تفجير «جبل محسن» يعيد لبنان برمّته إلى دائرة الخوف من الاستباحة الإرهابية

الراي 2015/01/12

لا تختلف حالة طه سمير خيال وبلال ابرهيم، اللذيْن نفذا العملية الانتحارية في مقهى ابو عمران في «جبل محسن» (طرابلس) مساء أول من أمس، عن عشرات الحالات المعروفة لدى أبناء منطقة «المنكوبين» في عاصمة الشمال ممن يرتبطون بالفكر الجهادي، ولذا لم يكن مفاجئاً لكثيرين من الطرابلسيين ان يتورّط الاثنان في جريمة أفضت الى مقتل 9 وجرح اكثر من 35 شخصاً.

وقد أعاد التفجير الارهابي الذي هزّ «جبل محسن» المعروفة بأنها «قلعة» العلويين الطرابلسيين والشماليين، لبنان برمّته الى دائرة الخوف من الاستباحة الارهابية، التي طبعت المراحل السابقة غير البعيدة حين كانت التفجيرات الارهابية تتركّز على المناطق المحسوبة على نفوذ «حزب الله».

وإذا كانت «جبل محسن» شكّلت الهدف الجديد للتفجير الانتحاري الذي تبنّته «جبهة النصرة» من منطلق الثأر من طائفة رئيس النظام السوري بشار الأسد، وسط ترجيحات ان يكون تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) وراء العملية، فان الواقع الداخلي الذي برز غداة التفجير، كشف ان لبنان بات فعلاً يملك حصانة عالية حيال هذا النوع من التحديات الإرهابية، التي تهدف بوضوح الى إشعال فتنة مذهبية، وهو ما تجلى في المواقف الجامعة المندّدة بالجريمة، وعدم حصول اي تداعيات لها مع الجوار السنّي لـ«جبل محسن»، ولكن من دون ان يعني ذلك وجود حصانة أمنية كافية لمنع الاختراقات الداخلية الأمنية.

وتفيد مصادر معنيّة بهذا التطور «الراي» بانه «يصعب حصر الأهداف والدوافع التي حرّكت الارهابيين مجدداً على الساحة الداخلية اللبنانية في هذا التوقيت حصراً، علماً ان الأجهزة اللبنانية او بعضها على الأقلّ كان يملك معطيات عن إمكان عودة الاستهدافات الإرهابية، ولا يفترض ان تكون هذه الاجهزة فوجئت بما جرى اول من امس. ذلك ان الأشهر الأخيرة شهدت التضييق الأقوى من الجيش والاجهزة الأمنية على تمددات التنظيمات الارهابية سواء ميدانياً عبر جبهة عرسال (البقاع الشمالي) حيث سُدت كل منافذ التسلل والتحركات بين عرسال ومنطقة الجرود المتداخلة مع الحدود السورية، ام داخلياً عبر مكافحة لا هوادة فيها للخلايا والمشبوهين والمطلوبين. ولم يكن ادل على ذلك من رقم قياسي حققه الجيش في شهر ديسمبر الماضي، حين بلغ عدد الأشخاص الذين أوقفهم اكثر من 1500».

وتضيف المصادر انه «يصعب مع استمرار واقع المواجهة الناشبة بين الجيش والتنظيمات الإرهابية، إضفاء بُعد خاص على عملية (جبل محسن) التي لجأت الجبهة الى تنفيذها على يد اثنين من محلة (المنكوبين) في طرابلس، ذلك ان بعض المحللين الداخليين وسواهم أدرجوا العملية ضمن الهجمة الواسعة التي شنّها الارهاب الاصولي على فرنسا، خصوصاً اذا ثبت ان الجهة التي نفذت التفجير في (جبل محسن) هي (داعش) كما اعلن وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق، مشيراً الى«ان المعلومات الاولية تشير الى علاقة التنظيم بهذا التفجير».

