في لبنان... الْيَسار هل «فاته القطار»؟

الراي 2015/03/23

بيروت - من علي الحسيني

باستثناء التحرّكات المطلبيّة والاعتصامات التي تظهر بين الحين والآخر على الساحة المحليّة كالدعوة إلى إسقاط النظام الطائفي وإقرار قانون انتخاب جديد والمطالبة بالزواج المدني والإفراج عن بعض المناضلين من السجون، يبقى اليسار في لبنان اسماً مُغيّباً عن الساحة السياسيّة أو عن التداول الرسمي.

اليسار أو اليساريّة عبارة عن مصطلح يمثل تياراً فكريّاً وسياسيّاً يسعى لتغيير المجتمع إلى حالة أكثر مساواة بين أفراده. ويرجع أصل المصطلح إلى الثورة الفرنسية عندما أيّد عموم مَن كان يجلس على اليسار من النواب التغيير الذي تحقق عن طريق الثورة الفرنسية، ذلك التغيير المتمثل بالتحول إلى النظام الجمهوري والعلمانية. مع العلم أنه لايزال ترتيب الجلوس نفسه متبعاً في البرلمان الفرنسي.

عبثاً يحاول اليوم اليسار اللبناني بكل فروعه ركوب «الموجات» الجديدة او ما يُعرف بـ«المطالب السياسيّة الأساسيّة»، والتي غاب عنها لعقود من الزمن من دون أن يطوّر نفسه بشكل يجعله على تماس مع الأجيال الجديدة. يبحث عن حل يُمكن أن يُعيد إليه بعضاً من بريقه، لكنه سرعان ما يجد نفسه منغمساً بشكل أكبر بمشاكله وانقساماته، حتى أصبح يوجد في لبنان أكثر من جهة تدّعي تمثيلها الحصري لهذا الخط وحقّها الحصري بنبش الذاكرة ودغدغة شعور اليساريين القُدامى.

والأسئلة التي تطرح نفسها هي، أين أصبح اليسار اليوم ومن هي الجهة التي تُمثّله، وهل يوجد فعلاً يسار أم أن ما تبقّى لا يتعدى الذكرى الجميلة ومبادئ مكتوبة محفوظة في مستودعات؟

وباختصار شديد للحالة اليساريّة المتراكمة، يصح القول إن موقف اليسار بشكل عام أشبه بالعاجز عن توصيف أو تعريف مكامن الخلل في بنيته السياسية والفكريّة والاجتماعية. ويضاف الى ذلك عجز آخر عن تحديد الأسباب الفعليّة التي أوصلته إلى هذا الوضع و«الأعطاب» التاريخيّة التي منعته من التطوّر والاستمرار بنشاطاته الفكرية على أقل تقدير، بدل أن يرتضي لنفسه أن يُصبح مُلحقاً بهذا الفريق أو ذاك.

القيادي السابق في الحزب «الشيوعي اللبناني» والمفكر السياسي كريم مروة ميّز في حديث لـ «الراي» بين قراءة اليسار للبنان الماضي وبين لبنان الذي نعيش في شروطه وظروفه الصعبة، فيقول: «أول ما ينبغي أن يتسلّح به المناضل اليساري في هذا الزمن اللبناني الذي نحن فيه هو الفكر، رغم أن لامتلاك الفكر شروطاً لا بد من احترامها، وأوّلها التعامل مع الفكر على أنه ابن تاريخه وزمانه، فإذا كنتُ أعتبر أن على اليساري أن ينطلق من أفكار ماركس ومن مشروعه العظيم لتغيير العالم باسم الاشتراكية، فعلى هذا اليساري أن يقرأ بدقّة التغييرات التي أحدثتها حركة التاريخ في أفكار ماركس مثلما فعلت بكل فكر في التاريخ القديم والجديد».

ويعتبر المفكر السياسي اليساري، ابن رجل الدين الشيخ أحمد مروة، أن «اليسار الجديد ليس نقداً عدائياً، بل هو احترام للمتغيرات والتحوّلات التي حصلت وللظروف الجديدة في بلدنا. هكذا يكون اليسار جزءاً حقيقياً من الوطن ومن قضاياه ومصالحه ويكون عضواً فاعلاً في المجتمع مع سائر القوى السياسية والاجتماعية من كل الاتجاهات».

