جبل الشيخ بمقلبيْه السوري واللبناني ... «جبل بارود»

الراي 2014/11/15

بيروت - من أسامة القادري

بين ليلة وضحاها غاب الهدوء عن منطقتيْ العرقوب وحاصبيا (جنوب لبنان) ليتحكم فيهما توتر وقلق غير مسبوقين، اثر ما اعلنه إعلام النظام السوري عن سقوط 27 قتيلاً من متطوعي «الدفاع الشعبي» التابع له في القرى ذات الغالبية الدرزية في المقلب السوري من جبل الشيخ في مواجهات مع «جبهة النصرة»، وما تلى ذلك من تهديدات وتصريحات لقياديين في احزاب درزية لأبناء شبعا والجوار (ذات الغالبية السنية) لو استقبلوا اي جرحى من مقاتلي المعارضة السورية، وهو ما استدعى منع الجيش اللبناني (عند معبر الرشاحة في المقلب اللبناني من جبل الشيخ) عبور سبعة جرحى الى بلدة شبعا وإعادتهم الى بيت جن (السورية الحدودية مع لبنان) على ظهور البغال.

ومنذ وقوع المعارك في المقلب السوري من جبل الشيخ المفتوح على بلدة شبعا وقرى العرقوب اللبناني وصولاً الى راشيا بين أبناء قرى عرنة وعين الشعرا وبقعسم وصحنايا ذات الغالبية الدرزية (منضوون ضمن «اللجان الشعبية» و«قوات الدفاع الوطني») ومسلحي «جبهة النصرة» وكتائب إسلامية أخرى في قرية كَفر حَور وعلى محوريْ بيت تيما ـ قلعة جندل والمقروصة ـ حسنو، ساد «حبْس الأنفاس» المقلب اللبناني الذي كان في واجهة الاهتمام قبل اسابيع قليلة من بوابة المخاوف من محاولة مقاتلي «النصرة»، المسيطرين على منطقة القنيطرة السوريّة، دخول لبنان مع حلول فصل الشتاء، عبر منطقة العرقوب - شبعا ومرتفعات كفرشوبا وراشيا الوادي في البقاع الغربي، بحثاً عن منطقة دافئة وآمنة لهم.

فما ان بلغ لبنان معلومات عن المواجهات في سفح جبل الشيخ وسقوط ما لا يقلّ عن 22 درزياً من بلدة عرنة (محافظة ريف دمشق)، تكثفت الاتصالات التي أجرتها قيادات منطقة العرقوب وحاصبيا السياسية وفعالياتها، برئيس الحكومة تمام سلام والنائبة بهية الحريري والزعيم الدرزي النائب وليد جنبلاط في محاولة لاحتواء الوضع وإدخال الجرحى (وهو ما لم يحصل)، فيما أبرزت تصريحات نارية لقيادات حزبية درزية موالية للنظام السوري وما قابلها من «شدّ أعصاب» في القرى ذات الغالبية السنية خشيةً من إدخال المنطقة في اتون صراع اهلي ومذهبي، وهو ما وضع المبادرة التي كان أطلقها الزعيم الدرزي وليد جنبلاط (من المنطقة قبل اسابيع قليلة) لقطع الطريق على اي انجرار لاحتكاكات مذهبية على المحكّ.

واستدعى هذا المناخ من تيار «المستقبل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي» (يترأسه جنبلاط)، والنائب قاسم هاشم (من كتلة الرئيس نبيه بري) استنفاراً لقواهم السياسية والشعبية داخل القرى، فنشطوا في فرض حال من التهدئة بين الاهالي، الا ان هذه الحركة لم تثمر ارتياحاً شعبياً، لصعود اصوات تطالب احزاباً اسلامية مؤيدة للثورة السورية بالتسلح وبإعلان حال طوارئ في المنطقة بحسب ما افصح عنه مصدر حزبي لـ «الراي»، مبرراً «ان هذه المطالب أتت على خلفية اعلان احزاب موالية للنظام السوري عن تسلحها بحجة الامن الذاتي امام عيون الدولة والجيش».

من جهته قال النائب قاسم هاشم لـ «الراي» ان الحديث عن نقل الفتنة الى منطقة العرقوب «غير مسموح به من اي جهة يأتى»، واضاف: «ما يحصل في المقلب السوري يبقى فيه، ولا نقبل اي انعكاسات على المنطقة، وما حصل ما هو الا غيمة صيف وانتهت». الا انه اعرب عن خشيته من انتشار حالة من التسلح بين ابناء قرى العرقوب وحاصبيا وراشيا، بذريعة الامن الذاتي، مطالبا الدولة والجيش القيام بواجباتهم في فرض الامن للجميع.

اما عن موضوع عدم ادخال الجرحى الى شبعا، فأكد هاشم «ان هذا القرار يعود الى موقف الحكومة اللبنانية، التي اقفلت الباب امام استقبال حالات دخول لاراضيها عبر الحدود غير الشرعية سوى لحالات استثنائية لاطفال ونساء وشيوخ جرحى، انما هؤلاء الجرحى مقاتلون، وعدم السماح لهم بالدخول هو خطوة استباقية لرد اي فتنة في المنطقة وللحفاظ عليها، وربما لو أن هناك امكانية لعلاج الجرحى في شبعا او قرى العرقوب، يكون الامر مختلفاً، انما نقلهم الى قرى البقاع يشكل حالة استفزاز في قرى حاصبيا وراشيا الوادي وهذا لن نقبل به. كما ان من غير المسموح استقبال المقاتلين جرحى او غير جرحى، وهذا متفَق عليه بين جميع فعاليات المنطقة».

