (رئيس حكومة لبنان) واتهمته سنداً إلى الجناية التي تنص عقوبتها على الأعمال الشاقة المؤقتة من 3 إلى 15 سنة. وقررت إصدار مذكرة إلقاء قبض في حقه (..).
استند حرب إلى هذه الوقائع ليقول لبقرادوني :"كيف تُحدثني بهذه الطريقة، وأنتم تحيلون عون إلى المحاكمة من جديد؟" فرد الأخير: "ما تقوله ليس مشكلة، عندما نتّفق تصبح التفاصيل بلا طعمة". سأله حرب: "ماذا تستطيع أن تفعل؟" قال: "أنا أقوم بمبادرة بالتنسيق مع رئيس الجمهورية اميل لحود".
وانفضّ اللقاء على أساس أن يضع حرب الجنرال عون في أجوائه، في وقت يكون بقرادوني قد التقى الرئيس لحود، ثم يلتقيان في اليوم التالي لمتابعة التفاوض.
كانت مرحلة استدراج عروض بالنسبة إلى عون، فهو سأل: "ما العرض؟" ولم يكن حرب يملك الجواب، فقال له: "أعتقد أنه عبارة عن شيء ما له علاقة بالانتخابات النيابية المقبلة، كي تأتي وتخوض الانتخابات من هنا".
المهم، التقى حرب وبقرادوني في اليوم التالي. قال الأخير: "الرئيس لحود قال لي إن طلال ارسلان وشخصاً آخر قالا له إن الوقت أصبح مناسباً كي يعود عون من المنفى، وأنه لا بد من تأليف جبهة ضد رفيق الحريري ووليد جنبلاط تضّم الجنرال الذي يعطيها حصانة ومناعة أكبر". وتابع: "سأحضر شيئاً خطياً للعودة".
رغم أن الصورة كانت لا تزال ضبابية، إلا أن حرب أبلغ الجنرال عون أنه "يشعر بأن مبادرة بقرادوني جدية". بعد انقضاء يومين، عاد بقرادوني وطلب اجتماعاً معه.
لم يثق بلحود الأب
فاستعان بالابن

اللافت أن عون كان قد سأل حرب عما إذا كان نجل رئيس الجمهورية إميل إميل لحود تلميذ كمال اليازجي بالفعل (كان أحد قياديي التيار الوطني الحر). وهو كان كذلك، فطلب عون من حرب أن يزج لحود الابن في الموضوع للتأكدّ مما إذا كان لحود الأب في الأجواء.
وهكذا حصل. تم الاتفاق على أن يُعقد الاجتماع في مكتب لحود الابن. أعاد بقرادوني شرح نظريته، في موازاة قيام حرب بشرح ما يريده الجنرال.
بدأ الجدّ. الورقة الخطية التي أعدّها بقرادوني تحت عنوان "مبادرة لعودة ميشال عون" كانت تتضّمن كما جاء في كتابه "صدمة وصمود" "أن يسهر رئيس الجمهورية بالتفاهم مع دمشق على إقفال كل الملفات والدعاوى القضائية المقامة ضد الجنرال عون ورفيقيه الجنرالين عصام أبو جمرا وإدغار معلوف وسائر الضباط الموالين، وسداد التعويضات المستحقة لهم، وحماية أمن الجنرال الشخصي حين عودته في لبنان.
في المقابل، "يتعهّد الجنرال عون الدفاع عن موقع رئاسة الجمهورية، والقبول بتأجيل الانتخابات النيابية إلى ما بعد إتمام الانسحاب الكامل للجيش السوري من لبنان، وإصدار قانون جديد للانتخابات إفساحاً في المجال لخوض انتخابات حرة ونزيهة في مناخات ديموقراطية، وتسوية مسألة سلاح "حزب الله" بالحوار معه ومن دون اللجوء إلى استخدام القوة، وتأكيد ضرورة تحسين العلاقات اللبنانية السورية المميزة"، وأن "يشارك عون في الحكومة شخصياً أو عبر من ينتدبه".
وختم بقرادوني المبادرة باقتراح الآلية الآتية: "عند الاستحصال على الموافقة المبدئية من الرئيس إميل لحود، يلتقي إميل إميل لحود وكريم بقرادوني بالجنرال عون في باريس لوضع هذه المبادرة موضوع التنفيذ".
ويضيف بقرادوني: "سلمت نص المبادرة إلى ابن الرئيس لحود، الذي حملها إلى دمشق وعرضها على صديقه ماهر الأسد الذي استوضح الملابسات والخلفيات، واستمهل إلى حين عودة شقيقه بشار الأسد من الخارج. وقبل أن يصل لحود إلى بيروت اتصل به ماهر الأسد ليخبره أن الرئيس بشار عاد لتوّه ووافق على المبادرة "شرط أن يكون "حزب الله" شريكاً في العملية، وأن تحصل بإشراف مباشر من الرئيس لحود".
كل ذلك كان يجري من دون معرفة ممثلي عون بخطوات تنفيذ المبادرة التي اتضحت في ما بعد، لكن حرب استشّف من بنودها أنها "لغم"، وتضّر بالسعي العوني للوصول إلى بعبدا، سيما وأن نظرية بقرادوني كانت قائمة على أن الشخص ليس مهماً بقدر الموقع، وبأنه لا يجوز أن يكون "المدّ السني" وراء انتخاب "رئيس ماروني".
رفع حرب المبادرة الخطية إلى عون، فلم تُعجبه، فاتصل بالأول قائلاً: "عُرضت عليّ مبادرة أهم بكثير في العام 1996 ولم أقبل بها. في هذه المبادرة لا يعرضون شيئاً، وما يطالبون به هي مطالبي (..) هم يمارسون لعبة، ويبدو أن المناورة بلا طعمة، أشتمّ رائحة شيء ما سيحصل".
كل شيء مباح
في سبيل العودة

