عشب النفوذ الإقليمي ينمو في قصر الرئاسة اللبنانية

الحياة 2015/02/16

عزت صافي

تسعة أشهر مرّت على الفراغ في قصر رئاسة الجمهورية اللبنانية وكأن الغائب المطلوب حضوره موظف من الدرجة الثالثة.

وكما يبدو في الوسط النيابي والسياسي العام، وكذلك بين الناس، فإن الأمور تسير على طبيعتها، ذلك إن اللبنانيين اعتادوا على العيش من دون رئيس جمهورية، ولهم من تجاربهم السابقة خلال العقود الأخيرة ما يعينهم على تدبير أمورهم بالتي هي أحسن... إن أمكن.

تسعة أشهر من الفراغ المعنوي يملؤه الناشطون السياسيون بنظرياتهم وتوقعاتهم، فيما الوزراء والنواب يتابعون اجتماعاتهم ومشاوراتهم وتصريحاتهم، والخلاصة التي تتكرر: هناك أمل بالتوافق على مرشح للرئاسة يُرضي الجميع، ويرضى عنه الجميع، ولا مصلحة للبنان بالاستعجال تجنباً للوقوع في ما هو أدهى.

اللبنانيون يعلمون ما هو الأدهى. فهم الذين ذاقوا ويلات الحروب الداخلية نتيجة لصراعات الذين يملكون سلطة اختيار الرئيس، في الداخل وفي المحيط الإقليمي، وصولاً الى الأبعد.

ومع ذلك تُستعاد اللعبة اللبنانية الخطرة تحت شعارات الديموقراطية، ويستمر اللبنانيون على النمط الذي صار من طبيعة حياتهم. فهذا النوع من فضيلة التسامح وخيبات الأمل جعلهم شعباً مميزاً في تحمّل الضيم والصبر على من يكون السبب. وأكثر من ذلك الحرص على بقائه واستمراره نائباً، وحاكماً، ومصلحاً. ودائماً باسم «قضية» لا تعلو عليها قضية أخرى.

يتذكر من بقي من اللبنانيين والموفدين العرب زمن الفراغ الرئاسي (بين 1989 - 1991) حين كانت للبنان حكومتان بدل حكومة واحدة: حكومة الجنرال ميشال عون في قصر بعبدا، وحكومة الرئيس سليم الحص في السرايا. خلال تلك المرحلة تعايش اللبنانيون مع ما كان يُسمى «بوسطة المراسيم النقالة». كانت «البوسطة» عبارة عن شرطي درّاج يحمل الى بعبدا مراسيم «حكومة السرايا» لتوقيعها، ويعود الى السرايا حاملاً مراسيم «حكومة بعبدا» لتوقيعها. تلك كانت تجربة لما سُمي في ذلك الزمن «نظام الفيديرالية» على الطريقة اللبنانية. ومن حسن حظ لبنان في هذا الزمن أن له حكومة واحدة موحدة بين يمين ويسار ووسط ومتطرف ومعتدل، برئاسة رجل سياسي حكيم تمكن، حتى الآن، من إدارة كل ما في الحكومة من تناقضات ومشاكسات في فصل إقليمي ودولي عاصف بالحروب والفتن والفوضى.

لكن، إلى متى يستطيع الرئيس تمام سلام أن يبقى صامداً ممسكاً بخيوط اللعبة، متحركاً على أرض مزروعة بالألغام من داخل ومن خارج؟

هذه ليست حال الرئيس سلام وحده. بل هي حال جميع اللبنانيين كيفما توزعوا على طوائف ومذاهب وأحزاب وجمعيات أهلية. جميعهم يعتادون العيش من دون رئيس جمهورية في قصر بعبدا، وهناك ينمو حالياً «العشب البري» الطالع من بذور النفوذ الإقليمي والخارجي، مدعوماً بعون داخلي، متنوع العناصر المضادة لعوارض القرار الوطني اللبناني الحر المستقل.

هي محنة جميع اللبنانيين، إذلم يبق معنى للديموقراطية وحرية الرأي والقرار، علماً أن الخلافات السياسية والحزبية بين المسيحيين لا تقلّ عنها بين سائر اللبنانيين. المشكلة هي في «التبعية» لمن يوفّر الدعم الانتخابي، المادي وغير المادي، في الداخل، وفي الخارج.

على هامش هذا الدوران في الفراغ الرئاسي يتطوّع أصدقاء أجانب للبنان، صادقون ومخاتلون، للمساهمة في تسهيل حل الأزمة، فيقولون لأركان اللعبة السياسية والنيابية في بيروت: نحن نقوم بالدور المساعد والمساند لجهودكم من أجل التوافق على انتخاب رئيس جديد لجمهوريتكم، لكننا لا نستطيع أن ننوب عنكم بانتخاب الرئيس.

