عمر محمد شطح: لو أنك خفتَ على حياتِك يا أبي

النهار 2014/12/27

تلقى "تيار المستقبل" ضربة موجعة أخرى بسقوط مستشار الرئيس سعد الحريري والوزير السابق محمد شطح في الاغتيال الارهابي الذي هزّ بيروت صباح 27 كانون الأول 2013، وأودى بحياة 5 أشخاص آخرين وجرح العشرات في شارع "ستاركو" على بعد أمتار من "بيت الوسط" حيث كان شطح متوجهاً.

لم يكن من الممكن قراءة هدف التفجير سوى بأنه رسالة دموية أخرى في ساحة تحكمها قوانين صراع معسكريْن إقليميين ودوليين يخوضان حروباً باردة في ساحات وملتهبة في أخرى.
في لبنان، كان سياسيو 14 آذار حلقة ضعيفة منذ العام 2004، فقد تم النيل من 11 منهم بدم بارد عبر تفجيرات إرهابية تمكنت من خرق إجراءات أمنية محكَمة وأخرى رخوة.
رغم تقاعس التحقيقات عن الوصول الى خيوط جديّة في أغلب الجرائم المرتكبة، بقيَ الاتهام السياسي طاغياً. لذلك لا يبدو أن عائلة الوزير محمد شطح كانت جاهزة للأخذ برواية أمنية شاعت قبل أيام من ذكرى الاستشهاد الأولى تشير الى احتمال تورط جهة متشددة بالتفجير. تحدثنا عن هذا الأمر مع نجل الوزير الراحل، عمر الآتي من كاليفورنيا حيث يقطن ويعمل الى بيروت للمشاركة في الذكرى السنوية.

الهدف الواضح
"من السهل جداً لكل من يملك مخيّلة وحاسوباً أن يكتب السيناريو الأمني الذي يريد ويوّزعه على وسائل إعلامية جاهزة لنشر أي مادة من دون التحقق من مصداقيتها ومصادرها ووجود أدلة دامغة. من هنا، لم يكن مفاجئاً خروج رواية تتهم "كتائب عبد الله عزام"، باغتيال والدي. لا أرفض هذه الرواية لمجرد الرفض، بل لسببين، الأول: عدم تدعيمها بمعطيات تؤكدها، والثاني لاقتناعي بأن أبي اغتيل في سياق سياسي معيّن وواضح". الإجابة السالفة لعمر الذي يرى أن قاتل والده هو نفسه قاتل رفيق الحريري وسمير قصير وجبران تويني ووسام الحسن. ولا يحتاج الأمر الى كثير تأويل بالنسبة للشاب الواثق من قراءته السياسية، فـ"هؤلاء الرجال كانوا منخرطين في مشروع سياسي واضح يحظى بداعمين إقليميين ودوليين في مقابل مشروع آخر له حلفاء لا يهادنون الخصوم".
الى ذلك، فان تتّبع خيوط التحقيق الذي تجريه الدولة اللبنانية مهم بالنسبة للعائلة "لكنه لا يأتي بجديد، ليس لأن الجهة المحققة لا تريد كشف قتلة محمد شطح بالضرورة بل لافتقارها الى الامكانات والكفاءات".
بعد سنة من الاغتيال، لا يرى عمر ان الهدف الواضح منه كان إغتيال "الاعتدال السني، فالقتلة لن يستطيعوا قتل غالبية السُنة في هذه الحال، المتعصبون السُنة قلة شأنهم في ذلك شأن المتعصبين في باقي الطوائف. ولنتذكر جيّداً أن الذين شاركوا في الحرب الأهلية اللبنانية هم قلة من الشعب أتت بالمآسي للأكثرية".
الأمور جلية بالنسبة لعمر، حين قتلوا محمد شطح فانهم قتلوا مفكراً استراتيجياً في "تيار المستقبل"، ويقول: "قتل والدي كان رسالة مباشرة الى سعد الحريري والى من يسير على الخط السياسي عينه، وذلك في لحظة شائكة من الحرب القائمة بين مشروعين في لبنان والمنطقة".
هل نجحوا باضعاف التيار؟ يتساءل عمر ليستدرك أن والده ترك فراغاً كبيراً خلفه، هو الذي كرس طاقاته الذهنية وعلاقاته لصياغة أدوار "التيار" المستهدف.