المفارقة هنا أن عون كان يعمل على جميع الخطوط للعودة، فرئيس "حزب السلام" روجيه إده يروي "أنه قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري بشهر ونصف الشهر، وتحديداً في ليلة رأس السنة "كنت قد دعوت بعض الأصدقاء إلى مأدبة عشاء، ومنهم السفير الأميركي جيفري فيلتمان، والسفير الفرنسي برنار إيمييه الذي لم يستطع الحضور، بالإضافة إلى كريمات عون وأزواجهن. ولكن قبل العشاء، نصحني فيلتمان بضرورة إبلاغ عون رسالة مفادها بأن الاتصالات (مع السوريين) التي تلقّاها أخيراً ستؤذي معركة تحرير لبنان، مضيفاً أنه بمجرد إبلاغ عون فحوى الرسالة سيفهم ما هو المقصود". ويضيف "ذهبت الى باريس واجتمعت بالجنرال، فقال: "أنا على تواصل مع رفيق الحريري ونحن نسير في الخط نفسه حتى النهاية". ونفى نفياً قاطعاً أي اتصال بالسوريين، سيما وأن الجو الفرنسي كان ضد عون في تلك الفترة في ضوء اتصالاته بالسوريين، فيما الجو الأميركي، بحسب ما أسّر فيلتمان لإده، كان يشجّع عون آنذاك على استمرار التواصل مع الرئيس الحريري.
حجم الحريري ..
عقدة الجنرال الدائمة

