الزعامة الإشتراكية والإمامة وجبهة النصرة

الأنباء 2014/11/05

بيروت ـ د.ناصر زيدان

العواصف السياسية والامنية التي تضرب لبنان منذ فترة، تحمل معها رياحا فيها غبار من النوع الناعم الذي قد يتسلل إلى الأماكن المغلقة، وقد طال الهياج المضطرب زوايا تشكل ركائز أساسية من أعمدة الوطن.

ما كشف عن مخطط ارهابي كان يهدف لزعزعة الاستقرار في طرابلس والشمال، ترافق مع مجموعة من الحملات الإعلامية والإعلانية، تستهدف تشويه العيش المشترك بين اللبنانيين، وبث عناصر الخلاف وايقاد جمر الفتنة النائمة بوسائل متنوعة ومتعددة، منها ما يستهدف تشويه صورة الأديان، ومنها ما يدعو الى التفرقة ضمن الدين الواحد، والهدف دائما تحقيق أغراض فئوية أو شخصية ليست لها علاقة بجوهر التعاليم السماوية الراقية.

بعض مندرجات الهياج المتفلت على شبكات التواصل الاجتماعي الإلكترونية، يطول رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني النائب وليد جنبلاط على خلفية مواقفه الأخيرة، لاسيما منها التي تطول التأكيد على مكانة الدروز المتقدمة في الصفوف الاسلامية، والعودة إلى ممارسة الطقوس الحنيفة التي أوصى بها الأمير السيد عبدالله التنوخي، الخطيب المتميز في الجامع الاموي في دمشق، وأحد اهم المرجعيات عند الدروز في القرن الخامس عشر، وجزء من الحملة كان على خلفية إعلان جنبلاط ان «جبهة النصرة غير ارهابية وان عناصرها مواطنون سوريون يجب ان نعتاد على وضعيتهم الجديدة».

من معالم الحملة التي استهدفت جنبلاط توزيع بيانات سرية مكتوبة، يقف وراءها قلة من المتعصبين الدروز، الذين ترسخت في آذانهم رواسب تركها الاستعمار الغربي لبلادنا، لاسيما سياسة التفرقة التي انتهجها هذا الاستعمار في صفوف المواطنين على خلفيات دينية او عرقية او مذهبية، مغيبا الفكرة القومية العربية الجامعة الى الحدود البعيدة.

ومن شكليات الحملة على السياسة الجنبلاطية التي أكدت على التضامن والحوار بين الفرق الاسلامية ـ خصوصا بين الموحدون الدروز واخوانهم اهل السنة والجماعة ـ كان تركيب رسوم وصور فيها استجماع لملامح شخصية تحمل تناقضات، وفيها دمج غريب وعجيب لمفاهيم مختلفة، ولا يمت لإحداها بأي صلة بالأخرى، وقد كتب تحت احد الصور المركبة لجنبلاط ـ والتي يبدو فيها ملتحيا كمشايخ الدروز الكبار، ومعتمرا الجبة الأزهرية، وخلفه علم جبهة النصرة ـ عبارة قبل اسمه وبعده يستخدمها غالبا المسلمون الشيعة وهي «الامام السيد وليد بيك قدس الله سره».

مصادر مقربة من الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط ترى في حملة التشويش، أو «التشويه» خلفيات لا تنم عن نوايا صادقة، بل العكس، إنها تحمل غرضية فئوية لها اهدافها التي تتماشى مع أهداف الذين يحاولون بشتى السبل توسيع دائرة الحريق في المنطقة، لاسيما إدخال الساحة اللبنانية ـ اكثر مما هو عليه الحال اليوم ـ في دائرة التوتر الطائفي والمذهبي.

وترى هذه المصادر ان الصورة المركبة والموزعة عن جنبلاط، والتي انتشرت على مواقع الكترونية متعددة، تحمل جملة من التناقضات، كما يمكن رؤية وجهها الآخر بموضوعية، وربما تنفع في جمع ما تفرقه حالة الشرذمة في الساحة الاسلامية.

اولا: ليس سرا ان جنبلاط متحمس الى أبعد الحدود لجمع مشهد الفرق الاسلامية في صورة واحدة، وبالتالي فإن جمع لحية الموحدين المسلمين الدروز مع عمامة الجامعة الازهرية مع كلمة «الامام السيد» التي يستحسن استخدامها اتباع الامام علي رضي الله عنه مع شعار الشهادتين، ولو كاريكاتوريا على صورة جنبلاط، هو أمنية له ـ على ما يؤكد هو شخصيا ـ في هذا الزمن الصعب، الذي يهدد وحدة الأمة برمتها، من جراء العواصف العاتية التي تهب من العراق وسورية.

ثانيا: ان وضع علم الشهادتين خلف صورة جنبلاط، وهو الشعار الذي تستخدمه جبهة النصرة في سورية، هو غمز واضح من قناة الموقف الذي اتخذه جنبلاط تجاه جبهة النصرة، حيث أعلن انها ليست منظمة ارهابية، علما ان جنبلاط دان باستمرار كل الأعمال العسكرية التي قامت بها النصرة، لاسيما منها التي استهدفت الجيش اللبناني في عرسال، لكن الحفاظ على الاستقرار اللبناني، وتحييد البلاد عن الحريق السوري، كذلك الحفاظ على حياة العسكريين المختطفين لدى داعش والنصرة، يستوجب تقديم بعض التنازلات، وتغليب لغة الحوار، واعتماد الواقعية، بعيدا عن الشعبوية وعن التعصب المذهبي أو السياسي.

ثالثا: لا يخجل جنبلاط في دعوة الموحدين المسلمين الدروز بالتمسك اكثر من اي وقت مضى بالإسلام الحنيف اقتداء بالسلف الصالح، لاسيما الامير السيد عبدالله التنوخي الذي قال: «احفظوا القرآن ولو تركتم شيئا من الحكمة»، والنائب جنبلاط أوضح موقفه جليا، وفسر أمام اعضاء المجلس المذهبي للطائفة في اجتماعه الذي انعقد برئاسة شيخ العقل نعيم حسن في بيروت مؤخرا، مقاصد عباراته التي قالها في بلدة عين عطا في منطقة راشيا، وقد أثنى على إنشاء كلية التعليم الديني في عبية التي تعتمد سيرة الامير السيد نبراسا لها.

واضح ان التشويش على جنبلاط استنادا الى مواقفه الاخيرة، له اهدافه الفئوية الخاصة، وليس سرا ان هناك من يعمل جاهدا لإغراق الدروز في الحرب مع المعارضة السورية.

واسرائيل حاولت في الماضي، ومازالت تحاول استغلال بعض ضعفاء النفوس من ابناء الطائفة، لإحداث شرخ مع ابناء أمتهم من المسلمين الآخرين، ولكنهم لن ينجحوا، لأن الاغلبية الساحقة من الدروز أعلنت جهارا رفض كل تلك الخطط.

Bookmark and Share

comments powered by Disqus