أكراد لبنان «عيْنهم» على... عين العرب

الراي 2014/11/05

بيروت - من أسرار شبارو

بعد أربيل في العراق، اليوم كوباني أو عين العرب التي جعلت «عين» الكاميرات على الأكراد الذين باتوا في «واجهة المواجهة» مع «الدولة الاسلامية» وأطماعها في التوسع و«نهش» خرائط الدول.

والأكراد الذين عانوا على مرّ التاريخ من وطأة الظلم والتمييز القومي والثقافي منذ عشرينات القرن الماضي، الأمر الذي دفعهم للهجرة والتشتت على بقاع مختلفة من الارض لتبدأ رحلة إثبات الذات و«حلم» بناء دولة مستقلة، يتعرّضون اليوم لموجة جديدة من التهجير لكن هذه المرة على يد «داعش».

انتفض الأكراد أينما وُجدوا وتحرّكوا في لبنان الذي يحتضن عدداً لا يستهان به منهم، وذلك حين شعروا بأن إخوانهم باتوا قاب قوسين أو أدنى من أنياب «داعش». رفعوا الصوت في تظاهرة منددة في بيروت طالبت المجتمع الدولي بالتحرك «لوقف المذبحة» في كوباني التي صارت «معركتها» عنوان تجاذُب اقليمي - دولي وتتضارب فيها احياناً كثيرة مصالح بعض «المتفرّجين» على المعارك فيها او المنخرطين فيها او الذين دخلوها ولكن «عن بُعد»، وسط محاولات من بعض الاطراف لجعل إنقاذ عين العرب مادة «مقايضات»سواء مع «رأس» النظام السوري او مع المسألة الكردية التي تخشى انقرة ان تكون «موْقعة» كوباني مدخلاً لتعزيز طموح الأكراد في إقامة الدولة المستقلة.

وكأن قدَر الأكراد أن يعانوا، ولا سيما الذين قصدوا لبنان «حيث وقعوا فريسة للتمييز الطائفي بعدما قدمت غالبيتهم من تركيا، ليتوزعوا على المناطق فانتشروا في رأس بيروت، البسطة، برج ابي حيدر، زقاق البلاط، الملا، الكرنتينا وخلدة وغيرها، ولم يعيشوا ضمن كانتونات كالأرمن، ومع هذا لم يتم التعامل معهم بطريقة ايجابية خوفاً من أي تغيير ديمغرافي وخصوصاً في ظل المارونية السياسية التي حكمت قبل الحرب الاهلية في لبنان، فتمت معاملتهم على أنهم فئة ثانية في المجتمع»، بحسب ما قال الخبير في الشؤون الكردية محمود فقيه لـ «الراي».

ويوضح فقيه ان «الأكثرية الساحقة من الأكراد في لبنان مولودون فيه، ومُنحوا الجنسية على مراحل، بعضهم من خلال»الوساطة«وبعضهم الآخر انتظر حتى العام 1994 تاريخ صدور المرسوم الجمهوري الذي يحمل الرقم 5247 والذي تم بموجبه منح الجنسية اللبنانية لنحو 125 ألف شخص بينهم 10 آلاف كردي، ليبقى عدد قليل منهم دون تجنيس». واستطرد: «هذا الغبن حرم من حملوا هوية قيد الدرس، من الاستفادة من الخدمات التعليمية والضمانات الاجتماعية والدخول إلى وظائف الدولة، لهذا السبب ترتفع نسبة الأمية ومعدّلات البطالة بينهم».

«اندماج الأكراد في المجتمع اللبناني جعل البعض ينسى لغته الأم، ومع ذلك لا يزال القلة منهم يتحدثون الكردية، كل بحسب لهجته سواء الكرمانجية الشمالية أم الكرمانجية الجنوبية أم اللهجة اللورية أم الزازكية عند اجتماع العائلة»، بحسب ما قالت لـ «الراي» فاطمة (37 سنة) المتحدرة من احدى العائلات الكردية العريقة والحاصلة على جنسية لبنانية.

وعما إذا كانت تحلم بالعودة الى كردستان يوماً ما، أجابتْ فاطمة: «كلا، فأنا أشعر بانتمائي الى هذا الوطن الذي وُلدت وترعرت هنا، كما أن زوجي لبناني».

وعن العادات والتقاليد التي توارثتها من عائلتها، قالت: «لا شيء، نلبس ونأكل ونشرب ونتحدث كاللبنانيين، لا بل نحن لبنانيون، فابني مثلاً لا يتقن اللغة الكردية ولا يعرف شيئاً عن القضية، لذلك أعتقد انه مع الوقت سينسى اللبنانيون ان يميّزوا بينهم وبيننا كما نحن فعلنا».

