سعيد عقل.. ما له وما عليه في الأدب والشعر والسياسة

الأنباء 2014/12/08

بيروت ـ د.ناصر زيدان

مع دفن جثمان سعيد عقل في مسقط رأسه مدينة زحلة (عروسة البقاع اللبناني)، تنطوي صفحة من تاريخ الادب والشعر والسياسة في لبنان، ولكن موته عن عمر مديد ناهز المئة وسنتين، فتح صفحة جديدة من النقاش، قرأ فيها البعض ملامح اسطورية خارقة تمتع بها الراحل وتفوق كل تصور، ورأى فيها البعض الآخر اسطر مشلعة، تحمل تناقضات كبيرة، وتحتوي على علامات استفهام سياسية واسعة.

سعيد عقل، مفكر، وفيلسوف، وشاعر وأديب، وهو سياسي من الطراز المتميز، طمح لتولي منصب رئاسة الجمهورية، وترشح للنيابة وفشل ولم يرق حديثه السياسي للكثيرين، لأنه بالغ في بلورة الفكرة اللبنانية في قالب لا تحتمله الوقائع العربية والتاريخية، ولا التركيبة الفسيفسائية الداخلية لوطن الارز.

تعدد مواهب سعيد عقل، اغنى مسيرة حياته الطويلة، وأثقلها بالتحديات والإشكاليات في آن واحد، فهو من جهة جمع ابداعات فكرية وفلسفية وشعرية، قلّ ان اجتمعت بشخصية واحدة، وغاص من جهة ثانية في تأويلات سياسية ولغوية وعرقية لا يمكن التصفيق لها بالفطرة، لأنها تتناقض مع الاعتقادات الواقعية السائدة، ولا تتماشى مع السياق العروبي الذي يتمسك به اللبنانيون، او على الاقل لم تُفهم رؤيته التاريخية والسياسية على حقيقتها في هذا المجال، وبالتالي كانت محل خلاف واسع بين شرائح النخب اللبنانية.

ان تصنيف سعيد عقل في خانة المعادين للعروبة كثقافة، خطأ كبير، فهو اغنى هذه الثقافة وإبداعاته اللغوية والادبية تؤكد صفاء خلفيته في هذا السياق، ولعل ما كتبه عن مكة والقدس والشام، كان روائع شعرية، تجسد لوحات لا تنسى.

اما مبالغته في الحديث عن القومية اللبنانية، ذات الجذور التاريخية، فكانت محل خلاف، او تساؤلات، فلا يوجد في خزائن الدرر الفكرية والثقافية والسياسية ما يبرر مقاربات سعيد عقل في هذا المجال، وما حواه فكره الأخاذ والمتفلّت لم نر معظمه في مندرجات التاريخ اللبناني، وكدنا نظن ان بعضه من نسج الخيال الواسع عند الراحل الكبير.

في مجال ابتكاره لما يسمى «اللغة العامية» المكتوبة بالأحرف اللاتينية، اختلف مع الكثيرين، وفتح على جنات افكاره منافذ واسعة، دخلت منها نار الانتقادات الملتهبة، وكادت تحرق الجزء اليسير من إنجازاته الابداعية الاخرى، رغم انه كان على معرفة قلّ نظيرها بروائع اللغة العربية، ويكتب فيها نثرا وشعرا، ويجيد التحدث فيها ببلاغة متقدمة. على كل حال لم يعاند عقل في الاصرار على متابعة مبادرته اللغوية الخاصة، بل بالعكس فقد مهّد في كتاباته العربية في الصحافة اللبنانية فيما بعد لنسيان الفكرة برمتها.

اختلف الكثيرون مع سعيد عقل في مواقفه السياسية، لاسيما منها التي ادلى بها في ظروف قاهرة، إبان الاجتياح الاسرائيلي الوحشي للبنان في العام 1982، ولكن تبين فيما بعد ان الخطأ السياسي الكبير الذي ارتكبه عقل، كان آنيا، ولا يدل على ثوابته السياسية في العداء لإسرائيل، وقصيدته الشهيرة التي غنتها فيروز بعنوان «الآن الآن وليس غدا.. ابواب العودة فلتقرع» خير دليل على ذلك فهو مقتنع حتى الثمالة بعروبة فلسطين، وبعدوانية الغزاة الاسرائلييين.

ان مسحة الكبرياء التي بالغ في تظهيرها سعيد عقل لشخصه، لم تكن تعبيرا عن عنصرية، او نرجسية ذاتية، بقدر ما حملت صورة فلكلورية تميز بها عن غيره، من دون ان تعبر عن تشاوف وتمايز، والدليل ان عقل كان دائما يدعو الى المساواة بين اللبنانيين في الحقوق والواجبات، بعيدا عن الطائفية والمذهبية.

الدفاع عن إبداعات سعيد عقل الفكرية والفلسفية والشعرية، لا يمكن ان يمحي الاخفاقات السياسية التي صنعها لنفسه، لأن مفكر كبير وفيلسوف بمستوى عقل، لا يجوز له الترشح للانتخابات النيابية، ولا التحدث في تفاصيل السياسة اللبنانية اليومية.

مهما يكن من امر، فإن انتاج سعيد عقل الفكري والأدبي والفلسفي والشعري، اغنى التاريخ اللبناني، وانار جزءاً لا بأس به من الزوايا المعتمة للمكتبة العربية.

Bookmark and Share

comments powered by Disqus