«حزب الله» يضرب إسرائيل في المزارع ولبنان «يحبس أنفاسه»

الراي 2015/01/30

بدا لبنان امس وكأنه على حافة حرب جديدة مع اسرائيل بعدما اختار «حزب الله» الردّ على عملية القنيطرة، التي استهدفت موكباً من كوادره والحرس الثوري الايراني قبل عشرة ايام، من جنوب لبنان في عمليةٍ نوعية وموجعة طاولت موكب آليات عسكرية اسرائيلية في منطقة مزارع شبعا المحتلة وأوقعت قتيلين و7 جرحى بين الجنود الاسرائيليين.

وازدحمت مع «اندفاعة النار» المفاجئة على الحدود اللبنانية - الاسرائيلية مجموعة من الاسئلة التي تمحورت حول المدى الذي قد يبلغه الردّ الاسرائيلي وسط «النبرة العالية» بين الدولة العبرية و«حزب الله»، وفي ظل تعقيدات داخلية اسرائيلية ولبنانية متزامنة مع لحظة اقليمية خطرة، وهو ما رفع منسوب المخاوف من ان ينفجر «برميل البارود» في جنوب لبنان.

وجاءت عملية «شهداء القنيطرة» في مزارع شبعا، والتي بدا فيها «حزب الله» وكأنه «يدوْزن» الرد على غارة القنيطرة، عشية اطلالة امينه العام السيد حسن نصرالله غدا، حيث من المتوقّع ان يقول كلاماً فحواه انه «لا يمكن لاسرائيل القفز فوق قواعد الاشتباك التي يجب ان تُحترم، وان قتل عناصر الحزب غير مباح والا فان اسرائيل تستطيع قتل من تشاء وحين تشاء، وهو الامر الذي لا يمكن السماح به».

وعلمت «الراي» ان «حزب الله الذي كان مصمّماً على الردّ على اغتيال كوادره في القنيطرة قبل اطلالة نصرالله، عمد الى حرف الأنظار عما يحضّر له في مزارع شبعا عبر إطلاق صواريخ من القنيطرة على الجولان المحتل اول من امس، فيما جاء الرد من حيث لا يتوقع الاسرائيلي، اي في مزارع شبعا حيث كمن مقاتلوه لدورية اسرائيلية مؤللة مؤلفة من تسع آليات كانت تجوب منطقة المزارع المحتلة.

واكد الجيش الاسرائيلي في بيان مقتل جنديين واصابة سبعة آخرين عندما «ضرب صاروخ مضاد للدبابات مركبة (عسكرية)» في منطقة مزارع شبعا.

وفي معلومات«الراي»ان العملية بدأت بتفجير عبوة مموهة بدورية اسرائيلية، اعقبها اطلاق صواريخ موجهة مضادة للدبابات من نوع«9M113 كورنيت»، فأصاب الاهداف التسعة في اطار العملية المركبة والبالغة التعقيد، التي أعقبها«حزب الله»بإصدار البيان رقم واحد، الذي تبنى فيه العملية، موحياً بالاستعداد لاصدار بيانات اخرى في حال«اشتعلت الحرب»، علماً انه وضع قواته وعناصره في جهوزية كاملة تحسباً لاي رد اسرائيلي واسع، معلناً التعبئة العامة في صفوفه، ومخلياً مكاتبه العلنية.

وجاء في بيان«حزب الله»الذي اتّسم بلغة حربية انه«عند الساعة 11.25 من صباح هذا اليوم (الاربعاء)، قامت مجموعة شهداء القنيطرة الأبرار في المقاومة الإسلامية باستهداف موكب عسكري إسرائيلي في مزارع شبعا اللبنانية المحتلة، مؤلف من عدد من الآليات، ويضم ضباطاً وجنوداً صهاينة، بالأسلحة الصاروخية المناسبة، ما أدى إلى تدمير عدد منها ووقوع إصابات عدة في صفوف العدو».

ولم يكد ينقشع غبار عملية مزارع شبعا، وهي الأكبر منذ حرب الـ 2006، حتى ساد حبس الأنفاس في لبنان، كما في اسرائيل، على وقع عملية قصف اسرائيلي لمناطق لبنانية محاذية للمزارع، ما ادى الى مقتل احد عناصر الوحدة الاسبانية في قوات اليونيفيل، مقابل استهداف«حزب الله»بالقصف مواقع اسرائيلية داخل المزارع.

وتوقّفت دوائر مراقبة في بيروت عند مجموعة مفارقات طبعت ردّ«حزب الله»على غارة القنيطرة، وابرزها:

* تعمد الحزب اختيار مزارع شبعا كونها محتلّة كمسرح للرد، اعتقاداً منه ان العملية تأتي في اطار«دفاعي»وتحت سقف«قواعد الاشتباك»المعمول بها، وإن كانت تجاوُزاً للقرار 1701 الذي انهى العمليات العسكرية في أعقاب حرب يوليو 2006.