في محل للهواتف يعمل توفيق الذي قال لـ «الراي»: «أنا كردي قبل أن أكون لبنانياً وكيف لي ان أنكر أصلي؟ صحيح ان ثقافتنا لبنانية، لكن الشيء الوحيد الذي يميزنا هو تضامننا مع بعضنا البعض، فأي اشكال يقع مع شخص لا يبقى كردي إلا ويصل في أقل من خمس دقائق ومن جميع المناطق لنصرته».

وعن موقفه مما يتعرض له الأكراد في العراق والمنطقة قال: «أرواحنا لهم، كم اتمنى أن أكون معهم وأدفع حياتي دفاعاً عن كرامتنا وعزتنا التي لا يستطيع أحد انكار تميزنا بها».

أبو ابراهيم (45 عاماً) عاطل عن العمل منذ أعوام بعدما كان يعمل في محل ألمنيوم، لكن إشكاله مع صاحب المعمل دفعه الى ترك «المصلحة» وهو نادم على عدم سفره الى المانيا كغالبية عائلته والاكراد الذين قصدوا دول اوروبا ولا سيما المانيا والسويد، وهو قال لـ «الراي»: «لماذا التفريق بين الكردي واللبناني ونحن نعيش مع بعضنا منذ أعوام؟ نعم ورثتُ اللغة الكردية عن أهلي، لكنني رفضتُ أن أرث قبعة أبي التراثية، ورفضتُ ان ترث شقيقاتي فستان والدتي الاسود التراثي والشال الملوّن على رأسها. نحن نحاول قدر المستطاع الاندماج في المجتمع لكن ما زلت اسمع ان»هذا كردي«. لا ألوم أحداً، فاللبنانبيون يفرّقون بين بعضهم البعض قبل أن يفرقوا بينهم وبيننا». وبحسب هدى (41 عاماً) التي تحدثت لـ «الراي» فان «عيد»نوروز«أو ما يسمى رأس السنة الكردية الجديدة في 21 مارس، وهو العيد القومي الذي يحتفل به الأكراد حول العالم، قد يكون اليوم الوحيد الذي نظهر فيه مختلفين عن المجتمع اللبناني، بالاضافة الى بعض الأكلات التراثية التي ما تزال بعض العائلات تحافظ على طبخها بين الحين والآخر منها فطيرة الجبن التي تتألف من عجينة البيتزا وحشوة تتضمن جبنة وزيتون وبندورة وفليفلة خضراء ودبس الرمان وكمون وليمون، بالاضافة إلى البلوعية التي تتضمن برغل ناعم وبقدونس وبصل أخضر مع صلصة البندورة وبصل وزيت قلي وملح وفلفل أحمر وغيرها من الأكلات، وما عدا ذلك لا يوجد ما يميزنا في وطن ترعرعنا فيه».

من جهته يقول «فقيه»: «انخرط الأكراد في الحياة السياسية اللبنانية فانشأوا في العام 1974 حزب رزكاري وهو من الجبهات اليسارية، وقد شارك في الحرب الأهلية، وحالياً هو مصنف على أنه قريب من فريق 8 آذار»، مضيفاً: «كما يوجد حزب الولاء وهو جديد النشأة وقريب من جمعية المشاريع الاسلامية الأحباش، هذا الى جانب الجمعية الكردية اللبنانية الخيرية التي تأسست عام 1963 لمساعدة الأكراد ثقافياً واجتماعياً،ومجلس الأعيان الكردي».

وبحسب محمود فتاح أحمد رئيس حزب «رزكاري»، فانه «وكما كل المجتمع اللبناني ينقسم الأكراد بين 8 و14 آذار، وقد طالبنا بمقعد في المجلس النيابي أو في المجلس البلدي لبيروت، لكن لبنان 18 طائفة، وقد صُنفنا كسنّة، واستُغلت أصواتنا مع رفض اعطائنا أي مقعد عدا مقعدين اختياريين».

«يتمتع الشعب الكردي الذي يعتنق بأكثريته المذهب السني مع أقلية شيعية بالاضافة الى قلة تتبع الديانة المسيحية أو الزيدية بعزم وكرامة وعزة نفس تُرجمت جميعها على أرض الواقع في كوباني من خلال استبسال الرجال والنساء دفاعاً عن أرضهم وعرضهم في وجه الدولة الاسلامية»، كما قال فتاح لـ «الراي» لافتاً الى انه «على الرغم من أن العدو الأول لغالبيتهم هو تركيا، فانهم انخرطوا قدر المستطاع بما يدور في سورية والعراق منذ هجوم داعش على العراق وسيطرته على الموصل»، مؤكداً أن «عشرات الشباب الكرد قصدوا سورية للوقوف في وجه داعش ومَن استطاع الوصول الى العراق لم يقصر سواء بدعم خاص أم بمساعدة البعض».

Bookmark and Share

comments powered by Disqus