لكن إده يتوقف عند "شكوك كانت تراود عون دائماً قبل العودة، خصوصاً أنه كان يقارب الصراع انطلاقاً من حجم أو قوة رفيق الحريري، بمعنى أنه سيعود إلى لبنان ضعيفاً قياساً الى حجم الحريري، وأن قوة الحريري المدعومة من فرنسا والسعودية ستكون غالبة"، مشيراً إلى أن "اغتيال الحريري جعل عون يعتقد أن خوفه زال من تهميش الحريري له، لكن في الوقت نفسه شعر بصدمة كبيرة إزاء الاغتيال، إذ بات يخاف على عودته لأن من يغتال الحريري يمكن أن يغتال غير الحريري أيضاً".
إذاً، كانت اتصالات عون بالسوريين مكشوفة قبل اغتيال الحريري، لكن حرب يروي أنه "تم الاتفاق على اجتماع جديد لعرض الأجوبة يوم الجمعة في 11 شباط 2005"، ثم جاء زلزال الاغتيال يوم الاثنين في 14 شباط 2005، فتوقفت الاجتماعات، ونزلنا كـ"تيار وطني حر" إلى ساحة الحرية، وشاركنا في لجنة تنسيق مشتركة مع قوى "14 آذار"، وذهب الجنرال عون إلى منزل الرئيس الحريري في باريس للتعزية.
بعد زلزال الاغتيال، عاود بقرادوني الاتصال بحرب قائلاً: "إن لحود ليس مرتاحاً، وغير راضٍ عن الحكومة، وقد فُرضت عليه. إميل لحود يكره (رئيس مجلس النواب) نبيه بري. يجب أن نجلس مع بعضنا البعض". كان اتصال بقرادوني للاستدراك، وجاء في الوقت المناسب.
ذهب حرب إلى منزل بقرادوني ليستكشف ما لديه، سيما وأن استياءً عونياً كان في الأجواء نتيجة تهميش أنصار التيّار في ساحة الحرية: "لم يسمحوا لنا بإلقاء كلمة في الساحة إثر استقالة حكومة الرئيس عمر كرامي. إلى أن أتى يوم 14 آذار من دون أن نلقي كلمة، حيث كان يفترض أن يلقي الجنرال عون كلمة عبر الهاتف من باريس، لكن الصحافي سمير قصير قال إن هذا غير ممكن متذرّعاً بهندسة الصوت".
يومئذٍ، والكلام لحرب، "تحدثت إلى الجنرال، كان شديد الانفعال، فسألني عن أخبار المبادرة، فقلت يبدو أن كريم أضاف إليها شيئاً ما، فطلب مني أن أتابعها وأن أسرع قدر المستطاع. عند المساء أطلعت جبران تويني على ما جرى، فقال: أنا أعالج الموضوع، فاتصل بالجنرال، وكانت المكالمة قاسية، وعلى الأثر اتصل بي الجنرال وطلب مني أن نعلن قرارنا بالانسحاب من لجنة التنسيق وهذا ما حصل".
"طبخة" بقرادوني
و"سفرة" الجنرال

ذهب أنطون الخوري حرب إلى منزل بقرادوني لاستطلاع ما لديه من جديد، فاستقبله قبل السلام بسؤال: "كم استرسلتم في الموجة؟ سترون غداً أنكم لستم موجودين في حساباتهم. ما يتم الآن ليس لميشال عون أي مصلحة أن يشارك فيه، وأنا أريد أن أفعّل المبادرة. الرئيس لحود مصرّ أن يقابل أحداً منكم".
وتوالت الأحداث بسرعة قياسية. إجتماع جديد في مكتب لحود الإبن تقّرر بنتيجته أن يذهب وفد لمقابلة الجنرال في باريس يضمّ اليازجي وبقرادوني ولحود الابن، وذلك في 8 نيسان 2005. نقل لحود الابن تحيات والده إلى عون. يروي بقرادوني: "دخلنا على عون في الوقت المحدد. بادره إميل إميل لحود بالقول :"بيسلّم عليك الوالد". هزّ عون رأسه ولم يقل شيئاً (..) شرح لحود الإبن لعون تفاصيل المبادرة والخطوات التي تمت تسهيلاً لعودته، ونقل اليه حرص والده على أمنه وسلامته، واقترح عليه أن يختار مجموعة من الضباط والجنود الذين يرتاح لفصلهم على سبيل الحماية".
أخرج عون من جيبه ورقة بمطالبه وسلّمها لبقرادوني، وهي تتضمن معالجة الدعاوى والأحكام المتعلقة به وبكل من بيار رفول وحبيب فارس وفايز كرم فطمأنه بقرادوني أن كل المواضيع الواردة فيها قابلة للمعالجة بتوجيهات رئيس الجمهورية "لأن عودتك هي لدواعي المصلحة العليا".
اطمأن عون إلى أن المبادرة تسير على ما يرام، وقال للوفد: "حدّدت 7 أيار تاريخاً لعودتي". فعاد الوفد إلى بيروت ليباشر في تنفيذ ما اتفق عليه من خلال اجتماعات عقدت بين حرب والرئيس لحود، فيما توّلى الشق الأمني العميد فؤاد الأشقر مع مدير المخابرات جورج خوري بحضور نعيم عون، في حين تولّى بقرادوني التنسيق مع عدنان عضوم، مدعي عام التمييز، في الشق القضائي الذي لم يكن مطمئناً له عون. فكان الاتفاق أن يبدأ التنفيذ بعودة فايز كرم أولاً الى بيروت كخطوة أولى هي عبارة عن "بروفا" ، فإذا عاد من دون إتخاذ أي إجراء ضده يعني أن الأمور تسير كما هو متفق عليه، وهذا ما حصل، فعاد كرم قبل أسبوعين من عودة عون من باريس.

Bookmark and Share

comments powered by Disqus