ومن هنا لم يعد مروة يرى أي ضرورة لاستخدام كلمة «شيوعي» أو «اشتراكي» بل استبدالها بكلمة يساري «لأنها اكثر تطابُقاً مع مجريات الأحداث مع الاحتفاظ بجوهر فكر كارل ماركس وما يحمله من قيم وحقوق أساسية للإنسان».

ومن خلال المرحلة الآنية التي نعيشها، يشير مروة إلى «أن الواقع المفجع يدل على أن أحزابنا اليسارية فشلت مشاريعها وتحولت رغم نضالاتها وتضحياتها وإنجازاتها قوى هامشية»، مضيفاً: «جميع الذين تصدّوا في بلداننا والعالم لقيادة حركة التغيير بأسمائها وتياراتها ومدارسها المختلفة، اليسارية، الاشتراكية والشيوعية منها واليسارية القومية والليبرالية، وقعوا في أخطاء فادحة انتهت بهم وبمشاريعهم إلى الفشل».

وهنا يدخل مروّة بشكل أوضح إلى عمق أزمة اليسار العربي على وجه التحديد ليقول: «اليسار عندنا لم يستطع أن يُجدد نفسه ويدخل في عصر التحوّلات الكبرى وفي شروطها ببرامج وأفكار جديدة وبأشكال نضال جديدة، ولا أن يدخل في علاقة مدروسة ومحسوبة مع القوى المتضررة من الرأسمال المُعوْلَم. لقد انهار الاتحاد السوفياتي، وانهارت معه التجربة الاشتراكية برمّتها بسبب الخلل الذي ساد وتفاقم، ولم توجد القوى التي كان يفترض بها أن تحاسب وترافق وتحدث التغيير في الاتجاه الأفضل والأصح مع شروط العصر ومع حاجات الناس. لكن اليسار العربي كان الأكثر تأثراً بالتراجع والأكثر تبلداً والأكثر نزوعاً إلى البقاء في صيغ الماضي والامتناع عن قراءة ما يجري في العالم من تحولات. وهكذا صار بكل مكوناته هامشيّاً وخسر مكانته التي كانت وضعته فيها نضالاته القديمة وتضحياته الكبرى والكثير من إنجازاته الفكرية والسياسية والاجتماعية».

ولمروّة قراءة أو فلسفة خاصّة تقول «المشروع اليساري لا ينتهي وهو مستقبل العالم». ولكن لليسار في رأيه «تاريخ لا يمكن لأي حدث أو مشروع أن يُنهيه لأن جوهر ما يُعبّر عنه اليسار هو ما طمح اليه المُفكّر كارل ماركس عندما قال: نريد تاريخاً للعالم ينهي أسس الظلم ويحقق استقلال الإنسان وان يصل العالم إلى يوم يُدير نفسه بنفسه». ويختم: «اذا كان أهل اليسار بأسمائهم المتعددة غير مدركين للحظة التي نحن فيها والمهمّات المطروحة أمامنا والتي هي جزء من المجتمع وليس المجتمع كلّه، يصبح هذا اليسار وللأسف غير موجود كي لا أقول كلمة أخرى».

من نافل القول إن اليسار واجه في تاريخه الكثير من المحطات الحرجة، والتي شكّلت دافعاً لإعادة التفكير بمنطلقات وصيغ جديدة تتلاءم مع المراحل الجديدة. ومن تلك المحطّات، صدمة المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي في العام 1956 والانقسامات التي حصلت فيه بين مؤيّد لفكر ستالين ومنتقد له، مروراً بربيع «براغ» عندما حاول الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي أن ينتهج خطّاً إصلاحياً، لكن المحاولة انتهت باجتياح قوات حلف «وارسو» للبلاد بقيادة الاتحاد السوفياتي، فضلاً عن انهيار الأخير في أوائل التسعينات من القرن الماضي.

