حزب الله 2014: سنة الخطايا

الشراع 2014/12/26

كتب المحرر السياسي

أيام قليلة ويحط عام 2014 رحاله, مع كل ما حفل به من أحداث خطيرة وتهديدات جعلته في نظر كثيرين الأسوأ في تاريخ لبنان بالنظر الى ما حمله من تحديات من جراء ما ارتكبه حزب الله من خطايا تتجاوز حجم الاخطاء التي كان يرتكبها سابقاً, وهو ما جعل هذا العام سنة تراكم للخطايا المميتة التي سيكون لها انعكاساتها الكبيرة ليس فقط على بيئته إنما تتجاوز ذلك لتلحق أضراراً لا حصر لها على الشيعة عموماً وعلى الوحدة الاسلامية بوجه خاص وبشكل بدا معه ان ارتكابات هذا الحزب ما كانت إلا بدايات استكملت بارتكابات مماثلة لقوى متطرفة أخرى لفتنة كبرى لا تبقي ولا تذر.
إذن, عام 2014 حمل تطورات خطيرة على لبنان، أمنية وسياسية واقتصادية وحتى على مستوى نوعية نظامه السياسي: تمديد لمجلس النواب تحت مبررات الضرورة القصوى، انتقال المشاهد الشاذة في الحرب السورية إليه، تحوله من ((أرض نصرة)) بالنسبة للجماعات التكفيرية الى ((أرض جهاد))، جمهورية من دون رئيس، غزوة ((داعش)) و((النصرة)) لعرسال وما استتبع ذلك من خطف لجنود من الجيش اللبناني، وهو ملف يستمر بالنـزف، الخ..
ويتم الآن ختم هذا العام بالحديث عن محاولات لإصلاح الأخطاء التي حصلت فيه أو على الأقل لاستدراكها, عبر سلسلة خطوات منها ان الفاتيكان يقود من وراء الستارة الفرنسية محاولة لانتخاب رئيس للجمهورية، ومنها أيضاً ان الرئيس نبيه بري يحاول جمع تيار المستقبل وحزب الله حول طاولة حوار لتقليل خسائر البلد، ومنها أيضاً وأيضاً ان الهبة السعودية لتسليح الجيش اللبناني تحاول إعادة منطق الشرعية في لبنان الى نصابه بعد ان اغتالته شرعية السلاح العابر للحدود والملتحق بجبهات الحرب المذهبية من سورية الى العراق حتى اليمن؟
فهل يصلح العطارون في العام القادم ما أفسده الدهر في الأعوام الماضية؟؟.

رزنامة الاحداث الخطيرة
عام 2011 كان عام بدء الثورات العربية. وعام 2012 كان عام انتشار هذه الثورات لتصبح هي الحدث العربي، في حين ان كل ما تبقى من حراك سياسي وأمني واجتماعي واقتصادي كان بمثابة رد فعل عليها.
.. أما العام 2013 فقد شهد بدء أفول نجم هذه الثورات حتى ان البعض أسماه عام خريفها بعد ان ذبل عام ربيعها (2011- 2012)، إلا ان عام 2014 الذي يشرف على الأفول بعد أسبوعين، كان بحق عام انهيار الحدود الوطنية في المنطقة بين العراق وسورية وبين ليبيا وجوارها وبين لبنان وسورية. وضمن هذا المشهد ولدت ظاهرة ((داعش)) التي تبدو أشبه بغارة وحشية قادمة من القرون الوسطى. بعض المحللين يقولون ان ((تسونامي)) يعبر عن خلل في الطبيعة فيما ((داعش)) تعبر عن خلل إنساني. لا شك ان ((داعش)) هي فيروس ثقافي قبل ان تكون حالة شاذه داخل السياسة والتاريخ الاسلامي.

