مسيحيو لبنان يحتفلون بعيد الميلاد والراعي يهاجم الاستهتار في انتخاب رئيس

الحياة 2014/12/26

احتفلت الطوائف المسيحية في لبنان بعيد الميلاد بإحياء القداديس في مختلف المناطق. وخيم الشغور الرئاسي على العظات التي القيت للمناسبة، فيما أمت بكركي شخصيات سياسية من مختلف الطوائف للتهنئة بالعيد.

وترأس البطريرك الماروني بشارة الراعي قداس الميلاد في كنيسة القيامة في بكركي، بمشاركة السفير البابوي لدى لبنان المونسينيور غابريال كاتشيا، وفي حضور رئيس «تكتل الإصلاح والتغيير» النيابي ميشال عون على رأس وفد من وزراء ونواب وأعضاء التكتل ورئيس حزب «الكتائب» أمين الجميل مع وزيري الحزب، السفير الاميركي لدى لبنان ديفيد هيل، رئيس مجلس القضاء الاعلى القاضي جان فهد، رئيس المجلس الدستوري عصام سليمان وحشد من الوزراء والنواب السابقين وفاعليات سياسية وعسكرية وديبلوماسية ونقابية وقضائية.

وأمل الراعي في عظته من المسؤولين السياسيين «أن يروا الأخطار والنتائج الوخيمة على الكيان اللبناني والمؤسسات الدستورية التي يحدثها عدم انتخاب رئيس للجمهورية، وليروا كيف أن غياب رئيسٍ للبلاد يولد الفوضى ويستبيح التعدي على المال العام ومرافق الدولة، ويعطل أجهزة الرقابة، وينشر الفساد في الإدارات العامة، ويسهل الرشوة على حساب الدولة وأموالها وأملاكها ونموها وتقدمها».

وسأل الراعي: «من يضمن حماية الدستور والميثاق الوطني وصيغة المشاركة المتوازنة بين المسيحيين والمسلمين في الحكم والإدارة غير رئيس الجمهورية؟ منْ يطالب بمصالح الشعب وبانتظارات الشبيبة غير الرئيس؟ منْ يشفق على المواطنين الذين يفتقرون ويجوعون ويهاجرون غير الرئيس؟ من غيره يفكر بتطلعات شبابنا وأجيالنا الطالعة وأحلامهم وطموحاتهم وفرص عملهم المشرفة؟ الرئيس هو أبو الوطن والأمة بكل معنى الكلمة. من غيره يطالب بسيادة الدولة وكرامتها ومصيرها؟ إننا نصلي، بإيمان كبير ورجاء ثابت، لكي يرسل لنا الله اليوم قبل الغد مثل هذا الرئيس».

ومضى في اسئلته: «لماذا هذا الاستهتار بدور الرئيس؟ ولماذا التمادي منذ ثمانية أشهرٍ في الاستغناء عنه؟ ولماذا السعي إلى إقناع الذات والناس إقناعاً كاذباً بأن البلاد تسير وتسير حسناً من دون رئيس؟».

وشكر البابا فرنسيس «من صميم قلوبنا على الرسالة التي وجهها إلى مسيحيي الشرق الأوسط، وأرادها تعبيراً عن قربه منهم وتضامناً معهم ومع المخطوفين في لبنان وسورية والعراق، ومع سواهم من مختلف الأديان، في مختلف محنهم ومصاعبهم، مستمداً لهم عزاء المسيح. إنه يدعونا ويدعوهم الى الصمود في الرجاء والوحدة والشركة، ولأداء شهادة المحبة والسلام في بلداننا، مع انضمام آلامنا وآلامهم إلى صليب المسيح الفادي من أجل ثمار خير للكنيسة ولشعوب الشرق الأوسط. ويقول لنا ولهم: «أنتم قطيع صغير، بالمفهوم الإنجيلي، ولكنكم حاملون مسؤولية كبيرة في الأرض التي ولدت عليها المسيحية، ومنها انتشرت إلى العالم كله. أنتم خميرة وسط الجماعة الكبيرة. أنتم، مع الكنيسة الحاضرة بمؤسساتها التربوية والاستشفائية والاجتماعية، وبعملها الراعوي، ثروة كبيرة للمنطقة». ويعود البابا فرنسيس ليؤكد ضرورة الحوار مع المسلمين وسواهم من الأديان الأخرى، الذين نعيش معهم، على أن يكون حواراً منفتحاً على الحقيقة بروح المحبة. فالحوار خدمة للعدالة، وشرط ضروري للسلام المنشود. وفي الوقت نفسه يحض البابا فرنسيس الجماعة الدولية على تعزيز السلام في الشرق الأوسط بالتفاوض والعمل الديبلوماسي، وعلى واجب إيقاف الحرب والعنف، وإعادة المطرودين والنازحين إلى بيوتهم».

وسبق القداس لقاء بين الراعي وعون جرى خلاله عرض للاوضاع ولم يدل عون بتصريح، إنما اكتفى بالقول رداً على سؤال عما اذا كان رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع سيزوره قريباً في مقره: «ان شاء الله».