"قتلوا الرجل الذي يحميك"
رغم ضراوة الصراع القائم وفهم الوزير شطح وعائلته لخطورة اللعبة السياسية في لبنان والمنطقة، يفصح عمر أنه لم ينصح والده يوماً بترك منصبه والعمل السياسي، "بل طلبتُ منه مراراً أن يقوم بالعمل عينه ولكن من خارج لبنان حفاظاً على أمنه، أو أن يقتنع بضرورة أخذ الاحتياطات الأمنية اللازمة اذا قرر البقاء في لبنان".
ويقرّ عمر بأن والده لم يكن يعطي أهمية كبيرة للمسألة الأمنية رغم التحذيرات التي ترده، فكان يكرر على مسامع عائلته ان "الانسان يمكن ان يقتل في أي مكان، والرئيس الحريري كان يتخذ إجراءات أمنية مثالية وتمكنوا من النيل منه...".
يسترسل الشاب في حديثه بغصة عمّا كان يجب على والده أن يقوم به للحفاظ على أمنه، وفي ما يفصح عنه تتردد عبارة "لو أنه انتبه الى أمنه..." تكراراً، فيتمنى عمر لو أتيح للرئيس الحريري اقناع والده باتخاذ اجراءات أمنية مشددة، أو إجباره على ذلك أو الالحاح عليه لترك البلد.
كان محمد شطح يعتقد أنه ليس هدفاً بسبب الصورة السائدة عنه كرجل معتدل وحواري، وقد نصحه اللواء الشهيد وسام الحسن مراراً بالذهاب الى الخارج، وفي إحدى المرات أخذ بتحذيرات الحسن وقصد ابنه في لندن وأقام لفترة في منزله، وفق ما يخبرنا عمر مضيفاً: "حين قتلوا وسام الحسن اتصلتُ به وقلت له: لقد قتلوا الرجل الذي كان يحميك".

رسالة اشتياق
قبل استشهاد والده بساعات قليلة، كتبَ له عمر رسالة عبر "واتساب" يخبره فيها عن اشتياقه له ورغبته في أن يكون مع العائلة خلال الأعياد، "كانت الساعة تشير الى العاشرة مساء بتوقيت الولايات المتحدة، أذكر أني غفوتُ على الكنبة في تلك الليلة، واستيقظتُ على اتصال من صديق يخبرني بما جرى في بيروت...".
القدر المأسوي الذي صادف والده وتعثر المشروع السياسي الذي عمل من أجله لم يكسرا العلاقة بين عمر ولبنان. هو في النهاية، شاب مهاجر لأنه يطمح الى فرصة عمل ليست مؤمنة حتى الآن في بلده، "لكن في المستقبل اذا حظيتُ بعمل مناسب هنا فلن أتردد في العودة، فأنا أشّبه لبنان بابن معوّق، فهل لانسان أن يترك ابنه ويكرهه فقط لأنه معوّق أم ان الأمر يكون دافعاً للاعتناء به أكثر؟ لقد أعادنا أبي الى لبنان بعد انتهاء الحرب في العام 1992 لايمانه بامكانية إصلاح الأمور".
في ذكرى الاغتيال، عند الساعة الواحدة ظهراً، تزور عائلة شطح منزل طارق بدر الذي عمل مع الوزير الراحل واستشهد معه، وعند الساعة الرابعة بعد الظهر تنتقل الى مكان الانفجار في "ستاركو" حيث سيُدشن شارعٌ باسم محمد شطح ويُقام احتفال للمناسبة.
هناك سيتذكر الجميع استشهاد الشاب محمد الشعار، التلميذ في مدرسة "الحريري الثانية" الذي التُقطت له ولأصدقائه صورة شهيرة قبل الانفجار بلحظات وصور أخرى بعده.
ستحضر رمزية موت محمد المرعب وأسئلة النجاة التي ولّدها. يومها سأل كثرٌ مع رؤية محمد بقميصه الأحمر مضرجاً بالدماء على الأرض بعدما كان يلهو مع أصدقائه: ماذا نفعل لينجوَ أولادنا؟ هل نهاجر؟ وماذا عن الذين لا يملكون القدرة على إرسال أولادهم الى الخارج وإبعادهم عن جحيم الموت والظلام؟
منذ سنة، وفي زمن الأعياد عينه الذي نعيشه اليوم ببهجة ومستوى مقبول من الاستقرار الأمني، كان الموت يضرب للبنانيين موعداً في أكثر من منطقة وشارع. مات محمد الشعار ومات محمد شطح الذي شجع ابنه عمر على ملاقاة طموحه بالعمل والعيش في الخارج.
اليوم، لا يمانع عمر في العودة والاستقرار في بلد قضى والده في سياق دفاعه عن أفكار سياسية آمن بها لتحسين أوضاعه، شرط عمر أن يحصل على فرصة عمل لائقة في ظروف ليس بالضرورة أن تكون مثالية. شرطٌ قد لا يتحقق في المدى المنظور رغم التضحيات الكثيرة، ورغم ذلك يكرر: "هذا البلد المشوَّه المتعِب هو ابني الذي يسكنني".

Bookmark and Share

comments powered by Disqus