بانتظار رئاسة لن تصل عون: أوهام آخر الحلم

الشراع 2015/03/16

أحمد خالد

الرابية تقطن حالة مسيحية غير مسبوقة: معمر في السن يمارس ((سياسة الانتظار)), وكعسكري يهدم الملاجئ؛ على اعتبار ان رئاسة الجمهورية تعتبر آخر ملجأ (أقله معنوياً) لمسيحيي الشرق. معمر يسمع بواسطة عينيه التي لا ترى إلا ما يحب.
الكاتب الاميركي اللاتيني غابرييل غارسيا ماركيز الحائز على جائزة نوبل للأدب، كتب رواية بعنوان ((ليس لدى الكولونيل من يكاتبه))، وهي تحكي قصة ضابط تقاعد، وظل لسنوات طويلة قابعاً في منـزله النائي، ينتظر أن يصله بالبريد تعويضه المالي. ولكن ذلك لم يحصل. ويستنطق ماركيز بطل روايته حينما يعلق على كل انتظاره الطويل قائلاً: ((هراء.. هراء)).
الجنرال عون في مشهده الحالي يشبه بطل قصة ماركيز الغارق في الانتظار.. والخاتمة المنتظرة لانتظاره الطويل لنيل رئاسة الجمهورية, وهي تعويضه السياسي من وجهة نظره، ستكون أغلب الظن، موازية لعبارة: ((هراء.. هراء)).
تنطبق على عون الكثير من الملامح النفسية والمادية لبطل شخصية رواية ماركيز: الكولونيل العصبي وبالغ السن التقاعدي والممعن بالانتظار على نحو يجعل مشهده مملاً حتى لأقرب المقربين منه، وأيضاً الرجل الذي لا يمل عادة الذهاب يومياً، ومع بزوغ كل صباح، الى مكتب البريد ليتفقد ما إذا كان وصل تعويضه، تماماً كحالة عون الذي لا يمل مع كل صباح تفقد أسهمه في بورصة الترشيحات للرئاسة، والسعي لحوارات قد تخبئ له مخرجاً يؤدي به الى قصر بعبدا.
وكولونيل ماركيز مثله مثل جنرال الرئاسة، يبالغ بميله للإستماع الى نفسه وذلك على شكل حوار بين ((الأنا)) حينما ترتدي ((بيجاما)) النوم و((الأنا)) حينما ترتدي الثوب العسكري المزين بالرتب العالية. ويكاد هذا النوع من الحوار مع الذات، يكون هو كل محاضر فعالياته في زمن عمره المتقدم والمتسم بهاجس انتظار مستقبله.!!
يروق للجنرال عون سماع أخبار شخصيات وصلت إليها الرئاسة وهي في عمر الثمانين. هؤلاء هم الفيتامينات التي يتناولها مع أدويته لتحصين نفسه بالصبر على الوقت الثمين جداً الذي يصرفه هذه الأيام بانتظار ان تصل إليه رئاسة تأخرت كثيراً.

الشمعة الثمانون
قبل أيام أطفأ الجنرال عون شمعة ميلاده الثمانين في بيت الوسط بضيافة الرئيس سعد الحريري. يشبه هذا الاحتفال عيد ميلاد أصغر أطفال العائلة. الهدايا وقالب الحلوى والتصفيق براحات الأكف والشموع المضاءة، كلها إشارات الى ان المحتفى بميلاده ما يزال يحتاج لرعاية رب العائلة ولتقديمات تحقن مزاجه بمصل التهدئة وتقبل إجباره على كتابة فروضه المدرسية.
وإذا كان السجن ترك في ملامح سمير جعجع النفسية ندوباً ليس سهلاً عليه علاجها بالكامل، فإن النفي أيضاً ترك في عون ندوباً مماثلة. ومن الصعب تخيل رؤية المنفي السابق والسجين السابق في حالة استرخاء تسمح لهما بحوار هادئ وخالٍ من عقدة تحميل كل منهما الآخر مسؤولية ما حدث له. صعب على عون الذهاب لحوار مع جعجع من دون ضمانة بأن الأخير يقر بداخله انه أخطأ معه وانه مستعد لتصحيح خطئه وتعويضه عنه. والتعويض هنا هو التسليم له بنيل الرئاسة الاولى.

