لو يتذكّر ما قاله أمام الكونغرس: من يتستّر على الأنظمة الديكتاتورية بحجة الخطر الأصولي "ساذج" و"أحمق"
"تفاهمات" الجنرال: من بات روبرتسن الى حسن نصرالله 8 الأخيرة

المستقبل 2011/10/26

ميشال عون من الاسد الأب الى الأسد الابن"، ملف جديد يسلّط الضوء على خفايا مرحلة غير عادية في تاريخ لبنان الحديث، وسلوك غير عادي لشخص امتهن السياسة من باب العسكر، فحارب الجميع من أجل نفسه ولا شيء غيرها.
صال وجال في ساحات التحالفات الداخلية والخارجية، أكثر منها في ساحات القتال، ولم يربح أياً من "معارك" الساحتين، لكن الجنرال ظلّ ثابتاً في حلمه، لا يتزحزح، لا بالبزّة العسكرية ولا المدنية. حنين قاتلٌ إلى "الكرسي الرئاسية"، وأحلام نهارية ومسائية جعلت حياة الجنرال ليلاً طويلاً طويلاً طويلا.
لم يجد حرجاً في نقل بندقيته من كتف الى أخرى. راهن بداية على الرئيس السوري حافظ الأسد، ثم على الأميركيين، وعاد الى الأسد نفسه، قبل أن يلجأ الى الرئيس الفلسطيني "أبو عمّار" وبعده الى الرئيس العراقي صدام حسين ومعهما طبعاً فرنسا، ليأوي أخيراً الى الرئيس بشار الأسد، حيث لا يزال يتموضع حتى الآن ومن أجل الهدف نفسه والحلم نفسه.. كرسي بعبدا.
هذه المحطات واكبها اللبنانيون من بُعد ومن قرب، لكن بقيت وراءها وفي كواليسها وقائع لم يُكشف النقاب عنها حتى اليوم، ولم يكن ليحصل ذلك لولا انقلاب بعض المقربين من الجنرال عليه بعد أن انقلب على نفسه، فكشف بعضهم باسمه الصريح، لـ"المستقبل" أسراراً غير معروفة، فيما آخرون فضّلوا عدم ذكر أسمائهم، لتكون هذه الشهادات في متناول اللبنانيين.
هذا الملف الذي تنشره "المستقبل" على حلقات، يتضمن روايات من شهود سابقين وآخرين مخضرمين، عن أحداث ووقائع تعكس عطش الجنرال المستديم لكرسي بعبدا التي هنأ بها لعام ونيّف من دون أن يهنأ بلقبها الأصلي، فلم ينل أكثر من رئاسة حكومة انتقالية، دفعته الى تبني سياسات "انتقالية" علّه ينتقل الى الكرسي الحلم.
في الحلقة الثامنة والأخيرة اليوم، يذكّر الزميل وسام سعاده القرّاء بما قاله الجنرال في شهادته أمام الكونغرس الأميركي يوم 17 أيلول 2003، من مواقف حيال النظام السوري حول الديكتاتورية والأصولية ووسائل التغيير الديموقراطي، تناقض تماماً رأيه اليوم بما يجري في سوريا، لا بل يذهب أكثر من ذلك ليعتبر الأصولية ابنة شرعية للأنظمة الديكتاتورية، وليخلص الى القول "إن الطريقة الدائمة والفعّالة لوقف المدّ الأصولي ليست أبداً خيار الديكتاتورية على الأصولية، بل توفير بديل ثالث هو الديموقراطية".
ويتطرق سعادة الى المقابلة التي أجراها الداعية المتطرف القس ماريون غوردون المعروف باسم بات روبرتسن مع الجنرال عون في محطته التلفزيونية الخاصة "وكالة البث المسيحي" حيث اعتبر عون أن "خطر الأصولية لعبة من ألعاب النظام الاستبدادي السوري نفسه"، في ظل توافق "الصديقين"، روبرتسن وعون، على أن "حزب الله منظمة إرهابية تحت إدارة النظام السوري مئة في المئة، ولا قابلية للشك في ذلك".
