حمادة أمام المحكمة الدولية: السوريون حكموا لبنان بحلفائهم والأجهزة

الحياة 2014/11/18

بدأت غرفة الدرجة الأولى في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في شأن قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه عام 2005، مرحلة الاستماع إلى مجموعة من السياسيين البارزين والصحافيين والمستشارين المقرّبين من الحريري وأشخاص كان يأتمنهم على أسراره.

افتتحت هذه المرحلة أمس بالاستماع إلى النائب مروان حمادة، الذي سيواصل الإدلاء بشهادته حتى يوم الخميس لتعود وتُستأنف مع شهود آخرين في الثامن والتاسع والعاشر من شهر كانون الأول (ديسمبر) المقبل.

واستهل القاضي ديفيد راي الجلسة باعتبار أن «أدلة حمادة قد تحدد الدافع غير الشخصي للمتّهمين لارتكابهم الاعتداء». وقال إن حمادة كان مقرباً من الحريري وكان وزيراً وشارك في الكثير من الأحداث التي وقعت في ذلك الوقت ويمكنه توضيح الأدلة، وهذا يتضمن أيضاً مضمون الاجتماعات ما بين الحريري ومسؤولين سوريين، وما يساعد أيضاً في تفسير الظروف التي أدت إلى اغتيال الحريري، وعلى رغم أن هذه الأدلة هي ذات قيمة ثبوتية أولية وذات صلة تقر الغرفة بأن بعض جوانب هذه الأدلة يمكن أن تكون غير ذات صلة أو غير ذات قيمة ثبوتية بشكل خاص».

وشدد راي على أن الغرفة لا ترى الآن أنها يمكن أن تستبعد هذه الأدلة في هذه المرحلة، ويمكن هذه الادلة أن تكون ذات قيمة ثبوتية وذات صلة في وقت لاحق. وقال إنه «خلال تقويمنا الأدلة في الوقت الملائم،وفي إطار نظرنا إلى هذه الأدلة مع مجموعة أدلة معروضة على الغرفة، فإن الغرفة ستعطيها الحجم الملائم، وربما هذه الأدلة لن يكون لديها أي حجم وستكون قيمتها الثبوتية ضئيلة أو من دون صلة، كما أنها قد تعتبر ضمن أدلة نفي التهمة، وربما قد تستعمل لتبرئة شخص متّهم».

وبعدها بدأت الغرفة الاستماع إلى حمادة بعدما تلا اليمين الرسمية لقول الحق. واستعمت الغرفة الى بيانات شخصية وإلى التاريخ السياسي للنائب حمادة والعلاقة مع الرئيس الحريري.

وخصصت الجلسة لأسئلة وكيل الادعاء غرايم كاميرون الذي استهلها بسؤال حمادة عن حياته المهنية كصحافي والسياسية التي بدأها عملياً عام 1977 بالانضمام الى كتلة وليد جنبلاط بعد اغتيال كمال جنبلاط (الذي اصبح ثابتا الان انه اغتيل من قبل عناصر سوريين).

وتحدث حمادة عن اتفاق الطائف، وقال: «في العام 88 تم الاتفاق بين المشرعين اللبنانيين على حل للأزمة اللبنانية برعاية سعودية مغربية جزائرية (لجنة ثلاثية) وبالتعاون مع الجمهورية العربية السورية. نص اتفاق الطائف كان موضع اخذ ورد طويل مع دمشق وبين دمشق والرياض والاطراف اللبنانية وايضا الدول الاجنبية الراعية. ووضع اتفاق الطائف خطتين لاعادة السلام الى لبنان، وقد سماه المرحوم رئيس الطائفة الشيعية آنذاك الشيخ محمد مهدي شمس الدين «اتفاق الضرورة».

وسأل كاميرون: عملت مع الحريري على المستوى المهني؟

حمادة: «عملت معه في مناسبات عدة وبدأت هذه العلاقة من العام 1982 حين كان الحريري يبذل الكثير من الجهود من اجل التوصل الى حل بين الاطراف المتنازعة لاحلال السلام في لبنان وكنت على علاقة معه كما وليد جنبلاط واشتركنا معه في اجتماعات لوزان وجنيف ودمشق والاتفاق الثلاثي».

وعرض كاميرون اتفاق الطائف وقرأ المقدمة باعتباره وضع حداً للأزمة اللبنانية. وسأله اذا كان نائباً آنذاك.

ورد حمادة: «لم اكن نائباً، ولكني اشتركت مرات مع الرئيس الحريري في كتابة وصوغ مسودات النصوص التي اصبحت لاحقاً اتفاق الطائف».