بين عون وإده
جوهر القصة عند عون هو انه مقتنع بأن الرئاسة حقه، وان وصوله إليها هو أمر لا علاقة له بالآليات الديموقراطية. صحيح ان كثيراً من الشخصيات المارونية راودتها خلال فترة طويلة من حياتها، أحاسيس ان رئاسة الجمهورية حقها وعلى رأس تلك الشخصيات ريمون إده الذي كان يعتقد ذلك بقوة. لكن الصحيح أيضاً ان العميد إده كان يعتقد بقوة أيضاً ان حقه المعنوي بالرئاسة لا يعني ان له حقاً على الديموقراطية التي لها منطقها ولها موقعها المقدس في نقل السلطة والكراسي من شخص لآخر. وهنا يكمن الفرق بين عون الذي يعتبر ان لا آلية فوق آلية وصوله للرئاسة وبين إده الذي يعتبر ان لا آلية فوق آلية الديموقراطية لوصوله لرئاسة يرغب بها ويريدها. وبمقابل قول كولونيل ماركيز بعد ان تم حبس تعويضه عنه: هراء، فإن إده قال بعدما خاب ظنه بالرئاسة: انها لأصحاب الحظوظ وليست لأصحاب العقول. ترى ماذا سيقول عون غداً عندما يخيب آخر أمل له بالرئاسة!؟. هل سيتصرف بأسلوب صرخة الجبار شمشون: من بعدي الطوفان؟
ثمة فكرة متداولة كثيراً داخل كواليس مارونية يهمها إنتاج حل لأزمة الرئاسة الاولى, تقول يجب عدم استفزاز عون في قضية رئاسة الجمهورية. بمعنى آخر: يجب مساعدته على النـزول عن الشجرة.
في بكركي هذه الفكرة موجودة. وقد يكون الاحتفاء بعيد ميلاد عون في بيت الوسط هو نوع من محاكاة هذه الفكرة. القناعة هنا تفيد بأن غضب عون في موضوع رئاسة الجمهورية مؤذ للبلد وللمسيحيين بشكل خاص، تماماً كما كان غضبه في آخر مشهد من فصول الحرب الأهلية، مؤذياً للمسيحيين ولمستقبلهم داخل كعكة السلطة في لبنان. وعليه, فإن المطلوب مداراة غضبه وهو في طريقه الى تقبل فكرة ان الرئاسة لن تصل إليه.
.. أكثر من ذلك، تقول هذه القناعة ان لبنان في وضعه الراهن حيث الامن يدار بمعيار الحد الأدنى والسياسة تدار بمعيار الحد الأدنى، لا يحتمل هزيمة عون أو إنتاج رئيس للجمهورية على حساب ظنه بأنه انهزم في معركتها. يجب احتساب العواقب العونية ذات الصِّلة بإمكانات حزب الله. قد ينطوي هذا التقدير على شيء من المبالغة، ولكنه بلا شك يقدم صورة واضحة عن علاقة عون بعشيقة حبه الخالد وعلاقته بآخر أحلامه المتخيلة.

منفى باسيل
لا شك ان صهره الوزير جبران باسيل له مكانة المؤثر داخل سباق عون مع نفسه لنيل ((آخر الحلم)) وليس ((آخر حلمه)).
باسيل لديه منفى أيضاًَ، وهو ان دائرته الانتخابية نفته عن نيله تمثيلها في مجلس النواب. يستطيع باسيل ان يصبح وزيراً وسوبر وزير وحتى ربما رئيساً للجمهورية بعد حين، ولكنه لن يستطيع - لا الآن ولا غداً كما بالأمس- أن يصبح نائباً عن قضائه ومسقط رأسه. باسيل منفي عن قضائه، ولهذا مردودات نفسية داخل بلد كلبنان له مواصفات القرية السياسية. ويشبه باسيل داخل هذه المعادلة ساحراً يصدق الجميع أعماله الخارقة، ولكن مشكلته انه هو عينه، لا يثق بسحره ولا يصدق نفسه بأنه يأتي بالمعجزات. وهذا هو منفى باسيل الداخلي الذي يترك على سلوكه مزاجية وعصبية ورغبة بأن لا يترك لغيره أية صلاحية أو تمثيل داخل التيار، الامر الذي جعله غير محبوب من العونيين.
وعلى هذا فإن تعويض رئاسة الجمهورية الذي يطلبه عون كثمن لأغلبية نالها قبل عدة سنوات ولمنفى دفع اليه قبل عقود، يشاركه فيه باسيل كتعويض عن منفاه عن قضائه. والواقع ان السياسة حينما تصبح أداء نفسياً، تتحول الى نوع من المصارعة الرومانية أيام القيصر: فالمتصارعون مع الأسود الكاسرة لا يريدون النصر بل رؤية القيصر يتأثر بدمهم المسفوك فوق الحلبة. وفي حالة عون فإن القيصر هو عون ذاته والدم المسفوك هو نظرته للتعويض المطلوب عن منفاه الى باريس وعن منفى باسيل السياسي والتمثيلي عن مسقط رأسه..

Bookmark and Share

comments powered by Disqus