كما يسلّط سعادة الضوء على "التعويم" العوني الذي أنقذ حلفاء سوريا في لبنان بعد زلزال 14 شباط 2005، وكيف أصبح كل من عون و"حزب الله" والنظامين السوري والإيراني بعد ذلك حاجة ضرورية حيوية للآخر، في حين استمر السوريون وحلفاؤهم وفي طليعتهم "حزب الله" في إشعار الجنرال دائماً بأنه الأحقّ بالرئاسة وخلعوا عليه ألقاباً فضفاضة مثل "زعيم مسيحيي الشرق"، ليتركوه على موعد دائم مع الكرسي.. ولكن مؤجل أبد الدهر.

وسام سعادة

قد ينسى العماد ميشال عون، وننسى معه، المصطلحات والصيغ المبتكرة التي زخرت بها شهادته أمام الكونغرس الأميركي في 17 أيلول 2003. قالَ يومها: "لا يمكن للمرء، منطقياً، أن يفصل النظام السوري عن الإرهاب، فسوريا توفر ملاذاً آمناً لعدد كبير من المنظمات الإرهابية، وهي توجّه عملياتها، وتستخدم لبنان المحتل كحقل رئيسي لها للتدريب والعمليات". قالَ أيضاً: "ان الأنظمة الديكتاتورية، التي تخلق لدى شعوبها شعوراً محبطاً بعدم قدرتهم على التأثير واحداث أي نوع من التغيير، من خلال الوسائل الديموقراطية والسلمية، هي السبب في الأصولية" وشدّد على أن "الحل الوحيد والفعّال على المدى الطويل، في وجه انتشار الأصولية هو نشر الحرية وتعميمها، والطريقة الوحيدة، الدائمة والفعالة لإيقاف المد الأصولي هي ليست أبداً خيار الديكتاتورية على الأصولية، بل توفير بديل ثالث: الديموقراطية".
ليس هذا فحسب، بل تطوّع الجنرال لتحذير الإدارة الأميركية من أي سذاجة قد تدفعها إلى التعاون اللوجستيّ مع النظام البعثي تحت لافتة "التعاون على مكافحة الإرهاب" فأوضح بأن "تصوّر أي تعاون سوري في الحرب على الإرهاب لا يمثّل خياراً استراتيجياً من جانب النظام السوري لمكافحة الإرهاب" بل فقط "خطة تكتيكية ومؤقتة لتحاشي المسؤولية عن الدور المركزي الذي كان لسوريا في رعاية الإرهاب خلال العقود الثلاثة الأخيرة".
أكثر من هذا، نصّب عون نفسه آنذاك، وصيّاً على المصلحة الأميركية العامة، فتوجّه بكلمات لا تخلو من الشدّة والحزم لأعضاء الكونغرس، كما لو أنّه يبحث في ما بينهم عن "طابور خامس" متعاون مع النظام السوريّ وقال: "يمكن للمنظمات الإرهابية، كهوية، أن توجد من خلال إمكاناتها الخاصة، إنها أدوات للأنظمة التي توفّر لها الدعم المالي، والآلية العملانية لنشاطاتها الإرهابية. والافتراض الذي سُمِعَ في بعض الدوائر من ان هذه الأنظمة يمكن أن يوكل اليها أمر تفكيك المنظمات الإرهابية، لهو قمة في السذاجة والحماقة" وتابع "أبعد من ذلك، دعونا لا ننسى أن الطبيعة السرية لهذه الأنظمة والمنظمات ستسمح لها باعادة بنيتها، وإعادة الظهور بسرعة وسهولة تحت أسماء جديدة تماماً، جاهزة لاستئناف العمليات بقدرة كاملة".

