بلمار يروي مسيرته مع المحكمة ولبنان
الجمهورية 2012/01/28
يصرّ بعض المتوجّسين من المحكمة الخاصة بلبنان على أنّ المحكمة مسيّسة وأنّ المدّعي العام القاضي دانيال بلمار كان مكلّفا بتنفيذ المؤامرة الكونيّة في المنطقة ولبنان. لكنّ بلمار كان في مكان آخر قبل زيارته إلى لبنان مودّعاً، راوياً قصّته مع المحكمة ومحبّته للبنان واللبنانيّين. ماذا قال بلمار؟
جورج شاهين
ما خلا اللقاءات التي جمعته مع أهالي الضحايا والشهداء الأحياء، فقد حرص القاضي بلمار على القيام بجولته التقليدية على المسؤولين اللبنانيّين الذين تعرّف اليهم من قبل، أو أولئك الذين يلتقي بهم للمرّة الأولى والأخيرة مودّعاً إيذانا بانتهاء المهمّة التي أوكِلت اليه قبل شهر على دخول استقالته حيّز التنفيذ في 29 شباط المقبل، ليبدأ مرحلة من النقاهة هي الثانية في حياته بعيداً عن هموم العدالة والقانون وكلّ ما يتّصل بعمل المحكمة.
يعترف العديد من المسؤولين الذين التقوا بلمار أنّ الزيارة التي يقوم بها وداعيّة بكلّ ما تحمله الكلمة من معان. يتجاهل الحديث عن مستقبل المحكمة وما ستكون عليه الأمور بعد مغادرته موقعه تاركاً للأمين العام للأمم المتّحدة بان كي مون أن يقول كلمته الفصل في العديد من الملفّات التي تعني المحكمة وتحديداً بما يتّصل بتمديد التفويض لها للسنوات الثلاث المقبلة، والذي يتزامن تأريخاً مع بدء سرَيان مفعول استقالته وبدء مرحلة تقاعده، وإلى القاضي الذي سيسمّى مدّعياً عامّاً خلَفا له كلّ ما يتّصل بأعمال المحكمة على كلّ المستويات بما فيها المرحلة التي سيسلّم فيها سلطاته إليه وصولاً إلى ما يحدّد مسارها ومستقبلها في ضوء ما تراكم من تحقيقات وملفّات تعني الجريمة الأساسية التي اغتيل فيها الرئيس رفيق الحريري ورفاقه الـ 22 والجرائم الثلاثة الأخرى التي أعلن عن ترابطها بها.
ففي لقاء جمعه مع أحد الوزراء للمرّة الأولى في حياة الرجلين، فتحَ بلمار قلبه امامه متحدّثا عن تجربته مع القضاء الدولي لتكون عبرة لمن يعتبر. فشرح الظروف التي قادته الى الاستقالة بسرعة، وروى بالتفصيل تلك التي قادته الى موقعه رئيساً للجنة التحقيق الدولية المستقلّة بداية العام 2008 قبل ان يتحمّل مسؤولية مدّعي عام المحكمة فور الإعلان عنها في الأوّل من آذار العام 2008. وقال إنّه كان يمضي فترة نقاهته الأولى بعدما اعتزل عمله مدّعياً عامّاً في القضاء الكندي.
من دون أيّ استشراف للمستقبل وما كان يحمله له - يقول بلمار استدعيت قبل خمس سنوات من قِبل الأمين العام للأمم المتّحدة بان كي مون وتحديداً في نهاية العام 2007 بعدما رشّحته الأمم المتحدة ليكون خلَفا للقاضي البلجيكي دانيال براميرتس في رئاسة لجنة التحقيق الدولية المستقلة.
وأضاف: لجأت بداية إلى أصدقاء لي ومنهم لبنانيّون لأسأل عن هذا البلد الذي اسمه لبنان. فأغرّتني شهادة أصدقائي اللبنانيّين ولم أتوقّف عند رأي البعض الذي يعرف لبنان بدرجة متقدّمة عن فهمي لهذا البلد، لكنّ شهادات أصدقائي اللبنانيّين ثبتت لديّ اليوم بعد خمس سنوات من التعاطي مع اللبنانيّين من مواقع مختلفة رؤساء ووزراء وقضاة وعسكريّين وأهالي الضحايا، فهم شعب لطيف ومنفتح على ثقافات العالم وحضاراته، مضياف يتقن لغات العالم أجمع.
ويضيف بلمار، في هذه الأجواء بدأت مهمّتي وعملنا مع فريق كبير من الدائرة القانونية في الأمم المتّحدة ومكتب الأمين العام وقضاة لبنانيّين كبار على وضع النظام الداخلي للمحكمة وأصول وقواعد الإجراء والإثبات وأخضعناها لتعديلات اقترحتها الهيئات المعنيّة في المحكمة لتتلاءم وحاجات السعي الى الحقيقة والعدالة ليس إلّا. كما بالنسبة الى توفير افضل الظروف للدفاع ولمقاضاة المتّهمين وكلّ من يثبت تورّطهم في الجرائم التي ننظر فيها بما يضمن إبعاد كلّ أشكال الضغوط المحلّية والدولية.
وقال بلمار بما معناه: بجدّ، شكّلنا محكمة خاصة بكلّ المعايير القانونيّة الدولية وأعتقد صادقاً أنّها ستكون تجربة فذّة ستدرس بمختلف أوجهها وأبوابها القانونية وأحكامها وأنظمتها في المعاهد والجامعات على أساس أنّها تجربة فريدة من نوعها لا تشبه أيّاً من المحاكم الجنائية الدولية في العالم، وهي التي جمعت بين القوانين الدوليّة الشاملة وتلك اللبنانية الخاصة.
ولذلك يرفض بلمار الحديث عن تسييس المحكمة ويصرّ على أنّها لن تصدر اتّهاما ولن تحاكم إلّا المجرمين والمتّهمين الذين سيبقون أبرياء الى حين إثبات العكس. ولذلك فهو يعبّر عن اطمئنانه الى انّها محكمة ستصل الى الحقيقة مهما طال الزمن، ولن يؤثّر في عملها أحد من أيّ موقع كان.
يجمع من التقى معه أنّ بلمار بدا مطمئنّاً إلى سير المحكمة، وسيسلّم الأمانة مرتاحا، وقد أدّى قسطه الى العلى إلى من يسمّيه الأمين العام للأمم المتحدة خلَفا له وهو لا يعرفه حتى اليوم. ففي لقائه الأوّل والأخير مع وزير العدل شكيب قرطباوي سأله الأخير عمّا سيعمله فردّ باقتضاب: سأمضي ما تبقّى لي من العمر مع عائلتي وأحفادي في كندا. ولمّا تمنّى له قرطباوي حياة حلوة وهادئة، قاطعَه بلمار وقال مقدّرا تمنّياته له " يكفي أن تتمنّى لي الصحّة".