واوضح حمادة ان «الطائف يشمل امرين، الاول الاصلاحات الدستورية التي اقرها مجلس النواب بعد الطائف، والقسم المتعلق بالوسائل الآيلة الى بسط سيادة الدولة، الانتخابات والمؤسسات والانسحاب التدريجي للجيش السوري في مهل حددها الطائف ووضع المهمات على قوى الامن الداخلي بانتظار تسليح الجيش، ووضع مهمات للجيش السوري في المساعدة على حل الميليشيات وترك الدولة هي السلطة الوحيدة، وبالتالي ان تعمل مؤسسات الدولة على تطبيق قانون اننتخاب عصري واعطاء صلاحيات أقل لرئيس الجمهورية التي نقل بعضها الى مجلس الوزراء». وأكد ان اتفاق الطائف يركز على ان المناصفة هي صفة مؤكدة لطمأنة فريق من اللبنانيين.

وأكد ان الحريري حاول ان ينتقل الى تطبيق بنود الطائف، بدءا من بنود قريبة المنال وبعدها بنود موضوعة للمستقبل كمجلس الشيوخ والنظام اللاطائفي وبناء ادارة تعتمد الكفاءة فلا تبقى المناصفة الا في وظائف الفئة الاولى في الادارات والمؤسسات العامة. وقال ان «هناك فرقاء كثراً في لبنان اتهموا الفرقاء الآخرين بالانتقائية وهذا ما جعل الوصاية السورية على لبنان تستمر بتزايد وليس بتناقص كما اراد الطائف».

 

معاهدة الأخوة والتنسيق

وبعد الاستراحة استأنفت المحكمة الاستماع إلى حمادة، وقبل التطرق إلى معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق بين سورية ولبنان، لفت حمادة ردا على سؤال من القاضية ميشلين بريدي، إلى أن «الاتفاق كان خطوة اولى في اتجاه تخفيف الوطأة القوية على لبنان تلازماً مع وقف الحرب الاهلية التي كان يستفيد منها كل الاطراف المتنازعين على الصعيد العربي والدولي، عشنا جزءاً من الحرب الباردة بشكل عام. وفي الاتفاق نفسه كانت النية وضع اللبنة الاولى لانسحاب كل القوى الاجنبية من لبنان طالما أن الاحتلال الاسرائيلي كان قائماً ولم نكن نضع في المساواة أبدا الاحتلال الاسرائيلي مع الوجود السوري».

وأوضح: « أخذ البحث في الشق العسكري من الاتِّفاق وقتا طويلا بين الرئيس الراحل حافظ الاسد وبين وزير خارجية المملكة العربية السعودية الامير سعود الفيصل وبين السيد الاخضر الابراهيمي الذي كانت مناطة به مهمة التوسط في الموضوع اللبناني- السوري».

وقال: «كان إصرار حافظ الاسد على عدم حسم الانسحاب الفوري للقوات السورية بحجة أن اسرائيل لا تزال تحتل، وهذه الحجة كانت سبباً وجيهاً اخذناه بعين الاعتبار. وكان أصر على أن يكون الانسحاب على مرحلتين الاولى هي اعادة انتشار سيكون إلى البقاع مع الابقاء على مثلث حمّانا والمديرج وعين دارة لأن هذا سيفسر أموراً عديدة لاحقاً، لأن الرئيس الاسد تحجَّج بأنه يريد إبقاء عين على الجبل الماروني وعين أخرى على الجبل الدرزي لمنع التقسيم».

وقال إن «الاخذ والرد والتأخر في بت الاتفاق كان ينتظر أن يقبل حافظ الاسد بدفعة إلى الوراء بالقدر الممكن وهذا ما حصل عليه الامير سعود الفيصل واتُفق على هذا السيناريو، المرحلة الاولى البقاع والثانية بعد سنتين إلى سورية على أن توقع اتفاقات جزئية للدفاع عن دمشق ومداخل سورية بين القيادتين اللبنانية والسورية وهذا هو العقل الذي ساد اتفاقية التعاون والتنسيق لاحقا». وبعدما شرح حمادة صلاحيات رئيس الجمهورية في الدستور الجديد أكد أنه «لم يحترم السوريون أي بند من بنود الطائف». ولفت إلى أنه «نحن اليوم بعد عقود من اتفاق الطائف تتحدث حكوماتنا عن خطط أمنية ولم تُطبق لا خلال سنة ولا خلال 25 سنة خطة أمنية تؤمن حل الميليشيات وبسط سيادة الدولة».