أشْعَروه بأنه الأحقّ بالرئاسة وخلعوا عليه ألقاباً فضفاضة مثل "زعيم مسيحيي الشرق"
توافق مع روبرتسن على أن "حزب الله منظمة إرهابية تحت إدارة النظام السوري مئة في المئة"
أصبح كل من عون و"حزب الله" والنظامين السوري والإيراني حاجة ضرورية حيوية للآخر

ليس المهم هنا تظهير كم يختلف هذا الكلام الذي أدلى به عون في أيلول 2003 أمام الكونغرس الأميركيّ عمّا طفق يردّده بعد ذلك بسنوات معدودة متوعّداً بضرب المشروع الأميركيّ في لبنان والمنطقة، ثم انغماسه في الفترة الأخيرة بالتحذير من الكوارث التي ستنزل بالوجود المسيحيّ في المنطقة أو حتى بمستقبل الحياة على كوكب الأرض إن سقط نظام الشبيحة في سوريا. ما قد يبدو أكثر إثارة للإهتمام في هذه الشهادة الأميركية لعون أنّه لم يفصل بين إستعادة لبنان إستقلاله وبين تحرّر سوريا من الديكتاتورية، بل على العكس من ذلك ربط عضويّاً بين الأمرين، كما ربط عضويّاً بين الديكتاتورية البعثية في سوريا وبين الظواهر الإرهابية التي ترعاها في المنطقة. ويومها، للمناسبة، ما كان أحد لا في داخل سوريا ولا في خارجها يطرح كهدف مرحليّ عمليّ سقوط النظام البعثيّ، أو يطرح إحتمال ظهور بديل أصوليّ من هذا النظام. وحده العماد عون استبق انقلابه على نفسه في السنوات المقبلة، متطوّعاً في الردّ الإستباقيّ المفحم على مواقفه التي سوف تأتي فيما بعد، إنتصاراً لنظام بشّار الأسد وإستهدافاً لأكثرية الشعب السوريّ بحجة أنّها أكثرية ظلاميّة وأصوليّة. يسجّل له إذاً أنّه عام 2003 هزأ مطوّلاً من أولئك الذين يفضّلون "الديكتاتورية على الأصوليّة" ووصفهم بأنهم "قمة في السذاجة والحماقة".
هل يعني ذلك أنّ ميشال عون خريف 2003 كان على صواب، أو على الأقل أنّ عون وقتها كان شخصاً مغايراً تماماً لحليف النظام البعثي في مرحلة إحتضاره الدمويّ اليوم؟ الجواب: ليسَ إلى هذه الدرجة. فعون وقتها كان يسير في إتجاه مخالف للمسار التراكميّ السياديّ الحقيقيّ في لبنان، بدءاً من انتكاسة "النظام الأمنيّ" في انتخابات آب 2000، ثم نداء مجلس المطارنة الموارنة في أيلول 2000، ثم تشكّل "لقاء قرنة شهوان"، ثم مصالحة الجبل. فهذا الإتجاه كان يدرك جيّداً أن استعادة الإستقلال لا تحقق إلا بالشراكة الإسلامية - المسيحية، وأنّ النظام السوريّ سيبقى أكثر من مرتاح إلى الوضعية التي تبقى فيها المطالب السيادية محصورة بالمسيحيين وحدهم، بل كان ذلك هو منطق تقسيم العمل في أيّام الوصاية السوريّة، وبهذا المعنى كان عون موضوعيّاً جزءاً أساسيّاً من هذا التقسيم، وكان يقود المتحفّظين داخل تيّاره على أي "تورّط" في العمل الميدانيّ المشترك مع القوى الأخرى لأجل استعادة السيادة. فإذا كان صحيحاً من الناحية النظرية، أن ربط القوى ذات الحساسية السيادية الأكثر تحسّباً لمطالبها آنذاك بسقف "إتفاق الطائف" كان فيه شيء من التباس، أي التباس "الطائف" نفسه في ما يتعلّق بـ"إعادة الإنتشار" المطلوبة من القوّات العربية السورية وحجمها وموعدها والترتيبات التي تأتي بعدها، فإنّه ومن الناحية العملية، كان رفض عون المبرم لأي تأطير للمطالب السيادية بسقف "الطائف"، يقف كحاجز دون تمدّد المطالب السيادية لتصير مطالب مسيحية إسلامية مشتركة، أي لتصير ذات قدرة على تحقيق مرادها.
