لبنان.. الحوار الشامل والحوارات الثنائية

الأنباء 2015/01/12

بيروت ـ د.ناصر زيدان

يحتاج لبنان اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، الى تواصل بين الاطراف السياسية الاساسية.

ويُشكل الحوار الوسيلة الوحيدة لتخفيف حدة التوتر القائمة بين مكونات المجتمع اللبناني المتباعدة، اضافة الى كونه مدخلا للوصول الى أي شكل من أشكال التسويات التي تحتاجها الملفات الاساسية العالقة، لاسيما ملف الفراغ في موقع رئاسة الجمهورية الحاصل منذ ما يزيد على مائتين وخمسة وعشرين يوما.

المطارنة الموارنة الذين اجتمعوا برئاسة البطريرك بشارة الراعي يوم الاربعاء الفائت، طالبوا بالاسراع بانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وبإيجاد آلية تمنع تعطيل جلسات الانتخاب، وأيدوا الحوارات السياسية الثنائية الجارية، ولكنهم دعوا الى إجراء حوار شامل يستلهم الثوابت اللبنانية، بعيدا عن المصالح الحزبية.

الحوار الذي يجري بين ممثلين عن رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون ورئيس حزب القوات اللبنانية د.سمير جعجع، أسفر عن تخفيف الاحتقان على الساحة المسيحية قبل أن يصل الى مراميه الاخيرة في لقاء مباشر بين الرجلين، يبدو أنه لم يتبلور في صيغته النهائية بعد.

أما الحوار بين ممثلين عن زعيم تيار المستقبل الرئيس سعد الحريري والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، فقد قطع بعض الاشواط على ما أشار مستضيف اللقاءات الرئيس نبيه بري، وهذا الحوار أدى أيضا الى تخفيف بعض الاحتقان في الساحة الاسلامية قبل أن يصل الى خواتيمه المرتجاة.

أوساط سياسية متابعة لمجريات الأمور ترى: ان حوار المستقبل - حزب الله عجّل في الحوار الثاني بين التيار العوني والقوات اللبنانية، والدافع معروف، يتلخص في فن صناعة الأوراق الضاغطة التي تشتهر فيها المساحة السياسية في لبنان. فالأخصام يتسابقون على امتلاك أوراق الضغط ضد بعضهم البعض، كما أن الحلفاء يجمعون أوراق ضغط في مواجهة حلفائهم، منعا للاستقواء أو الاستفراد بالقرارات.

ومن هذه الزواية، ترى الأوساط عينها: ان العماد عون يوجه رسالة من حواره مع د. جعجع الى حليفه حزب الله، فيها بعض التنبيه من التمادي في الاستفراد بالقرارات المصيرية جراء حوار الأخير مع المستقبل، كما أن د.جعجع يُشهر بطاقة صفراء في وجه حليفه تيار المستقبل، منبها من تتنازلات قد يحصل عليها حزب الله.

والرغبة في امتلاك هذه الأوراق، قد تكون الدافع الاساسي لحوار عون - جعجع، ذلك ان المواقف السياسية مازالت متباعدة بين الطرفين، رغم الاجواء الايجابية التي يُعممها مناصرو الفريقين، ورغم سحب أكثر من مائة دعوة قضائية كانت مقامة من القوات ضد التيار الوطني الحر، وبالعكس، معظمها على خلفية القدح والذم والتشهير.

العماد ميشال عون أعلن أنه يريد حوارا حول الجمهورية قبل الرئاسة، في إشارة الى اعتراضه على ما يقول انه تهديد مستقبلي لدور المسيحيين، وللمناصفة، بينما يرى د.جعجع: ان الحوار يُنفس الاحتقان على الساحة المسيحية الناتج عن خصام بين القوات اللبنانية والتيار العوني، استمر ما يقارب الثلاثين عاما، وتفاقم في العشر سنوات الاخيرة بعد ورقة التفاهم التي وقعها التيار مع حزب الله، ونتيجة أجواء الخلاف القائم في العلاقات مع سورية وما رافقها من تفجيرات واغتيالات.

والأوساط السياسية المتابعة عينها، ترى: حرصا متقدما من د.جعجع على التقارب مع القاعدة الشعبية العونية التي تشكل شريحة واسعة من المسيحيين، وهو بالتالي لا يستطيع تجاهها إذا ما أراد أن يكون زعيما متقدما على الساحة المارونية، خصوصا أن صراعا خفيا بدأ يطفو على سطح الوراثة السياسية للعماد عون، بين أقطاب التيار الوطني الحر. وجعجع يحاول الاستفادة من هذه الواقعة لتوسيع دائرة نفوذه على الساحة المسيحية.

مهما يكن من أمر، فإن «الانحشار» السياسي واضح لدى كل من أطراف الحوارات الثنائية.

فحزب الله لا يريد أن ينتقل الحريق السوري الى لبنان، والذي سيؤدي حكما لإرباكه، في ظل وجود أكثر من مليون ونصف المليون سوري على الأراضي اللبنانية، كما أن تيار المستقبل لا يريد أن تضيع البلاد في غفلة من الزمن، وتلتهم نيران الفتنة أخضرها واليابس. في المقابل فإن التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، لم يعد بمقدورهما احتمال نتائج الفشل في انتخاب رئيس جديد للجمهورية، يُشكل ضمانة للمسيحيين وللبنانيين جميعا.

فالرأي العام المسيحي محبط الى حدود بعيدة، وبدأ الخوف يتسلل الى أفكار الكثيرين منهم بعد المشاهد التي رأوها في سورية وفي العراق. وهذا الرأي العام، لا يعفي القوى الأساسية على الساحة المسيحية من المسؤولية عن استمرار الفراغ الرئاسي، لاسيما القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر اللذين يقدمان مرشحين مختلفين لمنصب رئاسة الجمهورية، وكل منهما لا يتنازل للآخر، للوصول الى مرشح يرضي الفريقين، ويبعث على الاطمئنان في صفوف المسيحيين.

خصوصا أن جمهورا واسعا من اللبنانيين يرى: ان الوقت ليس لتحقيق الطموحات الشخصية - ولو كانت مشروعة - بل ان صعوبة الأوضاع الاقتصادية والأمنية، والتعقيدات الإقليمية والدولية، تقتضي تجاوز الاعتبارات الشخصية، وتقديم مصلحة البلاد على أي اعتبار آخر.

Bookmark and Share

comments powered by Disqus