العبور السوري من لبنان وإليه ... فيلم مأسوي طويل

الراي 2014/11/17

بيروت - من اسامة القادري

ما تفرضه اواصر القربى والمصاهرة بين لبنان وسورية فرّقته سلطات الحدود، اتباعاً لسياسة الحكومة اللبنانية بوقف استقبال المزيد من النازحين (الا الحالات الاستثنائية) بعدما وصل عدد هؤلاء في لبنان الى نحو 1.5 مليون نازح باتوا يشكّلون عبئاً ثقيلاً على البنية الاجتماعية والاقتصادية لـ «بلاد الأرز».

مشهد الازدحام عند نقطة المصنع الحدودية الرسمية مع سورية (البقاع) بات أشبه بمأساة يومية تحاكي فكرة الممثل السوري دريد لحام في فيلم «الحدود» ومعاناة المواطن بحال فقد جواز سفر بلاده، فإذ بهذه النقطة الحدودية تتحوّل «عقاباً» لكل مّن أراد الهرب من آلة القتل، ومحطة لممارسات تبلغ حدّ «الإذلال» في بعض الأحيان بحق المواطن السوري.

يبدأ المشهد من الجهة اللبنانية عند نقطة المغادرة... أعداد من العائلات السورية التي لبّت قرار وزارة الداخلية لتسوية أوضاع النازحين الذين دخلوا لبنان عبر الطرق غير الشرعية، لتفرض التسوية موافقة سلطة الامن العام اللبناني على مغادرة المخالفين من دون دفع غرامات، الا ان المشكلة التي تواجه هذه العائلات تكمن في أن الموافقة تستغرق 12 ساعة واحياناً 18 ساعة لتأتي الموافقة مشروطة بالمغادرة من دون العودة قبل ستة اشهر.

اما صعوداً فيختلف المشهد عن نقطة القدوم، ليشاهد الزائر التبدّل وتَحوُّل الباحة امام المبنى سلسلة من الحواجز الحديد تمنع اقتراب اي مواطن دون اخذ موافقة عنصر يقف عند احدى زوايا هذه الحواجز. وأيّ زائر للمكان يستطيع خلال ساعات ان يسجل جملة من المخالفات بحق كرامات اناس ذنبهم انهم إما هاربون من الموت، او ان الاحداث في سورية فرضت عليهم ان يكون لبنان لهم بلد عبور الى دول اخرى، لتزداد هذه المخالفات اثر قرار الدولة اللبنانية الذي اتخذته بالتضييق على النازحين السوريين ومنع دخول اي نازح جديد عبر المعابر الرسمية البرية، ومنْح جهاز الامن العام صلاحية تنفيذ القرار عند المعابر. الا ان المنْع لم يقتصر على العائلات النازحة فحسب، انما شمل غالبية العابرين ولو كانت وجهتهم لبنان لمجرد الزيارة او للسفر عبر مطار بيروت الدولي، وهو ما ترافق مع استغلال موظّفين لموقعهم عبر ابتزاز سوريين والدفع مقابل السماح لهم بالعبور، ما دام المنع استنسابياً.

تحاول امرأة سبعينية، وبرفقتها فتاتان عشرينياتان، أن تسترضي العنصر لأن يدخلها الى تحت سقف الباحة ليقيها من المطر. وبصوت جهوري صرخ العنصر المناوب ومن دون اي احترام لعمر السيدة قائلاً: «ممنوع انقلعي ارجعي»... عبارة كثيراً ما تُسمع من موظفين عند نقطة المصنع وتوجّه لمواطنين ذنبهم انهم من بلد يعيش حرباً لم توفر شيئاً. وما يبدّل المشهد لدى اي مراقب، ان الموظف ذاته يغيّر نبرته، عندما يسبق العابر شخص يهمس في أذنه ويسلمه ورقة باسم العابرين، فيُدخِلهم مرحّباً بهم.

الانتظار طويل على امل السماح لهم بالعبور او ان تسقط عليهم «وساطة» من «سمسار». بعضهم يستظل بحائط مبنى شيّدته وزارة الشؤون لاستقبال النازحين وما زال مقفلاً، هرباً من المطر والبرد، وآخرون يفتشون عن فسحة في الخلاء لقضاء الحاجة. يبدو واضحاً ان ليس كل المنتظرين نازحين، أو عمالا، فبينهم من هم عابرون ليسافروا عبر مطار بيروت، كون جميع السفارات في سورية اقفلت، وبينهم من هم زوار... ولكن الجميع متساوون في الذل سوى مَن يحمل بهاتفه او بيده رقم واسطة إما من المخابرات السورية، او من ضابط في الامن العام.

وهذا المشهد ازداد منذ ان أعلنت وزارة الداخلية عن قرارها بتسوية اوضاع النازحين، لتقرنه بقرار ان لبنان بلد جوار وليس بلد لجوء. وقد فرضت سياسة التضييق هذه واقعاً غير انساني لأن للبنان خصوصية مختلفة عن بقية جوار الدولة السورية، فالعائلات فيهما متداخلة ومتصاهرة بنسبة عالية، عدا عن المصالح المشتركة بين الافراد، ما يطرح جملة من الاسئلة عن طبيعة هذا القرار وما يخلفه على الزوار السوريين، والعابرين الى المطار.