ولم تتوانَ بعض الدوائر المراقبة، عن التوقف عند مفارقة ان الانفجار تزامن مع إصدار المحقق العدلي في جريمة تفجيريْ مسجديْ التقوى والسلام في طرابلس (وقعا في اغسطس 2013) مذكّرة توقيف غيابية بحق زعيم «الحزب العربي الديموقراطي»علي عيد، الذي يُعتبر من أبرز فاعليات الطائفة العلوية و«جبل محسن»والذي فرّ مع نجله رفعت الى خارج لبنان قبيل بدء تنفيذ الخطة الأمنية في عاصمة الشمال قبل أشهر لإنهاء النزاع«المزمن»بين«جبل محسن»و«باب التبانة»(ذات الغالبية السنية).

وتشير المصادر المعنية بما جرى في«جبل محسن»الى ان«الساعات التي أعقبت العملية، شكّلت واقعياً ما يشبه اختباراً حاسماً للواقع الأمني والسياسي الذي يحكم طرابلس منذ تنفيذ الخطة الامنية الواسعة فيها عقب أحداث أكتوبر الماضي، التي شهدت المواجهة الحاسمة بين الجيش والتنظيمات الارهابية، والتي انتهت بتمكن الجيش من حسم الامور بالكامل في الشمال».

ويمكن القول ان أهداف التفجير فشلت تماماً في إشعال فتنة بات الجميع يؤكدون التزامهم بمنعها. كما انه اذا كان هدف التفجير إحباط الحوار الجاري بين«تيار المستقبل»(يقوده الرئيس سعد الحريري) و«حزب الله»فان هذا الهدف سقط بدوره.

وتلفت المصادر الى ان«ردود الفعل التي صدرت عقب التفجير كما الاتصالات الكثيفة التي اجريت بين سائر القوى الشمالية النافذة ومع قيادة الطائفة العلوية، وضعت حداً فوريا للمخاوف من نشوب فتنة علوية - سنية، (يرجّح ان التفجير كان يهدف اليها) علماً ان الرئيس سعد الحريري الذي وصف التفجير بأنه «عمل إرهابي يندرج في إطار إثارة البلبلة وتأجيج الفتنة وزعزعة الأمن في عاصمة الشمال، اعلن تكفّله بالتعويض عن المتضررين من التفجير وإصلاح ما خلّفته العملية، وذلك على نفقة مؤسسته أسوة بما كان فعل إبان تفجيرات وأحداث في مناطق اخرى في طرابلس وخارجها».

على ان النجاح في إحباط الأهداف السياسية للتفجير لم يخفف المخاوف من تمكُّن التنظيمات الارهابية من العودة الى الاختراقات الامنية التي لا شيء يضمن عدم تجددها والتي ستفرض مجدداً استنفاراً أمنياً واسعاً بدأت معالمه منذ مساء أول من أمس.

وأوضحت المصادر في هذا السياق، ان «التطور الجديد سيملي على القوى السياسية المشارِكة في الحكومة تخفيف (الدلع) او الترف السياسي الذي يتحكّم بسلوكياتها، على غرار ما يحصل منذ ايام في ملف النفايات الصلبة الذي تسبب بتعطيل اخر جلسات الحكومة». واشارت الى الجلسة المحددة اليوم لمجلس الوزراء لبت الخلاف حول ملف النفايات بين وزراء حزب الكتائب المعترضين على دفتر الشروط وبين وزراء آخرين بينهم وزير البيئة محمد المشنوق المحسوب على رئيس الحكومة تمام سلام.

وقالت ان «الاتصالات التي اجريت امس، للتوصل الى تسوية للملف لم تبلغ النتائج المرجوة، ولكن وزراء آخرين دخلوا على خط المعالجات من زاوية ان اولوية الواقع الأمني عادت بقوة لتفرض نفسها على الحكومة ولا يجوز استمرار ملهاة تعطيل الجلسات والقرارات لأي سبب كان».

من جهة اخرى، ندّدت الناطقة باسم الخارجیة الایرانیة، مرضیة افخم، بالانفجارالارهابي، مؤكدة أن الجهة التي ارتكبت هذا العمل الشنیع، انما استهدفت استقرار ووحدة لبنان.

واعربت عن ثقتها بأن«المسؤولین اللبنانیین وقادة الاحزاب السیاسیة قادرون علی احباط جمیع مؤامرات الاعداء بیقظتهم وحكمتهم وتمسكهم بالحوار الوطني والوحدة».

Bookmark and Share

comments powered by Disqus