ولكن هل لهذه المحطّات أو الانكسارات، كما يُسميها بعض أهل اليسار في لبنان، أي تأثير على اليسار عموماً الذي كان في إمكانه تطوير نفسه على غرار ما قام به حزب «سيريزا» اليساري اليوناني الذي فاز في الانتخابات الأخيرة بنسبة 35 في المئة بينما لم تتجاوز نسبة فوز الحزب الشيوعي اليوناني 3 أو 4 في المئة؟

نائب الامين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني سعد الله مزرعاني يرى في حديث لـ «الراي» أن «اليسار يمرّ اليوم بمرحلة حرجة بسبب الانتكاسة الكبيرة التي أصابت الاتحاد السوفياتي في أوائل التسعينات، إضافة إلى سبب آخر هو أن هذا اليسار الذي كان يُشكّل امتداداً للاتحاد السوفياتي، بقي يراوح مكانه في نطاق تجربته السابقة ولم يتمكّن من صوغ برنامج جديد وأطر ومفاهيم جديدة على صلة بتطورات المرحلة وما يتخللها من عصر الاكتشاف والمعرفة. كما ساهم ابتعاد اليسار عن القضايا الاجتماعية وحركات التحرّر الوطنية والعمّالية في تراجع شعبيّته لمصلحة القوى المهيمنة على القرارين الدولي والمحلّي».

وفي رأي مزرعاني أن اليسار اللبناني والحزب الشيوعي بشكل خاص، واجه هذه التحديّات أو الأزمة، ودخل في نقاش جدّي وعميق مع بداية انهيار الاتحاد السوفياتي «لكن هذا النقاش لم يتمكّن من صوغ رؤية موحدة حول سبب انهيار الاشتراكية، وانقسم المجتمعون بين رأيين أحدهما يقول إن الأخطاء بسيطة مقارنة مع الانهيار وتالياً يمكن تصحيحها، والثاني اعتبر أن القوى الخارجية لم تكن لتنجح في مشروعها لولا الأخطاء الكبيرة التي رافقت مراحل هذه التجربة الطويلة».

والسؤال عن وضع اليسار اليوم يقود مزرعاني إلى إجابة وحيدة هي «أن الحزب الشيوعي المعني الأول بالحركات اليساريّة هو مشروع سقط على يد المجموعة الجديدة، وذلك في ظل تعطيل المؤتمرات منذ ثلاث سنوات لغاية اليوم. وعلى اليسار كلّه إدخال تغييرات على برنامجه لجهة حريّة الفرد وتداول السلطة سواء داخل الحزب أو في المجتمع».

وحين نسأله: أين هي المؤسسات التي ناضلتم من أجل تحقيقها؟ يجيب: «قدّمنا في السابق مؤسسات كبيرة في العمل النقابي مثل: مؤسسة الضمان الاجتماعي والعمل النقابي، كما حقّقنا مكاسب بتحديد ساعات العمل، لكن الهيمنة السياسية الجديدة يومها سيطرت على مفاصل الحياة الاجتماعية. وهنا أخص بالذكر نقابة مزارعي التبغ التي كانت ناشطة بشكل فعّال، لكن بعد الحرب الأهلية تم إنهاء دورها وجرى اعتقال قيادتها ومن ثم تم فرض نقابة جديدة تتبع حتى يومنا هذا لإحدى المرجعيّات السياسية في البلد».

وفي ما خص الانشقاقات المستمرة في الجسم اليساري، يعتبر مزرعاني أنه «في ظل التحديّات التي مرّت على هذا الجسم، ما عاد أي من هؤلاء قادراً على استشراف مرحلة جديدة، حتّى الذين خرجوا من الشيوعي في لبنان وقوفاً إلى يمينه وليس إلى اليسار كما يدّعون».

ويعترف بأن الأحزاب الإسلامية أثرت بشكل كبير على اليسار «تماماً كما أثّر هو عليها، فهناك شعارات ومطالبات لم نستطع تحقيقها ومشاريع لم نتمكن من تنفيذها. وكل هذه العوامل شكّلت خطوة أساسيّة لانطلاقة الحركات الإسلامية. وهنا ايضاً لا يمكننا إلقاء اللوم على اليسار العربي فقط ما دامت المؤسسة الأم (الاتحاد السوفياتي) قد سقطت. أمّا في لبنان فقد انقسم اليسار بين يمين ويسار، فأضحى للمعارضة جناحها اليساري الخاص الذي يأتمر منها ويعيش من بركاتها، وللموالاة الأمر نفسه بحيث تخضع هي الأخرى إلى المعايير ذاتها، والمشكلة الكبرى أنه ورغم «التكويعة» أو الانعطافة السياسية ما زال الفريقان مصرّين على أنهما الجزء الأساسي من اليسار ليس اللبناني فحسب بل العالمي».