 

الخلاف على حل الميليشيات

وقال: «في موضوع الميليشيات بدأت بوادر الخلاف الذي سيتطور لاحقاً، ويومها لم يكن خلافاً فحللنا ميليشيا الحزب التقدمي الاشتراكي (جيش التحرير الشعبي) والقوات اللبنانية وحركة أمل، وجمعنا أسلحتهم وأعيدت إما للجيش وإما لمصادرها عند سورية وحتى عند روسيا». وزاد: «بقيت ميليشيا واحدة هي ميليشيا حزب الله ويومها كان الاتّفاق على أنه طالما هناك احتلال لقسم من جنوب لبنان كان لا بد من أن يعترف باستمرار المقاومة اللبنانية إلى جانب الجهود اللبنانية الرسمية لتطبيق قرار مجلس الامن وبالتالي غضضنا النظر بكل إرادة وطيب نيّة عن هذه القوى التي كانت تقوم بعمل مقاوم ومشكور في الجنوب».

وأضاف «هذا البند في الاتفاق لا يزال اليوم موضع نقاش طويل وربما موضع تفجير للحال اللبنانية وربما كان في مرحلة من المراحل سبباً قد تبيّنون أنتم، فأنا لست محققاً ولا خبيراً، أنه كان له دور أيضاً في ارتكاب جرائم طاولت اناسا كانوا على ثقة بأنه لا بد من تطبيق هذا البند عندما، في 25 أيار/ مايو عام 2000 وهو يوم مجيد، انسحبت القوات الاسرائيلية من لبنان ومع الامم المتحدة رسم خط أزرق وعدنا إلى الحدود التي كانت تقريباً حدود اتفاقية الهدنة لعام 1949».

وسأل كاميرون عن بسط السيادة اللبنانية، فقال حمادة: «كان الهدف ترجمة اتفاق الطائف بشكل فعلي، تشكيل حكومة الوفاق الوطني وانتخاب رئيس الجمهورية، فانتخب رئيسان، بعد اغتيال احدهم، وكان من المفترض وضع خطة امنية لبسط سلطة الدولة على كل الاراضي اللبنانية، وصدقنا كل هذه الشروط عن الجانب اللبناني ولم يحترم الجانب السوري اي بند وفقا لذرائع مختلفة. كنت عضوا في الحكومة وكان نقاش دائم حول حدود تدخل سورية في نطاق واسع او محدد لتحقيق الوفاق الوطني بين اللبنانيين، ومن ثم يغادرون لبنان. لماذا اتحدث عن هذه الفترة، لان هذه هي قواعد النزاع وبرأيي أدت الى اغتيال الرئيس الحريري، واعتقد ان هذا الموضوع له صلة بالاغتيال». واشار كاميرون الى التوقيع على معاهدة الاخوة في دمشق في 22 ايار 1990، بعد الطائف، وكان الموقّعان الاساسيان الياس الهرواي عن الجمهورية اللبنانية وحافظ الاسد عن الجمهورية السورية. وسأل: هل انت بصفتك وزيرا في تلك الحقبة كان لك دور في تلك المناقشات التي ادت الر المعاهدة؟

اجاب حمادة: «رئيس الوزراء آنذاك لم يكن رفيق الحريري بل عمر كرامي. الحريري ورث هذه المعاهدة، وكنا جزءا من حكومة الوحدة الوطنية التي نص عليها الطائف».

ولفت حمادة إلى أنه «في نص المعاهدة إشارة إلى الاجراءات التي يجب أن تتخذها كل دولة والهدف التوضيح والتفريق بين النظام الرئاسي- الدكتاتوري في سورية والنظام العادي للمؤسسات في لبنان، فلا يمكن رئيسي البلدين اتخاذ القرارات، وتحديدا المجلس الاعلى، فأي قرار يمكن رئيس المجلس اتخاذه يمكن أن يعارضه الرئيس الاسد من دون العودة إلى أي شخص بينما من الجانب اللبناني هناك اجراءات عادية يجب اتباعها عبر مختلف المؤسسات». وقال: «المقربون من حافظ الاسد يسيطرون على الموارد الاقتصادية والمالية في لبنان وإذا نظرتَ إلى رئاسة الحكومة والوكالات الامنية في البلاد ورئاسة الدولة ما بين البلدين تحديدا يمكن أن تدرك أن تطبيق هذه المعاهدة كان ضمن إطار مختلف المؤسسات الامنية ولكن هذه المعاهدة شُوهت وأدت إلى اختراق كل المؤسسات الامنية اللبنانية ما أثّر على الحياة العامة في لبنان وكان الهدف هو تقريب وجهات النظر بين البلدين وتم تشويه هذه المعاهدة ما أدى إلى التدخّل لا بل الهيمنة السورية من خلال المفوض الاعلى السامي في عنجر غازي كنعان ومن ثم رستم غزالي وكان كل شيء يمر عبر هذه القنوات».

وأشار إلى أنه في السنوات الاخيرة من حياة حافظ الاسد كان يعاني من اللوكيميا وكان ابنه والمجوعة المحيطة يتخذون قرارت في شأن الملف اللبنان وكانوا يميلون إلى السيطرة على كل القرارات السياسية والخيارات العسكرية والامنية لا بل حتى للسيطرة على الموارد الاقتصادية والمالية اللبنانية من خلال إجراءات اتّخذوها في ذلك الوقت».