لم يميّز العنصر بين نازح ورجل أعمال. ويشير ابو محمد الطرابلسي الدمشقي بإصبعه الى كلمة تاجر على جواز سفره، والى أختام دول عربية وأجنبية زارها خلال عاميْن، ويقول: «كل هذا ما شافوه، وما قدّروا اني حامل اقامة مصرية، ولا الحجز عبر مطار بيروت»، ليعود ادراجه الى بلده سورية بعدما أبلغه موظف الامن العام انه ممنوع من دخول الاراضي اللبنانية لمدة شهر، من دون ان يعرف السبب الذي استندوا اليه بالمنع.

«عمر» القادم من دمشق لم يُراعَ انه طالب جامعي ويحمل بيده حجزاً عبر مطار بيروت الى الجزائر. ولانه مضطر الى السفر كي لا تفوته الطائرة، وخوفاً من ان يُصوّر جواز سفره ويُسطر بحقه منع لمدة شهر كما حصل مع الذي قبْله، قبِل بعرض احد السماسرة الذي جرّه الى خارج الباحة، ومقابل 200 دولار اميركي سلّمه جواز السفر ليعود به وبالتأشيرة عليه. وقال: «مضطر عالدفع والا بتفوتني الطائرة، الشكوى لغير الله مذلة».

ما ان قطعت «يافا» (الفلسطينية الاصل) حاجز الامن العام، حتى بدأت بكيل الشتائم الى الدولة اللبنانية ومسؤوليها والاجراءات المتخذة دون مراعاة كرامة الانسان، وقالت: «طائرتي الى اربيل الساعة العاشرة مساء، وعليّ ان أكون قبل ثلاث ساعات في مطار رفيق الحريري، كيف يمكن ان أفسّر انتظاري عشر ساعات للسماح لي بالدخول من الساعة التاسعة صباحاً حتى السابعة مساءً؟ لأنني فلسطينية حقوقي الانسانية مهدورة؟. سؤال غمسته يافا بالعتب على «دولة المقاومة كما يدّعون».

ايضاً ابو احمد الحلبي الثمانيني، يبدو عليه التعب والارهاق، وهو يرتدي عباءة مزّقتها الوحول والنوم بإحدى الزوايا الخارجية لمبنى وزارة الشؤون (المقفل) الذي انشأته خصيصاً لاستقبال النازحين.

ابو أحمد كان ذهب قبل 25 يوماً الى سورية لإنجاز معاملة في احدى الدوائر الرسمية في دمشق، وبعدما انتهى منها عاد الى نقطة المصنع ليدخل الى عائلته واولاده المقيمين في بيروت، فمنعته السلطات اللبنانية من العبور، وقال بغصة وألم: «15 يوما الي هون بالبرد ومو راضيين يدخلوني، ولادي ومرتي بلبنان، وبريف حلب ما بنقدر نرجع بسبب القصف والقتل عالطرقات»،عبارة يسكنها التعب والحزن والامل ان يأتي يوم و»يحس بوجعي احد الموظفين» على حدّ قوله.

لا يعرف امين (لبناني)، بمَن يتصل أو مع مَن يتحدث كي يدخل أبناء خالته الذين مُنعوا من العبور لزيارته ليقوموا بواجب العزاء لخالهم المتوفى حديثاً، وقال: «رغم اني اضطريت اجي من الجنوب الى المصنع، وانتظروا اكثر من 10 ساعات، ما دخلوهم الا بعد ما اتصلت باحد الضباط».

«شهد» السورية الاصل والتي تحمل هوية لبنانية كونها متزوجة من لبناني، تقف امام الاستراحة قبالة مبنى القادمين. وبعد شطب قسيمة شقيقها ورفض ادخاله، استطاعت جعل الموظف يعود عن قراره من خلال اتصال أجرته بضابط في جهاز الامن السوري، وقالت: «بعد ثلاث ساعات انتظار، بمكالمة من ضابط مخابرات سورية مشي الحال».

مصدر في الامن العام، لم ينف عبر «الراي» المشاكل التي نتجت عن قرار الحكومة اللبنانية واستغلال بعض الموظفين لحاجة البعض الى الدخول، وقال: «ايضاً نحن مطالَبون امام السلطة السياسية اللبنانية بخفض عدد العابرين الى لبنان ليصل الى أقل من المغادرين، وهذا ما يتطلب من الضباط والعناصر «غربلة» الوافدين كلٌّ بحسب ما يراه».

واكد المصدر «أن للعنصر الحق في اتخاذ قرار المنع لمجرد الاشتباه بالعابر انه عامل او نازح، او الاشتباه ان بطاقة حجز السفر عبر مطار بيروت، «وهمية»، واضاف من دون ان ينكر ان التشديد في الاجراءات ترافقه مخالفات عند بعض الموظفين: «الموظفون بَشَر في النهاية، وما يُمارس عليهم من ضغط، من العابرين السوريين ونتيجة الازدحام، يفقدهم احياناً القدرة على تمالُك أعصابهم».

اما عن سبب تأخير اعطاء موافقات تسوية لمَن كانت اقامته غير شرعية، فأشار المصدر الى «ان السماح لهم بالمغادرة يحتاج الى موافقة المديرية». وعن مسألة عدم عودة مَن سُويت اوضاعهم قبل ستة اشهر، قال: «هذا يعود لقرار الحكومة اللبنانية الذي اعتبرت فيه ان لبنان ليس بلد لجوء».

وفي ما خص اسباب منع الفلسطينيين السوريين من العبور، قال: «هذا قرار من المدير العام، والعابر الفلسطيني يحتاج الى موافقة من المديرية العامة ما يسبب انتظاراً طويلاً، وقد لا تأتي الموافقة ايجاباً».

Bookmark and Share

comments powered by Disqus