"خطر الأصولية من ألعاب النظام الاستبدادي السوري"
وإذا كان ميشال عون وقتها حازماً لجهة إيثار الديموقراطية على الديكتاتورية والهزء من "خطر الأصولية"، بل اعتبار هذا الخطر "لعبة من ألعاب النظام الإستبداديّ السوريّ نفسه"، فما يسجّل عليه في تلك الفترة أيضاً هو "التفاهم في موضوعات شتّى" والذي عقده مباشرة على الهواء، في المقابلة التي أجراها معه الداعية المتطرّف القس ماريون غوردون المعروف باسم بات روبرتسن، المشهور بأنه صقر من صقور "رُهاب الإسلام" أو "الإسلاموفوبيا" في أميركا، في المحطة التلفزيونية التي يملكها الأخير، أي "وكالة البث المسيحية" (سي.بي.إن). فعون نفسه الذي زايد على الكونغرس الأميركيّ حينذاك متطالباً أعضاءه بزيادة الهمّة في تصدير الديموقراطية، ولو من طريق العنف الثوريّ للإمبريالية، كان في الضيافة التلفزيونية الحميمة لروبرتسن الذي كان يفاخر بصداقته لطغاة من أفريقيا اشتهر بعضهم بشراهة أكل لحوم البشر. لكن يومها، كان الجامع المشترك بين عون وروبرتسن هو الحماسة المطلقة للحرب الأميركية على العراق والآفاق التي ستفتحها على البشرية. المفارقة بعد ذلك بسنوات، أنّه في وقت كان يجتمع فيه العماد ميشال عون مع السيد حسن نصر الله لتوقيع "تفاهم مار مخايل"، كان روبرتسن يطلق أكثر تصريحاته "إثارة للجدل" في أميركا، فيعبّر عن اعتقاده أنّ الجلطة الدماغية التي تعرّض لها ارييل شارون هي عقاب الهي على مساعيه لإعطاء مزيد من الأراضي للفلسطينيين!
موقفا روبرتسن وعون من الربيع العربي لا يختلفان
لكن ما كانت فحوى "التفاهم المتلفز" بين بات روبرتسن وميشال عون؟. سؤال من روبرتسن: "هل تعتبر أن المنظمة الإرهابية المدعوّة "حزب الله" هي تحت إدارة النظام السوري؟" وجواب من عون: "مئة في المئة، ولا قابلية للشك بذلك".
بعد ذلك، سيتفرّق الأحبّة. ميشال عون سيعود إلى لبنان ويتحالف مع "حزب الله" ويشكّل غطاء اجتماعياً معنوياً له إبان حرب تمّوز. وروبرتسن سينتقل إلى شمال الجليل ليصوّر حلقات برنامجه "نادي 700" (الذي سبق ان استضاف فيه الجنرال عون)، داعماً الحرب التدميرية الهمجية على لبنان.
إلا أنّ للإفتراق حدوده. فموقف روبرتسن وقناته وتيّاره في هذه الأيّام من "الربيع العربيّ" لا يختلف كثيراً عن مواقف عون. تحذير من صعود الأصولية الإسلامية وخطرها.