وذكر أنه «كان علينا أن نسافر من دمشق إلى أوروبا لأن مطار بيروت كان مغلقا بسبب الاحداث والنزاعات المسلحة وعندما كنا نطير من مطار دمشق ونصل إلى علو 27 ألف قدم كان يقول الحريري إنه يمكننا أن نتحدث الان بحرية وبأمان».

وأضاف: «بعد خروج الهرواي من الحكم أُخرج الحريري حتى تسيطر سورية بشكل كامل».

وقال: «عندما انتهينا من مؤتمر مدريد وطرح موضوع المحادثات الثنائية بينن لبنان واسرائيل وسورية واسرائيل جاء نفي قاطع وفيتو قاطع لإقدام لبنان على أي من هذه المفاوضات إلا بعد انتهاء النظام السوري منها».

وزاد: «عندما ورث بشار كان هناك الكثير من الوعود أو الآمال بأن تخطو سورية خطوات في اتجاه انفتاح معين، نوع من ليبيرالية في النظام الداخلي لسورية وفي علاقات سورية العامة وما شهدناه كان عكس ذلك، فزادت القبضة على النظام اللبناني عبر اميل لحود والاجهزة الامنية وحوصر رفيق الحريري على رغم تشكيله حكومة أولى عام 2000 ثم حكومة ثانية عام 2003، وفرضت عليه تعديلات وزارية بالأسماء لكي تبقى أكثرية المجلس الوزاري في يد الاجهزة السورية وقبضتها».

ولفت إلى أن «الحريري كان شخصاً تساوره آمال كبيرة بالنسبة إلى لبنان وآمال معمّقة، وترجم ذلك في خطة عملاقة للتنمية وإعادة الاعمال وتحديداً لمدينة دمرت خلال الحرب الاهلية وواجه مشاكل كبيرة لتمويل عملية إعادة الاعمار».

ووصف حمادة الحريري بـ «انه كان رجل تسوية ولم يكن رجل مواجهة وصدام، وكان يتحلى بمبادئ، وما كان ليستسلم للمسائل الكبرى بسهولة. كان الحريري يأمل في مساعدة سورية كي تتحرر اقتصاديا وتنفتح على المنظمات الاقتصادية العالمية لكن النظام السوري رفض ذلك».

وأضاف: «ما لاحظناه نشوء مناخ جديد، خصوصا بعد عام 2000 وظهر ذلك جليا وبشكل أكبر مع اقتراب إعادة انتخاب اميل لحود، فشعرنا أن أحدا ما عاد يهتم بمسألة سيادة وازدهار لبنان وما كان يهمهم فقط الابقاء على النفوذ السوري وترجمة ذلك داخليا من خلال تزايد نفوذ وتأثير ميليشيا حزب الله».

وأضاف: «عام 2003 أجبر الحريري على إعادة تشكيل حكومته وإخراج باسل فليحان مع وزراء آخرين وضم وزراء يدعمون سورية إلى الحكومة الجديدة بما يمنح سورية سيطرة كاملة على الحكومة بأكثرية الثلثين وهذا كان بداية المرحلة التي بدأت في أواخر عام 2004 وإعادة انتخاب لحود».

وأضاف: «في عام 2001 كانت هناك مصالحة في جبل لبنان بين الدروز والموارنة تحديداً، وذلك تحت رعاية البطريرك صفير ووليد جنبلاط وتوجه البطريرك إلى القرى واستقبل بحفاوة وهذا أدى إلى عودة المهجرين إلى تلك القرى».

وقال: «لكن سورية وحلفاءها الامنيين في لبنان، أعني مخابرات الجيش والمديرية العامة للامن العام، لم يعجبهما ذلك، فما حصل في اليوم الاخير من المصالحة كان وجود تظاهرة مسيحية في قرية الكحالة ترحب بالبطريرك وأصوات تتعالى تطالب بخروج سورية وتم توقيف بعض الشبان في تلك التظاهرة. وفي تلك الفترة أوقف الجيش الشباب وأخذهم إلى بيروت وفي 7 و 8 آب/ أغسطس عام 2001 نزل متظاهرون مسيحيون إلى الشارع للتظاهر أمام قصر العدل والمديرية العامة للامن العام فكانت النتيجة أنهم تلقوا الضرب بطريقة وحشية من قوات الامن، ومن الواضح أنهم كانوا يريدون إفشال هذه المصالحة التي كانت تنشر مناخا جديدا من الوفاق في البلاد وآمال جديدة». وقال: «المؤسستان كانتا تحت النفوذ السوري بالكامل».

Bookmark and Share

comments powered by Disqus