حركة ديبلوماسية روسية - فرنسية في بيروت تواكب التحضيرات لحوار «المستقبل» - «حزب الله»

الراي 2014/12/07

لم يحجب الواقع الخطر الناجم عن التأزم غير المسبوق في ملف العسكريين اللبنانيين المخطوفين لدى «داعش» و«النصرة»، الاهتمام بالحركة الديبلوماسية اللافتة والكثيفة في اتجاه بيروت بالتزامن مع التحضيرات لحوار داخلي بين «تيار المستقبل» و«حزب الله»، وهو ما أنعش الآمال في إمكان تعزيز عملية عزل الداخل اللبناني وما أمكن من أزماته عن عواصف المنطقة وحرائقها.

فلم تكد ان تقلع طائرة نائب وزير الخارجية الروسية ميخائيل بوغدانوف بعد زيارة استمرت ليومين لبيروت، تستعد العاصمة اللبنانية لهبوط طائرة مدير قسم الشرق الاوسط في الخارجية الفرنسية جان فرنسوا جيرو، الذي يبدأ غداً زيارة لبيروت تستمر يومين، اضافة الى زيارة مماثلة تقوم بها مطلع الاسبوع مسؤولة السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الاوروبي فيديريكا موغريني.

رغم الاعتقاد السائد في بيروت بأن الوقائع السياسية في الداخل والخارج لم تنضج الى الحد الذي يسمح بـ «الإفراج» عن الانتخابات الرئاسية في لبنان، فإن الحراك الذي يتم وبالتوازي على المسارين الداخلي والخارجي في اتجاه كسر المأزق السياسي - الدستوري يؤشر الى محاولات جدية من الصعب الحكم على نتائجها من الآن، خصوصاً مع استمرار التنافر في الخيارات السعودية - الإيرانية على مستوى الإقليم برمّته.

ورأت أوساط واسعة الاطلاع في بيروت عبر «الراي» انه رغم انسداد الأفق الذي يرجح استمرار الفراغ في رئاسة الجمهورية، الذي مضى عليه نحو ستة اشهر، فإنه لا يمكن التقليل من أهمية عاملين هما: الحوار المرتقب بين العيدين على الأرجح (الميلاد و رأس السنة) بين «تيار المستقبل» و«حزب الله»، والاندفاعة الديبلوماسية الخارجية في اتجاه لبنان، ومن أطراف قادرة على التأثير في مجريات الأحداث فيه، كروسيا وفرنسا.

واللافت في هذا الاطار ان رئيس البرلمان نبيه بري باشر الإعداد للطاولة ولأوراق سيتم التفاهم عليها ايذاناً ببدء الجولة الأولى من الحوار بين القوتين السنية والشيعية الأبرز في البلاد، اللتين تشكلان قاطرتيْ «14 و8 اذار»، اي «تيار المستقبل» و«حزب الله»، وهو الحوار الذي يجمع «الجميع» على أهميته من جهة وعلى انه لن يصل الى نتائج سريعة وحاسمة من جهة اخرى.

وتزامن «المناخ الإيجابي» في بيروت مع جولة «واسعة النطاق» من المحادثات أجراها بوغدانوف لمدة يومين التقى خلالها نحو 21 شخصية من الأطياف السياسية المختلفة، في الوقت الذي يصل الى لبنان غداً جيرو الذي سيلتقي بدوره مروحة واسعة من الشخصيات السياسية والروحية في مهمة تتصل بأزمة الرئاسة في لبنان.

وعلى قاعدة «الأوعية المتصلة» بين الداخل والخارج، أعربت دوائر مراقبة في بيروت عن اعتقادها ان الحوار بين «تيار المستقبل» و«حزب الله»، وبغض النظر عن جدول أعماله، سيكون اشبه بـ «تمرين حواري» لترتيب المسرح الداخلي في انتظار اللحظة الإقليمية المواتية التي تسمح بـ «تثمير» هذا الحوار وتمكينه من الوصول الى نتائج فعلية ترتبط بكسر المأزق الدستوري والسياسي في البلاد.