ربّما نسي ميشال عون تفاصيل لقائه روبرتسن والمقابلة المتلفزة التي أجراها معه والمواقف التي تقاسماها سوية خلالها. اللافت في هذا المجال أنّ روبرتسن كان قد افتى أيضاً قبل مدّة بأنّ "الزهايمر" شكل من أشكال الموت، وأنّ زوجة المريض المصاب بـ"الزهايمر" لها أن تتزوّج مرة أخرى.
أيّاً يكن من شيء، ينسى عون اليوم شيئاً أساسيّاً، أنّه، لم يكن فقط ذلك القائد الذي انتقل من التحالف مع صدّام حسين إلى التحالف مع محمود أحمدي نجاد، بل كان أيضاً الرجل الذي قدّم نفسه على أنه لم يزل رئيس الحكومة اللبنانية المؤقتة عام 2003، وتحمّس كثيراً للحرب الأميركية على العراق، وأبدى حماسة منقطعة النظير لمنطق تصدير الديموقراطية بالقوّة وقتها، وقد بقي من كل هذا في السنوات اللاحقة أنّه في كل مرة تحتفل فيه "قوى 14 آذار" بمسيرتها النضالية لإسترجاع السيادة والإستقلال يردّ عون بأنه هو من استرجعهما، بفضل "قانون محاسبة سوريا" الذي استصدره من الكونغرس الأميركيّ. طبعاً، طمس عون لاحقاً كل هذه المسألة بعد زيارته الأولى إلى دمشق.
فبالعودة إلى عام 2003 يتبيّن أنّ الأطراف التي تبدو اليوم في مركب واحد، لم تكن تبدو كذلك وقتها. عون كان متحمّساً لطروح المحافظين الجدد. أما السيّد حسن نصر الله فتوجّه بمبادرة إنقاذية لنظام صدّام حسين ما زالت التيارات الشيعية العراقية الرئيسية، بما فيها تلك الموالية لإيران تأخذ عليه ذلك. وايران عام 2003 ما كانت تخفي شديد لهفتها لرؤية عدوّها اللدود صدّام حسين التكريتي يقع، ولرؤية نفوذها يتمدّد من "عراق العجم" إلى "عراق العرب". أما النظام السوريّ، وكان يحظى عام 2002 بعضوية مجلس الأمن، فصوّت لصالح القرار 1441، الذي شكّل المقدّمة الدولية للحرب الأميركية على العراق، والمتعلّق بتشديد نظام التفتيش على الأسلحة المحظورة.
إلا أنّ المشهد لن يلبث أن يتضح بعد ذلك بفترة وجيزة. في مرحلة ما بعد الإجتياح الأميركي للعراق وجد التحالف الإيرانيّ - السوريّ نفسه في أمسّ الحاجة للإنتقال إلى مستوى أعلى من التنسيق الإستراتيجي، مستوى يكفل له ليس فقط توحيد الرؤية، بل أيضاً وقبل كل شيء، فهم حقيقة أنّ النظامين باتا طاقمين يعملان على مركب واحد، ولا بد لهما من الإستعداد لخوض عمليات حربية وأمنية مشتركة، وهذه تمثّلت بتصدير أو تسهيل مرور الإرهاب في إطار الحرب الأهلية العراقية، وهندسة المفاصل الرئيسية للحرب السريّة المتعدّدة الأوجه التي خيضت ضد حركة الإستقلال اللبناني الثاني، والذي تكشّف لاحقاً أن جزءاً أساسيّاً منها أوكل منذ البدء إلى أجهزة "حزب الله".
"التعويم" العوني أنقذ حلفاء سوريا من الاندثار
في سياق كهذا، كان من الطبيعي أن يتحوّل النظام السوريّ إلى المرتكز الأساسي للنظام الإيرانيّ وطموحاته الإمبراطوريّة وأحلامه البرنامجية النووية، كما كان من الطبيعيّ أن يتحوّل "حزب الله" إلى المرتكز الأساسيّ بالنسبة إلى النظام السوريّ ودائرة مصالحه وألعابه الإقليمية. هامش حركة الخمينيين الإيرانيين اعتمد أكثر فأكثر على هامش حركة البعثيين السوريين، وهؤلاء بدورهم صاروا يعتمدون بشكل متعاظم على هامش حركة البعثيين الخمينيين اللبنانيين.
