سلامة الغذاء: الاعتبارات الصحية والاعتبارات السياسية

الأنباء 2014/11/17

بيروت ـ د.ناصر زيدان

أحدثت الاجراءات التي اتخذها وزير الصحة وائل ابوفاعور ضجّة غير مسبوقة في الأوساط السياسية والشعبية في لبنان، ذلك أن الإعلان في وسائل الإعلام عن أسماء 41 مؤسسة تخالف شروط السلامة الصحية، منها تجارية ومنها مطاعم ذات شهرة عالية، يعتبر سابقة لم يقدم عليها وزير آخر، لأن الترابط المصلحي بين أصحاب المؤسسات والوسط السياسي قائم من زمن بعيد، وأصحاب الاستثمارات التجارية والسياحية، لهم مكانتهم المتقدمة من حيث القدرة على التأثير على السياق السياسي العام، وهذا بالتأكيد ليس تقليدا لبنانيا فقط بل ان معظم الدول تعاني من هذا الترابط الذي يصل الى حد تكوين «لوبي» يدافع عن مصالح هؤلاء، وغالبا تكون وسائل الدفاع لديهم اعتماد أساليب غير مشروعة.

حظيت خطوة أبوفاعور بتأييد قل نظيره، نظرا لتكاثر حالات الأمراض المرتبطة بسوء التغذية، ولأن المواد الغذائية في لبنان مرتفعة الأسعار، كونها تحترم معايير النوعية، على ما يقوله التجار.

والتأييد جاء من الأوساط السياسية وفي المقدمة من رئيس الحكومة تمام سلام، ومن رئيس اللقاء الديموقراطي وليد جنبلاط ومن رئيس لجنة الصحة في البرلمان الطبيب عاطف مجدلاني، ومن وزراء ونواب آخرين، اضافة الى ممثلي بعض الأحزاب وقوى المجتمع المدني.

بالمقابل واجهت الحملة اعتراضات من بعض الوزراء، لاسيما وزيري الاقتصاد والسياحة، ومن ممثلي أصحاب المطاعم والتجار، وهذا طبيعي لكون الارتدادات الهائلة التي أحدثتها الخطوة، انعكست سلبا على مصالحهم.

لموضوع سلامة الغذاء في لبنان حكايات طويلة، فبين الحين والآخر يُفتح الملف من خلال تسريبات إعلامية، أو من جراء حالات تسمم تحدث، وفي بعض المرات القليلة من خلال أجهزة الرقابة، رغم ان هذه الأجهزة تتمتع بصلاحيات واسعة، بصرف النظر عن عدم وجود قانون لسلامة الغذاء حتى الآن، ومشروع قانون سلامة الغذاء استردته الحكومة من المجلس النيابي في العام 2006، لإجراء بعض التعديلات عليه، ولم يعود الى المجلس حتى الآن، وهذه بالتأكيد مسؤولية كل القوى السياسية الممثلة بالحكومة.

وزارة الصحة تضطلع بالدور الأساسي في الحفاظ على الأمن الصحي، وبالتالي مراقبة سلامة الغذاء، ولكنها ليست الوحيدة المخولة هذه المهمة، فلوزارة الاقتصاد دور من خلال مصلحة حماية المستهلك، ولوزارة السياحة دور أيضا من خلال صلاحيتها في مراقبة المطاعم، كما ان لوزارة الزراعة، ولمديرية الجمارك دور أساسي في مراقبة المستوردات من خارج الحدود.

ناهيك عن المعايير التي تفرضها وزارة الصناعة عند إنشاء أي مؤسسة صناعية، تعمل على إنتاج المواد الغذائية وتعليبها.

في 10 مارس 2012 نقلت وسائل الإعلام اللبنانية مشاهد غير طبيعية عن مستودع لحوم فاسدة في بيروت، وقد وضعت النيابة العامة اليد على الملف، وأوقفت 8 أشخاص على علاقة، من بينهم صاحب المواد، وقد أفرج عنهم بعد مدة التوقيف، وربما كانت الغرامة غير كافية، أو لا تتلاءم مع حجم الجرم لعدم وجود قانون واضح يتعلق بحماية سلامة الغذاء.

حملة وزارة الصحة العامة التي أطلقها أبوفاعور هذه المرة كانت مدروسة، وتتم عن إرادة قوية، وتعتمد شفافية لا يمكن التشويش عليها، بحيث ان التفتيش طال أكثر من 1500 مؤسسة من كل المناطق اللبنانية، وهي مستمرة، وقد أعلنت نتائج قسم كبير منها، ومازال جزء من النتائج لم يُعلن، بانتظار استكمال التحليلات، ولعل أهم ما في الاجراءات الرقابية المنفذة، كان اعتماد معايير علمية، صادرة عن المختبرات الرسمية، وقد أعلنت النتائج محددة لناحية تسمية الصنف غير المُطابق، وليس كل المواد الأخرى التي تبيعها المؤسسة، ذلك حماية لسمعة المؤسسات ومنها عريقة في عملها، ومشهود لها بنظافتها، وقد يكون الخلل ناتجا عن تقصير في الرقابة الذاتية داخل المؤسسة، وليس عن قصد، أو بنية إجرامية، ولكن الاعتبار الصحية لا تسمح بالمزيد من التعاطي الديبلوماسي في هذا الأمر.

بالمقابل فإن الاعتراضات على حملة أبوفاعور قد تجد بعض الآذان الصاغية، لأن المصالح المالية مترابطة، كما ان الأهداف السياسية، قد تتعارض أحيانا مع مُطلقي حملة التطهير، وقد تتطابق مع خلفية بعض أصحاب المؤسسات.

ولكن المعادلة التي يطرحها معارضو الحملة، غير موفقة بالمطلق، فاعتبار خطوة أبوفاعور تضر بالحركة الاقتصادية، وتؤثر سلبا على الحركة السياحية، فرضية غير واقعية، ذلك ان صحة الناس تتقدم على ما عداها من الأولويات، نظرا لأهميتها الديموغراسوسيالية، واستنادا الى نتائج كلفتها المالية أيضا، والاقتصاد والحركة السياحية الذين يعانيان من الركود، قد ينتعشان من جراء عمليات الثقة التي تولّدها الحركة الرقابية على المدى الطويل.

خطوة وزارة الصحة مغامرة في غابة متفلّتة، وعادة ما تكون مثل هذه الخطوات مكلفة في معظم الدول، ولكن مقابلة الوزير الشاب عن قُرب توحي بأن هناك تصميما على متابعة الخطوة الى النهاية، ولن تحدث مساومات أو مراعاة متبادلة، تُجهض المبادرة، وتصميم الوزير ناتج عن قناعة شخصية بأهمية الملف، وعن التزام بتوجهات سياسية تعطي الأولوية للانضباط العام، ولاسيما في المجال الصحي، قبل أي اعتبار آخر.

فالاعتبارات الأمنية والصحية شيء، والاعتبارات السياسية شيء آخر.

Bookmark and Share

comments powered by Disqus