مصادر فرنسية رسمية: «الخطورة في التعود على الفراغ» في لبنان.. ونسعى لحشد الدعم الدولي والإقليمي

الشرق الأوسط 2015/02/25

باريس: ميشال أبو نجم

تعترف الدبلوماسية الفرنسية بأنها «لا تملك عصا سحرية» لإخراج أزمة الفراغ الرئاسي في لبنان من الطريق المسدود، رغم الجولات الجديدة التي قام بها مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى لبنان وإلى الأطراف المعنية مباشرة بأزمته، وعلى رأسها أطراف 3 هي الفاتيكان والسعودية ولبنان. وأسفت باريس، كما قالت مصادر رفيعة المستوى في لقاء ضيق أمس، لأن اللبنانيين «لم ينجحوا حتى الآن في اغتنام فرصة لبننة الاستحقاق الرئاسي» لأنه للمرة الأولى ربما في تاريخ الجمهورية اللبنانية «ليس هناك طرف قادر على فرض الرئيس الذي يريد لأن اللعبة عادت إلى لبنان رغم أهمية وتأثير العوامل الإقليمية والخارجية».
ورغم الإخفاق، لم «ولن» تنفض باريس يديها من الأزمة اللبنانية ليس فقط «لأسباب عاطفية وتاريخية وللعلاقات الخاصة» التي تربط البلدين بل لأن فرنسا، بعد 9 أشهر من الفراغ الرئاسي: «خائفة على أمن واستقرار وسيادة لبنان وتوازنه الداخلي في محيط مليء بالأزمات المستفحلة». ولذا، تقول المصادر الفرنسية الرسمية إن «الخطورة تكمن في التعود على الفراغ» في أعلى الهرم المؤسساتي اللبناني الذي هو «رمز وحدة البلد» كما تنبه من الشلل الذي يضرب عمل الحكومة بسبب آلية اتخاذ القرارات داخل مجلس الوزراء وما له من تأثير على برامج التعاون الخارجية ومنها الفرنسية مع لبنان.
إزاء هذا الوضع المعقد، تجهد باريس لأن يبقى خيط التواصل قائما مع جميع الأطراف الداخلية والخارجية والسعي لأن تكون الانتخابات الرئاسية «نتاجا لبنانيا»، مع التنبيه سلفا إلى أن باريس «ليس لديها مرشح ولا فيتو على أحد»، ما يعني ضمنا أن الهجوم الذي يستهدف مهمة «الوسيط» الفرنسي في بعض وسائل الإعلام المحلية سببه «الارتباط بمصالح أجنبية».
العقدة اليوم في الانتخابات الرئاسية مزدوجة: وجهها الأول، اسمه انقسام المعسكر المسيحي وعجزه عن التوصل إلى مرشح توافقي ووجهها الثاني «مركزية» شخصية العماد ميشال عون، رئيس التيار الوطني الحر الذي يرى أنه الأجدر بالرئاسة لأسباب معروفة وأنه «لن يتنازل» عن دوره هذه المرة كما فعل في الانتخابات الرئاسية الماضية. وتقول باريس إن الأطراف الداخلية من سنة وشيعة والخارجية «إيران، السعودية، الفاتيكان...» تعتبر أنه «يعود للمسيحيين» أن يتفقوا على مرشح وفي حال تم ذلك سيفتح الباب للانتخابات. وما بين الخارج الذي يلقي الكرة في ملعب الساسة اللبنانيين والداخل العاجز عن الاتفاق، ما هي «الوصفة» الفرنسية؟
تقول باريس إن الحل هو في العودة إلى الدستور وتحديدا إلى البند 49 منه الذي يقول إن الانتخاب يتم بالثلثين في الدورة الأولى وبالأغلبية المطلقة في الدورات التالية. وتشير باريس إلى أن قاعدة حضور ثلثي النواب «وهو ما يعطل عمليا الانتخاب» غير موجودة في الدستور وإنما هي عرف. لذا، تدعو فرنسا النواب إلى العودة إلى الدستور والمؤسسات «أي البرلمان تحديدا»، ومباشرة السعي لانتخاب رئيس في جولات متلاحقة وترك اللعبة النيابية تأخذ مجراها إذا كان متعذرا على عون أن يجمع الأكثرية المطلوبة أو أن يقبل دعم مرشح آخر.
خلال جولته الأخيرة في المنطقة ولقاءاته في بيروت، لم ينجح الوسيط الفرنسي في «تسويق» فكرته باعتبار أن: «المسؤولين الرئيسيين ليسوا جاهزين لهذا المخرج». كما أن «الطريقة الأخرى» التي يمكن أن «تعيد فتح اللعبة»، أي أن تقبل 14 مارس (آذار) بعون رئيسا أو أن يتنحى الأخير لمصلحة مرشح آخر، لم تتحقق بعد. وطالما أن الأطراف الخارجية تلقي بالكرة في الملعب الداخلي وترمي عليه المسؤولية وطالما أن الأطراف الداخلية تتذرع بالضغوط الخارجية والمصالح الإقليمية المتناقضة، فإن أزمة الفراغ ستبقى تراوح مكانها. وتنبه المصادر الفرنسية إلى أن اللعبة الداخلية «أكثر تعقيدا» مما يصوره البعض من تبعية العلاقة بين إيران وحزب الله وطبيعة الأحلاف السياسية الداخلية في لبنان. وتعتبر باريس أن من يراهن على تغير في المقاربة الإيرانية للأزمة الرئاسية من خلال ضغوط من طهران على حزب الله للتخلي عن عون، إنما «يجافي الصواب لأن الرد الإيراني هو أنه لا سبب يدعونا لأن نفرض عليه التخلي عن أحلافه أو القبول بمرشح ما». وفي المحصلة، فإن طهران تقول لباريس إن تفاهمها مع حزب الله هو «قبول مرشح المسيحيين إذا قبل عون بالتراجع»، وهذا لم يحصل وربما لن يحصل قريبا.
وفق هذه الرؤية، يبدو أمر الحل والربط بيد العماد عون لأنه فرض نفسه «مرشحا مركزيا»، ولأن طبيعة الأحلاف السياسية التي أقامها: «خصوصا مع حزب الله»، وفرت له هذا التموضع، ناهيك عما توفره وشائج التحالفات الإقليمية لحلفائه. ولذا، فإن الحل «لم ينضج بعد». ولكن رغم الصعوبات والتردد اللبناني، لم تتخل باريس عن تصورها للمخارج والحلول، وهي تسعى، بحسب مصادرها، لحشد الدعم الدولي «الأوروبي والأميركي والفاتيكاني» والإقليمي «السعودي والإيراني والعربي»، لهذا التصور، آملة أن العوامل التي ساعدت على إخراج الأزمة الحكومية من عقالها يمكن أن تساعد على جمع النواب وحملهم على ملء فراغ قصر بعبدا وانتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية.

Bookmark and Share

comments powered by Disqus