لا يخلو الحديث مع مرزعاني من توجيه بعض الانتقادات لرفاق له اعتبر أنهم أصبحوا على الضفّة الأخرى. فعلى سبيل المثال يسأل عن العقيدة التي تجمع النائب السابق إلياس عطالله، رئيس حركة «اليسار الديموقراطي»، برئيس حزب «القوّات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع ضمن تركيبة معينة، ويقول: «أفهم أن تحاور طرف لبناني من الندّ الى الندّ، وأفهم أن تجمع بينهما أفكار تتعلق بطبيعة المرحلة الراهنة، لكن ما لا أفهمه هو أن يصبح تابعاً له ويعيش تحت جناحيه لأسباب لم تعد أصلاً خافية على أحد».

لطالما ارتبطت الأحزاب والتنظيمات والحركات اليسارية في لبنان بالثورات وحركات التحرّر في العالمين العربي والغربي، إذ كان لبنان يمثل جزءاً أساسياً من اليسار العام لأكثر من ثلاثين عاماً قبل أن تعود هذه «الحركة» وتختفي عن الساحة المحليّة بفعل التقلّبات السياسيّة التي مرّت عليها في المنطقة ككل، لدرجة اعتقد البعض أنها في الأصل لم تكن سوى ظاهرة موقتة عفى عنها الزمن.

وعن ذاك الزمن يسرد الكاتب السياسي والقيادي السابق في الحزب الشيوعي يوسف مرتضى في حديث لـ «الراي» المراحل التي مرّ بها الحزب الشيوعي خصوصاً واليسار اللبناني عموماً منذ السبعينات من القرن الماضي والتي عُرفت بمرحلة النهوض العربي وحملت عناوين عدّة منها: الوحدة والقومية العربيّة وصولاً إلى شعار المطالبة بتحرير فلسطين وبروز حركة مطلبية للتغيير السياسي والاجتماعي في لبنان.

بداية يقول مرتضى: «تميّز الحزب الشيوعي اللبناني، وهو العمود الفقري للحركات اليسارية في لبنان، بخصوصية لبنانية لم تكن موجودة عند آخرين، واستطاع أن يؤسّس مع الشهيد كمال جنبلاط «الحركة الوطنية» التي شكّلت إطاراً واسعاً من التحالفات ضمّ إلى الأحزاب شخصيات وطنية وتقدمية عدة».

تطوّر الحلف مع جنبلاط الأب ليضم لاحقاً «منظمة العمل الشيوعي» وأحزاب علمانية أخرى مثل حزب «البعث العربي الاشتراكي» والحزب «السوري القومي الاجتماعي» حيث كان لهذا الحلف تأثير في الشارع ضمن إطار «الحركة الوطنية». هذا ما يؤكده مرتضى الذي يشير الى ان اليسار و«الشيوعي» على وجه الخصوص، كان لهما الدور الأبرز في تحرير الأرض من العدو الإسرائيلي من بيروت حتى الشريط الحدودي. لكنه يأسف كونه بعد توقف الحرب في لبنان، قامت معادلات إقليمية ودولية جديدة «علماً أننا اول مَن أطلق العمل المقاوم في لبنان وكبّدنا اسرائيل عدداً كبيراً من القتلى يصل إلى أضعاف ما تكبّدته لاحقاً».

ويضيف مرتضى: «كل إنجازاتنا جرى تَجاوُزها من قوى خارج اليسار ولا سيما بعد مرحلة انهيار الاتحاد السوفياتي الذي انعكس بدوره سلباً على موازين القوى التي ينتمي اليها (اليسار) اللبناني. وما زاد في (الطين بلّة) أن الوصي على لبنان (النظام السوري) بفعل اتفاق الطائف كان لديه برنامج سياسي لم يكن اليسار جزءاً منه. وأكثر من ذلك فقد اعتبر أن اليسار عائق أمام برنامجه هذا. وتالياً تم وضعه خارج الحل في الشقّين العسكري والسياسي ومنع عليه أن يكون صاحب موقع سواء في مجلس النواب أو في السلطة من خلال صيغ وتحالفات كان يديرها النظام السوري بنفسه».