لكن هذا الإعتماد المتبادل والقائم بهذه الصيغة تعرّض لمحنة حقيقية مع انطلاقة شرارة الإنتفاضة الإستقلالية اللبنانية في شباط 2005، في أعقاب اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وبعد الجلاء السوري عن لبنان كان الحلفاء المباشرون للنظام السوريّ شبه مسلّمين بأنّ مصيرهم الإندثار السياسيّ، إلى أن جاءهم "التعويم" من قبل العماد ميشال عون فور عودته، ليخوض برفقتهم الإنتخابات النيابية عام 2005، وليهادن النظام السوريّ حينذاك، لصالح تكريس هجومه على صنّاع الإستقلال الثاني أولاً، وعلى "حزب الله" ثانياً.
ثم اتسعت المفارقة بعد ذلك بشهور قليلة. فمع التحلّل السريع لـ"التحالف الرباعيّ" الذي كان يشكل كبوة أولى للمشروع الإستقلاليّ، وجد "حزب الله" نفسه في شبه عزلة سياسية وطائفية، فكان أن تدخّل العماد عون لفكّ عزلته، من خلال "تفاهم مار مخايل" في شباط 2006، والذي أبرم مباشرة بعد حادثة الممثلية الدانماركية في الأشرفية، فزيّن من خلال ذلك لنظرية "تحالف الأقليّات" في وجه "البعبع السنيّ السلفيّ" بوصفه الجوهر الحقيقيّ لثورة الأرز!!
وهذا التفاهم وضع كأول هدف عملي له الحؤول دون سقوط الولاية التمديدية للرئيس إميل لحّود. ثم انكشف الهدف العمليّ الثاني في إراحة ظهر "حزب الله" لتمكين الأخير من خوض حرب تمّوز بالشكل المناسب.
وبالمحصّلة، صار العماد عون حاجة ضرورية حيوية بالنسبة إلى "حزب الله"، مثلما صار "حزب الله" حاجة ضرورية حيوية للنظام السوريّ، والنظام السوريّ حاجة ضرورية حيويّة لنظام الملالي الإيراني.
أي أنه، في الوقت نفسه الذي يشكّل عون "حلقة طارئة" على "التحالف السوري - الإيرانيّ وإمتداداته" فإنّه صار يشكّل وبسرعة البرق حجر الزاوية في "منظومة الممانعة" إلى درجة أن من دونه تبدو هذه المنظومة أحجاراً تتهاوى من تلقائها كلعبة الدومينو.
موعد دائم
..ومؤجل مع الكرسي

وهذا يُمكنه أن يشعر العماد عون بأنّه "رجل مهم". كيف لا، ومنظومة إقليميّة ممتدة من بحر قزوين إلى البحر المتوسّط ترتكز على كتفيه، وتعتمد على وقوفه الحازم والحماسيّ إلى جانبها؟
وماذا أُعطي العماد عون في المقابل؟ هدفه الدائم هو رئاسة الجمهوريّة اللبنانية، وهذه لم تعط له. هو منذ عقود يشعر دائماً بأنّه الأحق بالرئاسة، وبأنها كثيراً ما تقترب منه، بل تصير قاب قوسين أو أدنى, لكنها في اللحظة التي تكاد تلتصق به، تفلت منه، وتضرب له مواعيد آتية، وهكذا، يبقى معها على موعد يتأجّل، وعصبية تزيد. وما فعله حلفاؤه الخمينيون والبعثيون أنّهم أدركوا أن كل المطلوب هو إبقاؤه في هذه الوضعية: إشعاره دائماً في المجالس الخاصة بأنّه الأحق بالرئاسة، وخلع ألقاب فضفاضة عليه في المجالس العامة من مثل أنّه "زعيم مسيحيي الشرق" قاطبة، وبأنّه "شريك في النصر الإلهيّ".
