رسالة الحريري الحازمة إلى “حزب الله”: لبنان ليس ورقة في لعبة إيران الإقليمية

السياسة 2015/02/17

لا يمكن فصل خطاب رئيس “تيار المستقبل” سعد الحريري ومواقفه في ذكرى استشهاد والده, عن معاني حضوره شخصياً للاحتفال السبت الماضي, خلافاً للسنوات السابقة. فالتوقيت بالغ الأهمية, من حيث الظروف الاستثنائية التي يمر بها لبنان وسط المحيط الإقليمي المتفجر. والحضور هو بذاته رسالة إلى جميع المعنيين: فهو من جهة تأكيد للمناصرين والمحازبين والحلفاء بأن المرحلة تتطلب من قوى “14 آذار” رص الصفوف وشحذ الهمم, لمواجهة المشاريع التي تهدد لبنان ووجوده, ومن جهة ثانية رسالة للخصوم وتحديداً “حزب الله”, بأن قرار مواجهة مغامراته المجنونة جدي للغاية.
هذا التوقيت حساس للغاية, فهو يأتي بعد التصعيد الخطير بين إسرائيل وما يسمى “محور الممانعة”, في الجولان ومزارع شبعا, الذي أعلن بعده الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصر الله, أن قواعد الاشتباك في المنطقة سقطت, ما يعني أن لبنان أصبح جزءاً من المعركة الإقليمية المفتوحة في المنطقة, بغض النظر عن مصلحته الخاصة بالنأي بنفسه عن حرائق الإقليم.
وإزاء التحدي الذي أطلقه نصر الله وأربك قوى “14 آذار”, وجب أن يكون لزعيم هذه القوى موقف قوي وحازم, بأن الساحة ليست متروكة ليلعب بها كما يشاء, وهذا ما أعلنه بوضوح الحريري مخصصاً قسماً من خطابه للوضع الإقليمي, خصوصاً لمسألة إدخال لبنان في سياسة المحاور.
ومن جهة أخرى, ثمة نقطة هامة وجب توضيحها حتى لا يُخطئ أحد في فريق “8 آذار” قراءتها, وهي الحوار القائم بين “تيار المستقبل” و”حزب الله”. فالحريري كرر تأكيد المسلمات الوطنية الأساسية, سيما التمسك بعدالة المحكمة الدولية وبانسحاب الحزب من سورية وبنزع السلاح غير الشرعي, في الوقت الذي يجري فيه الحوار لتنفيس الاحتقان المذهبي. وإذا كانت الأمور الستراتيجية متروكة إلى حينها, وتحديداً مصير ترسانة السلاح الثقيل في مواجهة إسرائيل, فإن الحريري أوضح أن مسألة سلاح ما يسمى “سرايا المقاومة”, وهو السلاح الذي يوزعه “حزب الله” على المناصرين في مختلف المناطق لفرض نفوذه فيها, هي مدرجة على جدول أعمال الحوار, لأن نزع هذا السلاح يريح الساحة الداخلية, ويحرم الحزب من ورقة ابتزاز في اللعبة السياسية.
على صعيد مكافحة الإرهاب, تحلى الحريري في خطابه بكثير من الواقعية السياسية, إذ دعا “حزب الله” إلى المساهمة في ستراتيجية وطنية لمكافحته. وعلى الرغم من أن الحزب مسؤول بتورطه في سورية عن استجلاب هذا الإرهاب إلى لبنان, إلا أن المصلحة الوطنية العليا, تستوجب أن تكون مواجهته على المستوى اللبناني عموماً, و”حزب الله” شريك في هذه المواجهة. وسبق لوزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق, أن عبر عن هذه المعادلة بطريقة أخرى, عندما وصف قتلى “حزب الله” الذين سقطوا خلال صد أحد هجومات “جبهة النصرة” على الحدود, بأنهم شهداء لأنهم سقطوا في الأرض اللبنانية, في حين يبقى الموقف الرافض لقتال “حزب الله” داخل سورية قائماً.
ومن ناحية ثانية, فإن الأزمة السياسية الداخلية المتمثلة باستمرار الشغور الرئاسي, باتت تهدد أيضاً وضع الحكومة التي تواجه محاولة جديدة لتعطيلها وشلها من قبل بعض فريق “8 آذار”. وهنا يشكل حضور الحريري الوازن محاولة لإنقاذ هذا الوضع, أولاً بالتعويل على تفاهم مع الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط, بالاستناد إلى قوة فريق “14 آذار”, وثانياً السعي إلى إنجاز تفاهمات, قد تؤدي إلى إنهاء الفراغ الرئاسي الذي يشكل المدخل الوحيد لعودة المؤسسات إلى عملها الطبيعي.
لا شك أن عودة الحريري ستحرك الكثير من المياه الراكدة داخلياً, وقد تساعد في حل الكثير من الملفات العالقة, إلا أن الدلالة الأهم للعودة وللخطاب الذي ألقاه في ذكرى “14 فبراير”, هي في البعد الستراتيجي. فالمشروع الإيراني يسجل نقاطاً في المنطقة, تريد طهران استثمارها في مفاوضاتها النووية الوشيكة الشهر المقبل. وهي تريد أن يكون لبنان نقطة إضافية تربحها في لعبة الابتزاز مع الغرب, إلا أن في هذا البلد قوى تمثل غالبية اللبنانيين, ترفض هذا الرهن وترفض أن يكون لبنان مجرد ورقة ابتزاز إقليمية, وهذه القوى ستقاوم بكل الوسائل لمنع إلغاء “وطن الأرز”, استناداً إلى قواها الذاتية وإلى دعم الأشقاء العرب, في الخليج خصوصاً, والأصدقاء في العالم. وقد حضر الحريري إلى بيروت ليقود هذه المواجهة المصيرية.

Bookmark and Share

comments powered by Disqus