من جهة اخرى اشارت مصادر في تيار «المستقبل» في منطقة العرقوب الى «ان الوضع ليس مطمئناً، باعتبار انه لم يعد من السهل إقناع الأهالي ان الجيش اللبناني هو حامي الجميع بعد سلسلة من الاحداث كان الجيش فيها متفرجاً ولم يحرك ساكناً كما حصل مثلاً تجاه حادثة عين عطا والتي عُرف مطلقو النار فيها وقاتلوا احد النازحين، وايضاً حادثة شويا والاعتداء على شبان من شبعا، واعتبار الاجهزة الامنية ما حدث في حاصبيا وكتابة شعارات مؤيدة لـ «داعش» عملاً صبيانياً، رغم ان التحقيقات والادلة تؤكد أن من قام بها هم عناصر من الحزب السوري القومي الاجتماعي (الموالي للنظام السوري)».

وأضافت المصادر التي رفضت كشف هويتها: «كل هذه الاحداث التي تمّت للفلفتها وتطويقها حينها، بمساعدة الوزير وائل ابو فاعور ومسؤولي تيار المستقبل، والنائب قاسم هاشم، والجماعة الاسلامية، عادت من جديد الى الواجهة اثر معركة جبل الشيخ في المقلب السوري»، وتابعت: «السلاح الموجود بايدي عناصر حزبية بذريعة الامن الذاتي امام الجيش، ومنْع الاخير ادخال جرحى سوريين للعلاج وضعه موضع الازدواجية في التعاطي بالملفات الداخلية والمسألة السورية، ما يساعد على التوتر ويصعب علينا تهدئة الشارع».

ومن ناحية اخرى اعلن مسؤول «الجماعة الاسلامية» في شبعا محمد الجرار ان اجتماعاً حصل بين قيادات في «المستقبل» و«الجماعة» و«الحزب التقدمي الاشتراكي» وفعاليات ورؤساء بلديات واتحاد بلديات، في مركز «الاشتراكي» اسفر عن التشديد على دور الدولة اللبنانية، ونبذ الامن الذاتي الذي يتذرع فيه البعض. واعتبر المجتمعون «ان قضية الجرحى هي قضية انسانية، لا يُسمح بأن تكون وسيلة ضغط او ان يسأل الجريح عن هويته السياسية كي يتم علاجه»، مشددين على «ضرورة الحفاظ على الوحدة الوطنية، والعيش المشترك ونبذ اي فتنة تلوح على المنطقة».

ورداً على مواقف للوزير السابق وئام وهاب (القريب من النظام السوري) تحدّث فيها عن «بعض البقايا في منطقة شبعا من الإخوان المنافقين الذين يدعون أنفسهم «الإخوان المسلمين» ويحاولون إدخال المنطقة في اللعبة السورية عبر إدخال بعض الجرحى أو تهريب بعض المقاتلين»، قال الجرار: «نحن نراهن على العقلاء بالطائفة الدرزية الكريمة، وتحديد العقلاء في حزبيْ الاشتراكي و«الديموقراطي» (النائب طلال ارسلان)، ونقول للجميع ان شبعا لم ولن تكون ممراً او مقراً لأي شخص يحمل نيات سيئة للبنان أو لأهالي المنطقة».من جهة أخرى حاولت أوساط سياسية قريبة من «حزب الله» والنظام السوري، ان تبرّر الموقف التصعيدي لوهاب واضعة اياه في خانة «الامن الاستباقي»، ومعتبرة ان ما حصل في قرى عرنة وبيت جن، يفرض واقعاً «لحماية المنطقة من تمدُّد «القاعدة» باتجاه القرى الدرزية السورية واللبنانية وكي لا يتحول الدروز في المنطقة الى ازيديي ومسيحيي العراق الذين دفعوا ثمن سياسة الحياد التي اتبعوها في الموصل».

كما حذرت الاوساط نفسها من وجود دعم اسرائيلي لتمدُّد «النصرة» التي تحولت اكبر فصيل في تلك البقعة، كاشفين «أن في منطقة العرقوب خلايا نائمة، تابعة للنصرة موزعة في اكثر من قرية».

اما في المقلب السوري، فقد نفت مصادر من المعارضة السورية في بيت جن ان تكون هي مَن انقضّ على بلدة عرنة، وقالت: «ان سرايا الدفاع، المنضوي فيها شبان من القرى الدرزية وجماعة (الوزير السابق) وئام وهاب التابعة للنظام هم من قاموا بهجوم على بلدة بيت جن، في عملية عسكرية ضخمة، آزرتهم فيها مدفعية النظام، ونحن كنا في حالة دفاع وليس هجوما، والدليل انهم اليوم يفاوضون معنا لتسليمهم جثث قتلاهم، ما يسقط ادعاءات البعض اننا نحن من قام بالهجوم، وبطبيعة الحال سقط منا عدد من الشهداء والجرحى، وهم ايضاً كانت خسائرهم كبيرة».

ورفضت المصادر نفسها الحديث عن أبعاد طائفية للمعركة، وقالت: «هذه قرى سورية يسيطر عليها النظام، مثلها مثل اي قرية او مدينة تدور معارك للسيطرة عليها. وماذا يقولون عن البراميل التي تسقط فوق رؤوس اهلنا في قرى سنية وتحدث فيها مجازر بالعشرات؟»، معتبراً «ان الجيش اللبناني بقراره منع دخول جرحانا يعلن نفسه طرفاً، ويتصرف بما يمليه عليه حزب ايران».

Bookmark and Share

comments powered by Disqus