سايكس - بيكو بين ((داعش)) و((حزب الله))
هل دفنت أحداث العام 2014 حدود سايكس - بيكو التي ولدت بعد الحرب العالمية الاولى؟ ومن المسؤول عن ذلك ولمصلحة أي بديل عنها؟!
ترصد المحافل المهتمة بقراءة الأبعاد العميقة لأحداث العام 2014 عدداً محدداً من أحداثه على اعتبار أنها حملت تحولات عميقة أو تسببت بتحولات عميقة، وكان أبرزها تجاوز حزب الله الحدود الوطنية وإعلانه الحرب على شعب دولة أخرى مجاورة تحت مبررات أيديولوجية وأمنية.
مقابل ذلك حدث تجاوز ((الدولة الاسلامية في العراق))، حدود نشأتها في بلاد الرافدين لمصلحة انتقالها لغزو سورية، وإسقاط الحدود بين الدولتين تحت مبرر ايديولوجي عنفي.
وقاد الحدثان الآنفان الحدود الى واقع جديد في المنطقة، وهو بروز ظواهر عسكرية إقليمية ما دون الحكومية:
حزب الله منظمة عسكرية تعمل في لبنان. هكذا كانت منذ ولادتها في بدايات ثمانينيات القرن الماضي حتى العام 2011. ولكنها في العام 2014 ظهرت بجلاء بوصفها منظمة عسكرية إقليمية تقاتل في غير دولة: لبنان وسورية والعراق واليمن.
منظمة ((داعش)) ظهرت أولاً كمنظمة عسكرية دينية في العراق، ولكن خلال العام 2014 أصبحت منظمة عسكرية إقليمية تقاتل في العراق وسورية على الأقل، وتملك دولة عابرة لحدود البلدين، ما أدى الى رسم خرائط الفوضى البديلة لخرائط سايكس – بيكو.
ومقابل نظرية ((الفوضى الخلاقة)) الأميركية المشار إليها بوصفها المسؤولة عن مناخ الانهيارات الامنية والديموغرافية الكبرى الجارية الآن في المنطقة، ولدت أيضاً بموازاتها وعلى نحو يكملها عملياً، نظرية المنظمات العسكرية ذات الغدد الإقليمية الفوضوية التي بادرت لاجتياز حدود نشأتها وإطلاق عدوى تحديها للدولة في جوارها.
.. حتى ان بعض المراقبين يقولون ان الحرب في المنطقة تجري الآن بين دينامية ((الفوضى الخلاقة)) التي لم يعد ممكناً حتى على الدول التي أطلقت نظريتها، ضبط نتائجها الميدانية، وبين دينامية فوضى انتشار عدوى المنظمات العسكرية العابرة للحدود والعاملة على نشر نموذجها المضاد لمفهوم الدولة في دول تقع خارج حدود نشأتها. هذا ما حدث في لبنان وانطلاقاً منه نحو سورية، وهذا ما حدث في العراق وانطلاقاً منه نحو سورية أيضاً، وهذا ما يحدث الآن في اليمن على أيدي الحوثيين.
ولعل أخطر حدث شهده لبنان خلال العام الراهن المتأهب للرحيل، هو انه شهد انضمام احد مكوناته ((حزب الله)) لأزمة الثورات العربية من باب نسختها الأخرى أي نسخة خريفها وليس ربيعها. فتدخل حزب الله في سورية هو حدث لا يمكن قراءته إلا من منظار دوره في تعميق أزمة عسكرة الثورات العربية، أي أخذها من بعدها الإصلاحي السلمي الى بعدها الاقتتالي المذهبي. صحيح ان مسار عسكرة الثورة في سورية بدأ قبل دخول حزب الله إليها، ولكن الصحيح أيضاً ان العسكرة هناك كما في ليبيا واليمن، مرت بمرحلتين: الأولى رداً على عنف النظام، والثانية نتجت عن قيام جماعات دينية عنيفة بسرقة الثورة وأخذها لأيديولوجيا مغايرة عن مشهد العام 2011. دور حزب الله في سورية يأتي ضمن المرحلة الثانية المسؤولة عن تحويل الثورة الى اقتتال ديني- مذهبي- أممي عابر للحدود وإلى حرب دامية بين غزاة بإسم الدين والمذاهب، الخ.

لبنان يدفع الاثمان
ثمة كلفة يخشى لبنان ان يدفعها نتيجة انه أصبح جزءاً من أحداث نسخة خريف الثورات العربية، ومؤداها الاقتتال الديني من خلال محاولة المنظمات ((الدينية)) لسرقتها وتغيير أهدافها الأساسية وجعل مبرراتها الأيديولوجية أقوى من قدرة الحدود الوطنية على الصمود وفرض احترام خصوصياتها القانونية والشرعية.
وبالفعل فإنه خلال العام الحالي اضطر لبنان لأن يدفع جزءاً من هذه الكلفة وذلك من خلال انتقال الحرب بين الحزب والجماعات الاسلامية المتشددة في سورية الى لبنان. لقد أظهرت هذه التفجيرات ضد لبنان ان شعار الحرب الاستباقية الذي رفعه الحزب لتبرير دخوله في سورية لم يكن صائباً، لأن دخوله الى هناك لم يؤد لا الى حماية النظام ولا الى حماية الحدود اللبنانية، بل جلّ ما فعله هو انه وسع نطاق جغرافية مشهد خريف الثورات العربية من سورية الى العراق ليشمل لبنان أيضاً.
لفترة غير قصيرة ظن البعض ان الحزب قد يكون معنياً بعد النتائج التي سجلها تدخله في سورية طوال العام الحالي، بإجراء مراجعة لقراره لمصلحة إنهاء تواجده هناك والانسحاب من لعبة انه جزء من قوى الفوضى ما دون الحكومية المنتشرة في المنطقة. ولكن ذلك لم يحصل. فكيف سيرسم العام المقبل تطورات هذا الملف سواء على مستوى نتائجه على لبنان وأيضاً على حزب الله ذاته؟.
تقول مصادر مطلعة ان عام 2014 كان عام تراكم الأخطاء بالنسبة لحزب الله، ويوردها كالتالي:
- على مستوى تدخله في سورية ظهر له ان الأمر ليس نزهة عسكرية بل حرب استنـزاف قاسية وأيضاً ليست معركة يمكن تحديد زمنها أو جغرافيتها، بل هي متاهة بلا أفق زمني ولا جغرافي وان كلفتها البشرية أعلى من قدرته على تحملها.
- على مستوى سياساته الداخلية بدا له انه لم يعد ممكناً له الاستمرار بسياسة إقصاء خصومه المحليين بالقوة المسلحة، فهذه السياسة لا تنتج له السيطرة بل تخلق له ساحات قتال جديدة. ومن ذلك قيامه بتعطيل إجراء الانتخابات الرئاسية منذ الخامس والعشرين من شهر أيار/مايو الماضي.
- على المستوى العربي أصبح واضحاً له ان تبعيته للأجندة الايرانية تجعله بمواجهة بيئته وتحوله مع الوقت الى سمكة تبحث عن أوكسيجين للحياة داخل مستنقع آسن.

Bookmark and Share

comments powered by Disqus