وعن سرّ انكفاء «الشيوعيين» في تلك المرحلة يجيب مُرتضى: «هذه الممارسات وغيرها بحق الحزب وتحديداً بعد اتفاق الطائف كوّنت حالة من الاحباط لدى العديد من الرفاق استمرت لغاية اليوم، إضافة إلى عوامل داخليّة عدة لم يجرِ التعامل معها بمسؤولية من قيادة الحزب لبلورة خيار يُمكّن اليسار من أن يكون لاعباً أساسيّاً في صلب الحياة السياسية بدل أن يكون على هامشها».

ويُضيف: «طبعاً إلى هذه العوامل، هناك عامل آخر وهو تشتت الجامعة اللبنانية إلى فروع طائفية ومذهبية بعدما كانت هذه الجامعة الموحدة تُعتبر المولّد الأساسي لقوّة الحركة الوطنية كونها كانت تجمع كل شباب لبنان بكافة انتماءاتهم السياسية والمذهبية فضلاً عن كونها أيضاً منبراً للحوار والصراع الفكري والسياسي، قبل أن تُصبح على ما هي اليوم، مشرذمة بين الطوائف والمذاهب، وأقصد بذلك أن حركة التغيير الحقيقية تنطلق دائماً من إرادة الشباب».

يعترف مُرتضى بالأخطاء التي ارتُكبت داخل «الشيوعي» الذي لم يستطع في رأيه تخطّي أزمته: «حاولنا العام 1992 أن نقوم بمراجعة للتجربة السابقة وأن نُنتج برنامجاً جديداً للمرحلة الجديدة آخذين في الاعتبار المتغيّرات التي حصلت، لكن للأسف عجزنا مع الامين العام السابق للحزب الشهيد جورج حاوي عن التغيير في البنيّة الحزبيّة. وللأسف منذ انعقاد المؤتمر السادس ولغاية اليوم يتعامل البعض من قيادة الحزب الحالية بمنطق أن الانتقاد لمواقف القيادة يُصنّف عمالة وخيانة. وما حوّل العمل الحزبي إلى عمل (جهازوي) أن مخالفة رأي القيادة بات عقابها الفصل أو الطرد، وهذا امر اعتبره قصوراً في الوعي السياسي وعدم تحمل للمسؤولية وعدم ادراك لطبيعة دور الحزب».

ويعود مرتضى بالذاكرة إلى فترة الانسحاب السوري من لبنان في العام 2005 ومحاولات حاوي لاستعادة مكانة اليسار على الساحة اللبنانية، ويقول: «لم تستجب قيادة الشيوعي يومها لفكرة الذهاب إلى لقاء (البريستول) أو لملاقاة قوى (14 مارس) وذلك تحت حجج واهية متذرّعين بوجود رئيس حركة اليسار الديموقراطي يومها النائب السابق إلياس عطالله كونه كان خرج من عباءة الحزب الشيوعي. فهل من عاقل يتصرف بهذه الطريقة أمام خيارات وطنية واستراتيجية فيرهن مشاركته بهذا النشاط او ذاك بوجود شخص من عدمه؟».

ويضيف: «قبل ثلاثة أشهر طرح الأمين العام الحالي للحزب الشيوعي خالد حدادة مبادرة وصفها البعض بالجريئة كونها المرة الاولى التي يطرحها منذ تولّيه الأمانة العامة قبل عشرة أعوام، مع الإشارة إلى أن النظام الداخلي لا يسمح له بالترشّح سوى لدورتين مدة كل واحدة منها أربع سنوات، علماً ان المؤتمر استحق انعقاده قبل اكثر من عام ونصف عام».