* تفادي«حزب الله»، غير الراغب في استدراج اسرائيل الى حرب«يا قاتل يا مقتول»، الردّ المفرط او اسْر اي جندي حياً او ميتاً، لان من شأن ذلك«احراج»الاسرائيلي ودفْعه الى حرب واسعة، على غرار ما حصل في العام 2006 عقب عملية اسر جنود اسرائيليين في مزارع شبعا.

* إن اختيار«حزب الله»الرد من جنوب لبنان وليس من سورية، مرده، بحسب ما علمت«الراي»، الى اعتبار الحزب ان اي رد من سورية كانت ستتبعه ضربة اسرائيلية للقوات السورية (الامر الذي يشكل خلخلة لدفاعات النظام السوري)، ولهذا فانه عمد الى استهداف«مدروس»للدورية الاسرائيلية داخل مزارع شبعا باعتبارها ارضاً لبنانية محتلة، ولان لبنان في تقديره يستطيع ان يتحمّل ولان الحزب في كامل الجهوزية في حال أرادت اسرائيل ان تصعّد، علماً ان قريبين من«حزب الله»يؤكدون ان قواته الموجودة في سورية لا علاقة لها بتلك الموجودة في لبنان في مواجهة اسرائيل.

* شكل اختيار«حزب اللهالردّ في مزارع شبعا كمنطقة محتلة، مداراة للواقع اللبناني الداخلي الذي كان انبرى الى مطالبة«حزب الله»بالرد على عملية القنيطرة من سورية وليس من لبنان، وفي محاولة للحدّ من«التململ»الداخلي الذي يرى في عملية الحزب استدراجاً لخطر حرب لا قدرة للبنان على تحملها، واستمراراً في القبض على قرار الحرب والسلم في البلاد.

* عززت عملية مزارع شبعا ما كانت مصادر«حزب الله»تحدثت عنه عبر«الراي»قبل اشهر حين اشارت الى ان الخط الممتد من الجولان الى جنوب لبنان اصبح«جبهة واحدة»، وهو ما تجلى في انه تلقى ضربة في القنيطرة فردّ عليها في مزارع شبعا.

* اعتبار«حزب الله»ان عملية يوم امس جاءت في إطار«الحساب المفتوح»مع الاسرائيليين والذي يشتمل على سلسلة استهدافات قامت بها الدولة العبرية بينها اغتيال مسؤول الحزب حسان اللقيس اواخر 2013 واستهداف مستودعات أسلحة للحزب في جبل قاسيون ودمشق، علماً ان الحزب كان تبنى في اكتوبر الماضي تفجير عبوة ناسفة بدبابة«ميركافا»وضعت على الطريق قرب موقع للجيش الاسرائيلي في مزارع شبعا في عملية نفذتها»مجموعة الشهيد علي حسين حيدر«وهو العنصر في«حزب الله»الذي كان سقط في الخامس من سبتمبر، خلال محاولته تفكيك جهاز تنصت في خراج عدلون بجنوب لبنان فجّره الاسرائيلي عن بُعد.

وبدت الدوائر المراقبة في بيروت امس مشدودة ايضاً الى رصد السلوك الاسرائيلي الذي أعقب عملية»شهداء القنيطرة«، والذي طغت عليه المفارقات الاتية:

* إرباك استمر لساعات في تقديم رواية رسمية ونهائية عن العملية وعدد الاصابات في صفوف جنودها، وهو ما فُسر بان القيادة الاسرائيلية احتاجت لـ«المزيد من الوقت»لدرس خياراتها«الصعبة»التي يرتّب كل منها تداعيات سواء على الداخل او في المنطقة.

* تجلى مأزق اسرائيل في ضوء التقارير التي تحدثت عن خسائر موجعة في صفوف جيشها، في حين انها بدت بين خيارين: إما تجرُّع الكأس المُرة والاكتفاء بالردّ الموْضعي الذي حصل بقصف بعض القرى اللبنانية، وهو ما قد يجعل مستقبل بنيامين نتنياهو على المحك، وبين المجازفة برد واسع يمكن ان يجر الى حرب، سبق لاسرائيل ان ترددت طويلاً في الانزلاق اليها بسبب تعاظُم قدرات«حزب الله».

* صعوبة جنوح اسرائيل الى الرد على مواقع حيوية داخل لبنان، بعدما كان السيد نصرالله رسم سابقاً معادلة المرفأ بالمرفأ، المطار بالمطار ومحطة الكهرباء بالكهرباء.

غير ان اوساطاً سياسية لبنانية أظهرت قلقاً حيال امكانات الرد الاسرائيلي، وهي لم تستبعد اقدام نتيناهو على مغامرات لاسباب تتصل بالانتخابات المقبلة في اسرائيل او بـ»استياء» تل ابيب من المرونة التي تبديها الولايات المتحدة حيال ايران والاقتراب من ابرام اتفاق نووي معها.

Bookmark and Share

comments powered by Disqus