وقالت اوساط واسعة الاطلاع لـ «الراي» ان هذا الحوار لا يعدو كونه في مراحله الاولى اكثر من تعبير عن «حسن نيات» متبادلة حيال الجلوس معاً (تيار المستقبل وحزب الله) من جهة وحاجة الطرفين لمثل هذا الحوار لاعتبارات تخص كل طرف، لكن من دون أوهام كبيرة في إمكان تحقيق اختراق في الملفات التي لا مناص من التصدي لها.

وتحدثت هذه الأوساط عن إدراك الجميع في بيروت ان اللحظة الإقليمية لم تحن بعد لجعل حوار «حزب الله» و «تيار المستقبل» منتجاً، لكنه يشكل الأرضية الضرورية لملاقاة اي متغيرات اقليمية يمكن ان يفيد منها لبنان، ولاسيما تلك التي ترتبط بمجريات العلاقة المعقدة بين الرياض وطهران، كونها «حجر الزاوية» في الملفات الإقليمية على اختلافها.

ولم تستبعد الأوساط عينها ان ترسم «الطاولة» بين «تيار المستقبل» و«حزب الله» عندما يحين الوقت لوحة التوازنات الجديدة في البلاد، ومن بوابة الملفات الثلاثة البالغة الحساسية المطروحة وهي رئاسة الجمهورية، قانون الانتخاب وحكومة العهد الجديد، وربما لهذا السبب تتم مقاربة هذا «الحوار الثنائي» من حلفاء الطرفين، ولاسيما المسيحيين بحذر يترافق مع دعوات لحوار مسيحي - مسيحي بين الخصوم.

ولاحظت تلك الأوساط ان الرهان على حوار «تيار المستقبل» و«حزب الله» يكتسب أهميته لتزامنه مع ارتفاع وتيرة الحركة الديبلوماسية الروسية - الفرنسية في اتجاه بيروت، خصوصاً ان للدولتين القدرة على لعب دور بنّاء في صوغ تفاهمات إقليمية حول لبنان يمكن ان تشكل فرصة لتفاهم داخلي حول انتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد أقل من 200 يوم بقليل من الفراغ في السدة الأولى.

ورغم ان بوغدانوف ركز في محادثاته مع كبار المسؤولين في بيروت امس على اهمية التعاون الثنائي لمكافحة الارهاب والحاجة الى تحقيق استقرار سياسي في لبنان لتحصين الاستقرار الأمني، فإن ما رشح عن لقاءاته أوحى بأن موسكو راغبة في حصول تفاهم لبناني ينهي الأزمة الرئاسية، لكنها لم تأت بمبادرة محددة في هذا الاتجاه.

وإذا كان بوغدانوف لا يملك في جيبه سوى النصائح، فإن الديبلوماسي الفرنسي (جان فرنسوا جيرو) سيذهب الى بعد ذلك، وهو الذي كان زار الرياض وطهران اكثر من مرة، ويعتزم زيارتهما بعد محطته اللبنانية، في اطار مهمة وصفت في بيروت بأنها «فسحة أمل» في فتح باب الاستحقاق الرئاسي على الحل.

وفي قراءة لهذه الاندفاعة الديبلوماسية الخارجية في اتجاه لبنان رأت دوائر سياسية في بيروت انها تنطوي على تطور في مواقف عواصم مؤثرة كانت تكتفي بالحض على الاستقرار الامني، وها هي الان تعمل من اجل صوغ موقف اقليمي جديد يتيح الفرصة امام اللبنانيين للتفاهم على رئيس جديد للجمهورية لتمكين لبنان من مواجهة التحديات المتعاظمة التي يتعرض لها.

Bookmark and Share

comments powered by Disqus