إذاً ينوجد العماد عون منذ خمس أو ست سنوات في هذه الوضعية: من دونه، تتصدّع "منظومة الممانعة الإقليميّة". وهو يعلم ذلك، فيسرّه ذلك، ويمضي أكثر فأكثر في الإنخراط في هذه المنظومة. لكن المنظومة نفسها، الإيرانية - السورية الممثلة لبنانياً بـ"حزب الله" تعطيه ما لذّ وطاب من عطايا لكنها تحجب عنه رئاسة الجمهورية اللبنانيّة، أي لا تلبي هدفه الأساسيّ، وهو، إذا كان سريع التمرّد في المراحل السابقة بوجه كل من يعده بالرئاسة ولا يعطيه اياها، فضلا عما لا يعده بها، فلا تبدو عليه أبداً أمارات التجهّم والتبرّم من عدم تنفيذ منظومة الممانعة بوعودها المتكرّرة لها بتسليمه مقاليد الرئاسة الأولى في لبنان. على العكس من ذلك، يبدو العماد عون منضبطاً بما فيه الكفاية في مرتبته ضمن منظومة الممانعة. فهذه المنظومة قائمة على هرمية "من أكبر إلى أصغر": عون يتبع لـ"حزب الله"، و"حزب الله" يتبع للنظام السوري أولاً، والنظام السوريّ يتبع للنظام الإيرانيّ. بخلاف الفترات الماضية، عندما كان بعض التوتّر يتسلّل إلى العلن أو إلى الميدان بين النظامين السوريّ والإيرانيّ، فإنّه يسجّل منذ سنوات عديدة ان منظومة الممانعة صارت متماسكة وتراتبية بما فيه الكفاية.
طبعاً، في المرحلة الأولى من انضوائه ضمن هذه المنظومة كان العماد عون لا يزال حريصاً على تمييز "التفاهم" عن "التحالف". بل انه أمضى معظم أيام حرب تمّوز وهو يجادل الصحافة على هذا الأساس، ويهاجم كل من يتهمه بـ"التحالف" مع "حزب الله، ويقرأ عليهم وثيقة التفاهم، مشدّداً على أنّها لا ترتقي إلى مستوى "تحالف" لا من قريب ولا من بعيد. بل أكثر من ذلك، قدّم عون نفسه وقتذاك وسيطاً بين "الأمم المتحدة" والدولة اللبنانية، وصبّ انتقاداته على "قوى 14 آذار" لأنها تبنّت بياناً وزاريّاً يعطي قرار الحرب والسلم لـ"حزب الله".
مع ذلك، لم يتأخر "حزب الله" لحظة واحدة بعد أن وضعت حرب تمّوز أوزارها، فأهدى النصر الإلهيّ للحصن الصامد، حامي ظهر المقاومة، ميشال عون.
ومن يومها، لم تعد هناك مشكلة لدى العماد عون في تسمية "التفاهم" تحالفاً، بل على العكس جرى تسمية معسكرات احتلال الوسط التجاريّ "معارضة وطنية لبنانية".
طبعاً، حتى تلك الفترة كان العماد عون ما زال يصرّ بأنّه هو من حرّر لبنان من الوصاية السوريّة، وأنّه ما فعله بعد ذلك لم يكن إلا تنفيذاً لوعده بأنه اذا ما انجزت سوريا الإنسحاب سوف يبادلها بأفضل علاقات الصداقة والأخوة.. طبعاً، لكن لم يعد النظام السوريّ على ما نذكر بأنّه سينسى قضية المخطوفين والمفقودين في غياهب سجونه ومعتقلاته، ولا في أنّه سيجاهد للمحافظة على المجلس الأعلى اللبناني السوريّ ومعاهدة التعاون والتنسيق المبرمة في عزّ الإحتلال العسكريّ للبنان فضلاً عن اتفاقية الدفاع والأمن، ولا أنه سيضم صوته إلى النظام السوريّ في المطالبة بتسليم أحرار لبنان إلى سوريا بناء على توقيفات غيابية.