وأكد الرئيس الجميل لدى مغادرته بكركي ان «الصرح البطريركي يجمع اللبنانيين في كل الظروف». وأعلن انه «متفائل ومطمئن الى مستقبل لبنان لأن شعب لبنان صامد ومقاوم حتى يستعيد لبنان دوره في العالم العربي».

وزار بكركي مهنئاً بالعيد رئيس «اللقاء الديموقراطي» النيابي وليد جنبلاط مع أولاده. وتلقى الراعي، سلسلة اتصالات تهنئة أبرزها من قائد الجيش العماد جان قهوجي.

وفي بيروت، احتفل رئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس مطر بقداس الميلاد في كاتدرائية مار جرجس وحضر النائب محمد قباني ممثلاً زعيم «تيار المستقبل» الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري، الوزير السابق جو سركيس ممثلاً جعجع، النائب نديم الجميل والنائب إيلي عون، وممثلون عن هيئات روحية وعسكرية وقضائية واجتماعية.

 

مطر: من يضمن انتخاب الرئيس؟

وأمل مطر في عظته بـ «أن يبدد العيد سواد الليل الذي ترزح تحت وطأته المنطقة، ليل يلف منطقة الشرق الأوسط برمتها والذي يُزرع تحت جنحه زؤان الانقسام والعداوة والحقد بدلاً من زرع قمح المحبة والإنسانية والخير. وهو الليل الذي يشهد مأساة المقهورين والمظلومين والمهجرين قسراً من ديارهم بمئات الآلاف بلْ بالملايين من مسيحيين ومسلمين والذي يحاول قتل الأمل عندهم بنهاية لما يعانون وكأنه ليل لا حد له ولا زوال، ولا صباح يطلع من بعده بطلة جديدة».

وشدد مطر على «أن إنقاذ لبنان واجب علينا يتقدم كل واجب. أفليس لبنان وطن الرسالة في العيش المشترك السوي للمنطقة بأسرها؟ فإذا انتكس لبنان في هذا المجال تقهقر الأمل للشرق برمته، وإذا خلص لبنان قوي الرجاء للجميع من حوله دولاً وجماعات. فهلْ نضيع مسؤوليتنا الجسيمة هذه تجاه بلادنا وتجاه منطقتنا فنبقى متلهين بالجزئيات الصغيرة على أنواعها؟ لا يغيب عن أحد أن أولى أولوياتنا اليوم في إنقاذ وطننا وفي إسهامنا في إنقاذ المنطقة هي في انتخاب رئيس جديد للجمهورية تتجدد معه الثقة بلبنان وبدوره ورسالته المشهودين. والغريب أن هذا الاستحقاق لم يطرأ بصورة مفاجئة على المسؤولين حتى يبرروا عجزهم عن إنجازه في موعده المحدد. فهو كان مرسوماً سلفاً ومنذ ست سنوات كان لها أن تمر بعد انتخاب الرئيس السابق. وإنْ كانت ست سنوات غير كافية لتهيئة انتخاب رئيس جديد في موعده الدستوري فمن يضمن أن ست سنوات جديدة بعد انتهاء الولاية السابقة ستكون كافيةً لتهيئة انتخاب رئيس جديد؟».

ورأى «أننا أمام ضرورة تغيير في ذهنياتنا وفي طرق خدمتنا للبنان، فلا يضيع الوقت منا فتضيع معه فرص الخلاص. من أجل ذلك، لا بد من أن يبدأ هذا التغيير أولاً بعدم تغليب الاتكال على الخارج في مساعدتنا لتدبير شؤون بيتنا في الداخل، فهذه المساعدة، مثلها مثل كل مساعدة، من الصعب أن تتوافر لنا من دون أثمان. ثم نمضي ثانياً في طريق التغيير بترسيخ القناعات بأن أشخاصنا وطوائفنا يجب أن يكونوا بمجملهم تحت سقف الوطن الواحد وأن من غير المقبول ولا المعقول أن نضع وطننا تحت سقف أشخاصنا وطوائفنا مهما كانت الظروف. ولا نقع في خطيئة سوء التقدير، فالوطن وحده قادر على أن يحمي طوائفه مجتمعةً، أما الطوائف المتفرقة فهي لا تستطيع أن تحمي لبنان ولا أن تحمي ذاتها من دونه. إزاء هذا الوضع الخطير الذي وصلنا إليه، نحن مدعوون اليوم إلى إعلان حال طوارئ وطنية حتى يوم إنجاز الاستحقاق الرئاسي. ونبارك الحوارات التي بدأت بالأمس كما نبارك الحوارات التي ستبدأ لاحقاً على أن تلتقي كلها وتجمع على خير لبنان. كما نرجو ألا نخرج من هذه الحوارات أبداً إلا بالوصول إلى ما يؤمن ملء الفراغ الرهيب في رئاسة البلاد وما يضع وطننا على سكة المستقبل المطلوب والمضمون له ولنا».

Bookmark and Share

comments powered by Disqus