... هذه وجبة جاهزة ودائمة من حواضر الكلام الديبلوماسي يردّدها سفراء الولايات المتحدة الأميركية، ودول الاتحاد الأوروبي، وروسيا... حتى السفير الإيراني والسفير السوري في بيروت يتطوعان لهذه المهمة.

لكن، مع الوقت الدستوري الثمين الذي يمضي، ينمو عشب النفوذ الإقليمي في فراغ القصر الجمهوري بعناية جهات لبنانية تتولى حراسة الطريق الى بعبدا، وقد لا تسمح بالعبور لمن لا يحمل ورقتها.

هي أزمة وطن وشعب، وليست أزمة زعيم او طامح للرئاسة من أصحاب الحق الدستوري. لكن يبقى لبنان الوطن هو الأهم من الرئاسة والرئيس، ومن كل الوزراء والنواب والزعماء الى أي طائفة انتموا... هذا حق وطني لكل لبناني مقيم أو مغترب. وهذا ما يردده ويتوافق عليه الجميع، وإن بالكلام الصالح للاستهلاك اليومي، وخلاصته: لا بدّ من رئيس... إنما ليس أي رئيس.

بين محفوظات القصر الجمهوري الفارغ في بعبدا ورقة مطبوعة باللغة الإنكليزية تتضمن النص التالي:

«إنه لمن دواعي سروري البالغ أن أستقطع هذا الوقت للقاء الرئيس اللبناني العماد ميشال سليمان، خصوصاً أنه قد أظهر قيادة استثنائية في أوقات عصيبة مرّ بها لبنان، وتمرّ بها المنطقة. إننا نقدّر له شجاعته وتصميمه على الحفاظ على استقرار لبنان ووحدته...

السيد الرئيس، إننا نثني على كل الجهود التي تقوم بها، لا سيما إننا دعونا الجميع في لبنان إلى عدم الاقتراب من النزاع في سورية.

«السيد الرئيس، نؤيدكم وندعمكم بشدّة من أجل الحفاظ على استقرار ووحدة لبنان، ونرجو منكم أن تشعروا بثقة تامة بأننا سنعمل في شكل جاهد، ليس فقط معكم، وإنما مع الأسرة الدولية من أجل دعم لبنان في هذه الظروف العصيبة، والحؤول دون تدفق النزاعات عبر الحدود».

هذا الكلام لرئيس دولة ليست من فئة «الدول النامية». إنه كلام رئيس الولايات المتحدة الأميركية باراك أوباما، قاله في افتتاح مؤتمر المجموعة الدولية لتأمين الدعم الدولي الســـياسي والاقتـــصادي للبنان، ودعم الجيــش اللبــناني، إضافة إلى الدعم اللازم لاستيعاب اللاجئين السوريين... ذلك المؤتمر عقد في مقر الجمــعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 24 أيلول (سبتمبر) 2013 وكان الرئيس سليمان حاضراً.

هي شهادة من الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي أخطأ كثيراً بحق لبنان خلال ولايته، ولا يزال أمامه وقت لتصحيح خطأه. فلبنان الموصوف في الغرب بأنه «بقية الديموقراطية الباقية في الشرق» مهدّد بزوال ما هو أكبر وأهم من معنى الديموقراطية. إنه الكيان اللبناني المتنوع المدني. ولقد كان الرئيس ميشال سليمان خلال ممارسته سلطاته الأمين المؤتمن على ما بقي من ديموقراطية لبنان. وهو الرئيس الوحيد في تاريخ لبنان المستقل الذي شوهد على شاشات التلفزيون في لبنان والعالم مغادراً قصر الرئاسة في بعبدا، في الدقيقة الأخيرة من ولايته منتصف ليل 24-25 أيار (مايو) 2014، مودّعاً من حرس القصر، تاركاً مكتبه نظيفاً مرتباً.

إنها واقعة وطنية تدعو إلى التساؤل: هل يُعاد انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية فيكمل مهمّة بدأها قبل ست سنوات اختبر خلالها أزمة لبنان وسبل معالجتها لمنع الكيان اللبناني من الانهيار.

إذا كان التجديد للرئيس خطيئة دستورية فقد ارتكبت المجالس اللبنانية السابقة هذه الخطيئة ثلاث مرات، وفي كل مرة كانت الخطيئة تجر على لبنان مصيبة بعد مصيبة.

لكن مع هذا الوضع اللبناني الخطير سيكون تعديل الدستور لإعادة انتخاب العماد ميشال سليمان مكرمة وطنية... إنه الحل الذي قد يرضي الجميع، مع إعادة التأكيد على «إعلان بعبدا».

ثم إنه الحل الوسط الذي يمكن أن يتوافق عليه المختلفون منذ تسعة أشهر، وليس في الأفق بوادر للتوافق على حل آخر.

وقد يعتذر الرئيس سليمان إذا سئل، لكنه في التربية والنشأة عسكري. والعسكري لا يستطيع أن يرفض أمراً بخدمة الوطن.

 

 

* كاتب وصحافي لبناني

.

Bookmark and Share

comments powered by Disqus