وعن هذه المبادرة يقول مرتضى الذي يقود منذ العام 2005 مع آخرين من رفاقه حركة تحمل اسم «حركة الإنقاذ للحزب الحزب الشيوعي»: «نحن كحركة إنقاذ في الحزب كنا أعلنا مواقف في مرّات عدة من أجل جمع الشيوعيين، لكن القيادة لم تستجب لذلك. وقد تعاملنا مع مبادرة حدادة بجديّة تامة مع علمنا المسبق أنها قد تكون ناجمة عن مأزق جديد تعيشه القيادة الحالية ناجم عن صراع داخلي حول انعقاد المؤتمر ومن هو الأمين العام المقبل والقيادة المقبلة ولا سيما أنه في هذه الآونة برزت قوى معارضة جديدة داخل الحزب طالبت حدادة بالاستقالة والإسراع بتحديد عقد المؤتمر، وبالتالي من جهتنا نتعامل مع المبادرة بحسن نيّة بغض النظر إن كانت مناورة لتأجيل عقد المؤتمر أم لا، وذلك من دافع حرصنا على جمع الشيوعيين كمقدمة لجمع قوى اليسار من أجل حمل لواء التغيير في لبنان لمواجهة التحديات الراهنة التي يعيشها».

وفي معرض حديثه عن المقاومة ضد إسرائيل، يكشف مرتضى عن لقاء كان جمعه إلى جانب الشهيد حاوي مع الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله العام 1998 لطرح فكرة أو مبادرة الغرض منها تأمين غطاء وطني للمقاومة بعدما فشلت فكرة تأسيس «سرايا المقاومة» من تحقيق هذا الهدف.

وعن هذه المبادرة يقول: «المبادرة جاءت بعدما كان الحزب الشيوعي وأفرقاء في (جبهة المقاومة الوطنية) مُنعوا من العمل المقاوم، وجرى تجفيف ينابيع التمويل بقرار سياسي اقليمي ودولي ومحلي أيضاً، ما جعل المقاومة تتخذ منحى مذهبيّاً بعد إنحسار عملها بـ (حزب الله). وكانت فكرة المبادرة تنطلق من إعطاء بُعد وطني مجدداً للمقاومة خشية أن تبقى طائفية ومذهبية وأن تتحوّل عامل انقسام في البلد بدل أن تكون عامل توحيد له. ولمنع سقوطها بهذا الفخ، اقترحنا على السيد نصرالله يومها إنشاء مجلس أعلى للمقاومة يضم كل الأفرقاء والأحزاب الذين شاركوا في العمل المقاوم بالإضافة إلى شخصّيتين مارونيّتين هما النائب الراحل نسيب لحود والوزير السابق جان عبيد، لكنه أجاب (نصر الله): عليكم أن تسألوا السوري أولاً إذا كان يوافق على ذلك».

وحول وضع اليسار في لبنان ومستقبله، يُشير مرتضى إلى أن «الحزب الشيوعي ما يزال حاضراً بتاريخه في وعي وضمير فئات واسعة من المجتمع اللبناني ولا أحد يستطيع شطبه من التاريخ أو أن ينسى دوره في عمليّة التحرير والتغيير». ويقول: «شئنا أم أبينا، بمبادرات منا أو من غيرنا، فإن الظرف الموضوعي الذي يعيشه لبنان مُهيأ أكثر من أي وقت لنشوء قوى يسارية جديدة وبمفاهيم جديدة تأخذ في الاعتبار التحوّلات الكبرى الدولية والإقليمية والداخلية في كل المجالات، حيث نشهد اليوم مرحلة التفتيش عن إعادة تأسيس للبنى المجتمعية والسياسية لعدد من البلدان، ولا بد من أجل ذلك من بروز حركات وتيارات يسارية وطنية ديموقراطية تحمل لواء بناء الدولة المدنية الحديثة».

ويضيف: «من جهتنا نقوم بمحاولاتنا في هذا الاتجاه في إطار الحزب الشيوعي، كما نتعامل بايجابية مع مبادرة حدادة التي نعطيها الأولوية. وقد نلجأ الى مبادرات أخرى لجمع اليسار على برنامج سياسي قوامه الأساسي فكرة بناء الدولة المدنية، دولة القانون والحق. ويمكن ان يكون شعارنا الأساسي في هذه المرحلة (الشعب يريد تطبيق النظام). وهذا يأتي من خلال تطبيق اتفاق الطائف، الأمر الذي من شأنه أن يُطيح بجزء كبير من الطبقة السياسية الحاكمة التي أمعنت في تهديم البناء الوطني من خلال تجاوُز الدستور وتعميم سياسة الفساد وتحويل البلاد... مزرعة».

Bookmark and Share

comments powered by Disqus