أما بعد أن بدأ العماد عون سلسلة زياراته إلى رئيس النظام السوريّ، فلم يعد يدّعي حتى بأنّه هو من حرّر لبنان وليس قوى 14 آذار. صار الموضوع من آخر اهتماماته، ولو أنّه واظب على احياء مناسبة ذكرى 13 تشرين، كذكرى مؤامرة كونية عليه، تستحضر دون أي ذكر للنظام السوريّ وعدوانه يومها، فيستعاض بدلاً من ذلك بإدانة التواطؤ الأميركيّ، وإدانة الأطراف اللبنانيين الآخرين.
"منقذ" لا يعرف
إلا إنقاذ نفسه
مع انخراط عون في التحالف السوريّ - الإيرانيّ الممانع إذاً كان عليه أن يبدّل الكثير الكثير في خطابه. ما الذي فعله؟ لم يتأخر حتى تبنّى كامل الخطاب الذي كان في الأساس خطاب الرئيس إميل لحّود وأعوانه: محاربة مؤامرة التوطين، محاربة سوليدير، إلخ... المدهش هنا أنّ هذا الخطاب لم يكن أحد يعيره اهتماماً عندما كان يتلفّظ به لحّود. كان خطاباً معزولاً من الناحية الشعبية. أما في حالة عون فانه منح هذا الخطاب شعبية معينة.
الشعبية؟ ما زال للعماد عون كتلة أساسية منها. لكنه منذ 2005 وإلى اليوم لم يكسب نصيراً جديداً واحداً. بالعكس تماماً، كل يوم كان يمضي منذ ست سنوات وإلى اليوم كان يخسر فيه مناصرين سابقين، كما كان يخسر فيه أكثر فأكثر حماسة الكثيرين من الذين استمرّوا يحازبونه الى اليوم. وهذا بدوره يكشف المشكلة الأساسية: لم ترجع شعبية عون في نهاية الثمانينات إلى رجاحة ما طرحه يومها، أو إلى مهارات كاريزماتية أو خطابية استثنائية، ولا حتى إلى عصبيّته التي يستطيبها كثيرون، بقدر ما رجعت إلى أن المسيحيين، وتحديداً الموارنة، شعروا بحالة يتم غير مسبوقة بعد اغتيال الرئيس بشير الجميّل في ايلول 1982، ثم بعد هزائم حرب الجبل وشرق صيدا. والمفارقة هنا أن الجماعة المسيحية لم تسامح أبداً من اعتبرتهم المسؤولين عن هزائمها في حرب الجبل وشرق صيدا، لكن جزءاً كبيراً منها تماهى مع عون بصفته "منقذاً" ولم يبدّل من هذا التماهي حتى بعد أن خاض عون حروباً وخرج منها مهزوماً. تهاونت الجماعة، أو قسم منها مع عون في 13 تشرين، عندما ترك جيشه يموت في أرض المعركة ولجأ هو إلى مبنى السفارة الفرنسية، في حالة نادرة لقائد عسكري يستسلم من ناحية، ويصدر أمراً بمواصلة القتال من ناحية ثانية، ثم يصدر أمراً بتسليم قطاعات الجيش إلى قيادة إميل لحّود من ناحية ثالثة. تهاونت الجماعة مع عون في 13 تشرين 1990 لأنها في الأساس لم تكن بحاجة إلى "شهيد" جديد، بل كانت بحاجة إلى منقذ، وإلى منقذ يعرف كيف ينقذ نفسه حتى لو أنه لم يعرف كيف ينقذ جماعته وجيشه.

Bookmark and Share